الحروب تعيد تشكيل صناعة التأمين.. وقطر نموذج للاستقرار والتأقلم
الدوحة في 16 أبريل /قنا/ في عالم تتصاعد فيه النزاعات الجيوسياسية بوتيرة غير مسبوقة، يواجه قطاع التأمين واحدا من أعقد التحديات في تاريخه، إذ لم تعد الحروب أحداثا استثنائية بل عنصرا دائما في معادلة المخاطر العالمية، ما يفرض على الشركات إعادة صياغة نماذجها وأساليب عملها.
وفي ظل اتساع رقعة التوترات، يتزايد الطلب على حلول تأمينية متخصصة للتعامل مع مخاطر غير تقليدية تشمل استهداف البنية التحتية، وتعطل سلاسل الإمداد واضطرابات النقل وتلف البضائع.
ومع استمرار هذه المخاطر، ترتفع كلفة التأمين بشكل ملحوظ، حيث تنعكس زيادات أقساط النقل البحري والطاقة والسلع الأساسية على أسعار المنتجات والخدمات، ما يجعل المستهلك جزءا من معادلة المخاطر، بينما تتحمل شركات التأمين مسؤولية إدارة التعويضات في بيئة غير مستقرة.
وتكشف تقارير دولية لجهات مثل /Swiss Re وLloyd’s of London/ عن تحول جذري في القطاع، يتمثل في استثناء شبه كامل للأضرار الناتجة عن النزاعات المسلحة من الوثائق التقليدية مقابل تنامي الاعتماد على تأمين مخاطر الحرب.
ويشير خبراء إلى أن قطاع التأمين أصبح من أكثر القطاعات حساسية لتطورات الحروب، مع ارتفاع كبير في كلفة التغطيات واتساع نطاق المخاطر، ليشمل سلاسل الإمداد وتعطل الأعمال والملاحة والتجارة العالمية.
في المقابل، تلعب شركات إعادة التأمين دورا محوريا في هذا السياق، إذ تضطلع بمهمة توزيع المخاطر على نطاق عالمي، بما يحد من احتمالات انهيار شركات التأمين المحلية عند وقوع خسائر كبيرة.
وفي هذا السياق، أكد السيد ناصر راشد المسند، الرئيس التنفيذي لشركة الضمان للتأمين الإسلامي (بيمه)، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن قطاع التأمين يواجه تحديات متزايدة فرضت عليه إعادة صياغة نماذج عمله وآليات إدارة المخاطر، مشيرا إلى أن الحروب لم تعد أحداثا استثنائية، بل أصبحت عنصرا دائما في تقييم المخاطر، مما انعكس بشكل مباشر على تكلفة التأمين وطبيعة التغطيات المقدمة.
وقال المسند: "لم تعد إدارة المخاطر داخل شركات التأمين تقتصر على متابعة المؤشرات التقليدية، بل أصبحت وظيفة محورية تقود عملية اتخاذ القرار، من خلال تقييم السيناريوهات المحتملة بشكل مستمر والاستعداد لتطورات قد تكون غير متوقعة في بيئة شديدة التقلب".
وأوضح المسند أن الفترة الأخيرة شهدت ارتفاعا ملحوظا في أقساط التأمين، خاصة في قطاعات النقل البحري والطيران والطاقة، نتيجة زيادة احتمالية الخسائر وتعقيد بيئة المخاطر، لافتا إلى أن تأثير هذه الزيادات امتد ليشمل تكلفة السلع والخدمات، مما يجعل المستهلك جزءا من هذه المعادلة.
وأشار إلى بروز الحاجة إلى منتجات تأمينية كانت في السابق محدودة الاستخدام، وفي مقدمتها التأمين ضد أخطار الحروب، وتعطل الأعمال، وسلاسل الإمداد، إلى جانب التأمين ضد المخاطر السيبرانية، التي أصبحت تمثل أحد أبعاد الحروب الحديثة.
وتابع أن شركات إعادة التأمين تشكل ركيزة أساسية في دعم استقرار القطاع، من خلال توزيع المخاطر على نطاق عالمي، مما يحد من تأثير الخسائر الكبيرة على شركات التأمين المحلية، خاصة في ظل ارتفاع حجم المطالبات المحتملة.
ونوه إلى أن شركات التأمين تعتمد اليوم بشكل متزايد على تحليل السيناريوهات، حيث يتم تصور تطورات مختلفة للنزاعات وتأثيرها على سلاسل الإمداد والطاقة وحركة النقل، ومن ثم قياس الأثر المالي والتشغيلي لكل سيناريو، بما يساعد على اتخاذ قرارات أكثر مرونة واستباقية.
وأوضح أن اختبارات الضغط أصبحت أداة أساسية، حيث تقوم الشركات بمحاكاة ظروف قاسية مثل ارتفاع مفاجئ في المطالبات أو تعطل واسع في الأسواق؛ بهدف التأكد من قدرتها على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها حتى في أصعب الظروف.
وفي المقابل، لفت إلى أن بعض الشركات تلجأ إلى ما يعرف بالاختبارات العكسية، والتي تبدأ من افتراض حدوث سيناريو حاد قد يؤدي إلى فشل الشركة، ثم يتم العمل بشكل عكسي لفهم كيف يمكن أن يحدث ذلك، مما يساعد على اكتشاف نقاط الضعف قبل وقوعها.
وأشار في هذا الإطار إلى أن شركات التأمين تتجه إلى تطوير حلول أكثر تخصصا تعتمد على التحليل المتقدم للبيانات وإدارة المخاطر بشكل لحظي، بما يمكنها من الاستجابة السريعة للمتغيرات والتكيف وتحسين قدرتها على تسعير المخاطر بدقة.
وعلى الصعيد المحلي، نوه المسند بأن دولة قطر تبرز كنموذج للاستقرار الاقتصادي والمالي، حيث ساهمت البيئة التنظيمية المتقدمة ودور مصرف قطر المركزي في تعزيز متانة قطاع التأمين، وتمكينه من التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية بكفاءة، ولا يقتصر هذا الاستقرار على العوامل الاقتصادية فقط، بل يعكس أيضا تطور ممارسات إدارة المخاطر داخل المؤسسات، وحرص الجهات التنظيمية على تعزيز ثقافة الاستعداد المسبق، وليس فقط الاستجابة للأزمات.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة الضمان للتأمين الإسلامي (بيمه) في ختام تصريحه لـ/قنا/ أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من التوسع في المنتجات التأمينية المتخصصة، وربما التوجه نحو حلول جماعية أو إقليمية لتغطية المخاطر المرتفعة، في ظل تزايد تحفظ شركات إعادة التأمين على بعض أنواع المخاطر.
/يتبع/
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو