اليوم العالمي للتطوع.. كل إسهام يصنع فارقا
الدوحة في 04 ديسمبر /قنا/ في الخامس ديسمبر من كل عام، يعود المتطوعون إلى الواجهة، نظير ما يقدمونه للإنسانية من جهود في أسعد الأوقات وأحلكها، ذلك هو "اليوم العالمي للتطوع"، الذي يعد فرصة مواتية للوقوف على مدى ترسيخ ثقافة التطوع في المجتمعات عبر العالم.
واختارت الأمم المتحدة هذه السنة شعار " كل إسهام يصنع فارقا " الذي يحمل دلالة خاصة، إذ يشهد الإطلاق العالمي الرسمي للسنة الدولية للمتطوعين من أجل التنمية المستدامة (2026).
وأعلنت الأمم المتحدة الخامس من ديسمبر يوما عالميا للتطوع في عام 1985، ويهدف هذا اليوم إلى شكر جميع المتطوعين على جهودهم المبذولة دون مقابل، إضافة إلى رفع مستوى الوعي عند الناس بهذا العمل من أجل زيادة مساهمتهم في بناء المجتمع.
وقررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2023، إعلان 2026 سنة دولية للمتطوعين من أجل التنمية المستدامة، داعية جميع الدول الأعضاء ومؤسسات منظومة الأمم المتحدة وسائر المنظمات الدولية والإقليمية والجهات المعنية الأخرى صاحبة المصلحة، بما في ذلك المجتمع المدني والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية، إلى الاحتفال بالسنة الدولية، بطريقة مناسبة، بهدف التوعية بأهمية المتطوعين في تحقيق التنمية المستدامة.
وناشدت الجمعية الدول الأعضاء، والمشاركين الآخرين في الاحتفال بالسنة الدولية، إلى الاعتراف بإسهام المتطوعين والعمل التطوعي، بشكل رسمي وغير رسمي، في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وقياسها، وإدماج العمل التطوعي في خطط التنمية الوطنية، واعتماد سياسات تزيل جميع أوجه عدم المساواة وجميع المخاطر في العمل التطوعي، ودعم وضع برامج لتبادل المعارف والمعلومات بهدف تطوير وتحسين أشكال جديدة من العمل التطوعي.

كما دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها، برنامج متطوعي الأمم المتحدة إلى تيسير تنفيذ السنة الدولية، مع مراعاة أحكام المرفق بقرار المجلس الاقتصادي والإجرائي 67/1980، فضلا عن دعوة برنامج متطوعي الأمم المتحدة إلى مراجعة الجمعية العامة في دورتها الثانية والثمانين على مستجدات تنفيذ هذا القرار، بما يشمل تقييما لتنفيذ السنة الدولية.
وشددت على أن تمول تكاليف جميع الأنشطة التي قد تقررت بشأن تنفيذ هذا القرار من التبرعات، بما في ذلك التبرعات من القطاع الخاص.
من جهتها، تولي دولة قطر أهمية قصوى للعمل التطوعي، من خلال المؤسسات المخولة بهذا الأمر والمعنية بتيسير العمل التطوعي وتأطيره.
وفي هذا الصدد، قالت السيدة فاطمة جمعة عيسى المهندي رئيس قسم التطوع سابقا في قطر الخيرية، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية " قنا "، إن التطوع ليس عملا جانبيا في المجتمع، بل هو طاقة قادرة على تغيير الواقع وبناء إنسان أكثر وعيا ومسؤولية، منوهة بأن ما تراه في تجربتها اليومية هو أن التطوع يغير قبل أن يغير المستفيد؛ إذ يمنحه معنى، وشعورا بالإنجاز، وقدرة على رؤية دوره الحقيقي في المجتمع.
أما على المستوى المجتمعي، فأوضحت أن التطوع يخلق جسور ثقة بين المؤسسات والجمهور، ويسرع الحلول للمشكلات الاجتماعية بروح المبادرة بدلا من انتظار الحلول التقليدية. حيث إن الفرق الذي يصنعه التطوع يظهر في لحظات بسيطة، ممثلة لذلك بطفل يستعيد أمانه في مركز حماية، وأسرة تحصل على حقها في الرعاية، وطالب يبدأ رحلته في خدمة مجتمعه، أو مؤسسة تعالج فجوة اجتماعية بفضل فريق متطوعين. تلك اللحظات الصغيرة هي ما يصنع التحول الكبير. فالتطوع هو اللغة المشتركة التي تجمعنا رغم اختلافاتنا، وهو الاستثمار الأذكى في رأس المال البشري، وهنا يتجلى شعار هذا العام للاحتفاء باليوم العالمي للتطوع "كل إسهام يصنع فارقا".
وحول سبل تعزيز العمل التطوعي، وخصوصا لدى الناشئة، قالت السيدة فاطمة جمعة عيسى المهندي رئيس قسم التطوع سابقا في قطر الخيرية: "إذا أردنا جيلا يؤمن بالتطوع، فعلينا أن ننتقل من دعوتهم للتطوع إلى صناعة تجاربهم التطوعية.. الناشئة يحتاجون لمساحات يرون فيها أثرهم مباشرة، وليس محاضرات نظرية".
وأضافت أن "الخطوة الأولى هي تضمين التطوع في البيئة المدرسية والجامعية كمسار عملي مرتبط باهتمامات الطلاب، لا كمتطلب شكلي. والخطوة الثانية هي توفير نماذج ملهمة من المتطوعين الشباب الذين يقودون مبادرات حقيقية. عندما يرى الشاب نظيره يقود مشروعا اجتماعيا أو بيئيا، يصبح التطوع خيارا طبيعيا. كما نحتاج إلى منصات واضحة، سهلة، وآمنة، تنظم الفرص التطوعية وتربطها بمهارات قابلة للبناء. والأهم أن نظهر للطلاب أن التطوع ليس منفصلا عن حياتهم المهنية، بل هو مساحة لاكتشاف الذات، وتنمية القيادة، وبناء الخبرة. عندما يشعر الناشئة أن التطوع يضيف لهم معنى ومهارة وصوتا، سيصبح اختيارهم الأول وليس الأخير".
وأكدت المهندي أن احتياجات المجتمعات تتغير بسرعة، ولذلك يجب أن تتطور معها مجالات التطوع، موضحة: "نحن اليوم بحاجة إلى التطوع المتخصص أكثر من التطوع التقليدي. نحتاج متطوعين في مجالات: حماية الأطفال، والصحة النفسية، والدعم التعليمي، وتمكين الأسر".
وعن أوجه التطوع التي نحتاجها، وأشكاله التي نحن بأمس الحاجة إليها في المجتمع، شددت فاطمة المهندي على الحاجة الماسة إلى التطوع المبني على المعرفة كالتطوع القانوني، والتقني، والبحثي، وصناعة المحتوى التوعوي، حيث إنه في عالم مزدحم بالمعلومات، تكون قيمة المتطوع المتمكن أعلى من أي وقت مضى.
وأضافت رئيس قسم التطوع سابقا في قطر الخيرية: "أننا بحاجة إلى تطوع طويل الأمد، لا يعتمد فقط على الفعاليات الموسمية، بل على مشروعات لها استدامة وأثر.. فالتطوع المؤسسي كذلك أصبح أساسيا، حين تتبنى الشركات جزءا من مسؤوليتها عبر مبادرات ذات أثر واضح تقودها كوادرها. والأهم هو التطوع الذي يلمس احتياجات الناس الحقيقية، لا التطوع الذي يناسب ما اعتبرته: (الصورة) أو (الظهور). فالمجتمع بحاجة إلى تطوع يدار باحتراف ويقاس أثره ويبنى عليه".
وبخصوص الطفرة التكنولوجية والرقمية التي يشهدها العالم، وما إذا كان العالم الإسلامي والعربي يواكب هذا الأمر، ويستغله من أجل تعزيز العمل التطوعي محليا وعالميا، ودور الذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة العمل التطوعي وإعطائه دفعة أقوى للأمام، أشارت فاطمة المهندي إلى أن هناك جهودا متقدمة في العالم الإسلامي والعربي لمواكبة التحول الرقمي.
واستدركت قائلة: "لكننا ما زلنا في بداية الطريق مقارنة بالإمكانات المتاحة.. فالتكنولوجيا ليست رفاهية في مجال التطوع، بل هي أداة لفتح الأبواب أمام ملايين المتطوعين عبر منصات ذكية توفر الفرص، وتقيس الأثر، وتبني مجتمعات تطوعية حقيقية. أما الذكاء الاصطناعي فهو أكبر فرصة لإعادة صياغة العمل التطوعي بالكامل، حيث يمكنه تحليل احتياجات المجتمع بدقة، وتوجيه المتطوع المناسب للمهمة المناسبة، وتوفير محتوى تدريبي فوري، وقياس الأثر بطريقة لم تكن ممكنة سابقا".
وأضافت: "سيجعل الذكاء الاصطناعي التطوع أكثر سرعة، وأكثر عدالة، وأكثر وصولا للفئات التي لم نصلها من قبل. وفي تصوري، المرحلة القادمة ستشهد اندماجا بين التطوع الرقمي والتطوع الميداني، حيث يعمل الإنسان والتقنية معا لخلق حلول إنسانية أعمق وأسرع. التحدي ليس في وجود التقنية، بل في كيفية استخدامها لخدمة الإنسان بوعي ومسؤولية".
English
Français
Deutsch
Español