الرياح الانفصالية .. هل تهب على إيطاليا
الدوحة في 22 أكتوبر /قنا/ من الواضح أن حمى الانفصال أو الاستقلال باتت تجتاح العالم بأسره، ولم تستثن منطقة أو قارة سواء في شرق الكرة الأرضية أو غربها، وتجمع بين التحركات الانفصالية عوامل مشتركة في مقدمتها الثراء الذي تتمتع به الأقاليم الساعية للانفصال دون غيرها من أقاليم الدولة التي تنتمي إليها.
وتطالب هذه الأقاليم بتكافؤ في توزيع الثروات، وتقول إنها غير مستعدة لتحمل أعباء اقتصادية لصالح أقاليم أخرى في بلدانها، كما تستند التحركات الانفصالية على عوامل وجذور سياسية وعرقية واقتصادية عميقة تعود لقرون ماضية، لكن الأمر الخطير في هذه التوجهات أن ثمنها غالبا ما يكون الصراع العسكري والمواجهة.
ولم تكن البداية في كردستان العراق، ولن تكون النهاية في إقليم كتالونيا في إسبانيا، فخرائط العالم تتغير، وقد تشهد الكثير من التحركات والأنشطة الانفصالية خلال المرحلة القادمة في انعكاس للمستجدات والأزمات الدولية خاصة على الصعيد الاقتصادي.
ومع صباح هذا اليوم توجه الناخبون في منطقتين ثريتين في شمال إيطاليا المزدهر للإدلاء بأصواتهم في استفتاءين منفصلين حول إمكانية حصولهما على المزيد من الصلاحيات في إدارة شؤونهما الداخلية، والإقليمان هما " لومبارديا " وعاصمته ميلان و" فينيتو" وعاصمته فينيسيا أو مدينة البندقية ، وتدير الإقليمين الرابطة الشمالية المناهضة للمهاجرين وهي أكبر حزب في المجالس الإقليمية هناك، وهي التي تحتج دوما على جمع الضرائب في شمال إيطاليا من أجل إغناء ودعم المناطق الجنوبية ذات الدخل الضعيف، ويعتبر هذان الإقليمان رئة الاقتصاد الإيطالي، وينتجان لوحدهما ربع ناتجه المحلي الخام.
وقد ظهرت رغبة فينيتو في الاستقلال عن روما خلال عام 2014 عندما نظم الإقليم استفتاء لم يعترف به رسميا، وصوت فيه مليون نسمة من سكان المنطقة بـ"نعم" لصالح الانفصال عن باقي الأراضي الايطالية، التي تم توحيدها قبل أكثر من 150 عاما، لكنها لا تزال تنقسم أساسا إلى جزأين هما المناطق الشمالية وتعد من بين أغنى المناطق في أوروبا، والمناطق الجنوبية الأقل ازدهارا.
ويرى الكثير من أهالي شمال إيطاليا أن الثقل الصناعي لوطنهم يقع في شماله وتحديدا في منطقة ميلان، ولذلك يعتقدون بأنهم يدفعون الضرائب للحكومة المركزية في روما أكثر من تمتعهم بخدماتها، وبعبارة أخرى يرون أن الشمال الإيطالي أصبح مصدرا أو معطيا أكثر من كونه مستوردا أو مستفيدا، وقد أدت مثل هذه الأحوال إلى ظهور بعض الأصوات الداعية للاستقلال ولإيجاد دولة جديدة في شمال إيطاليا.
ومن وجهة النظر الاقتصادية فإن السكان إذا أرادوا البقاء ضمن بلد ما، أو إذا قرروا الانفصال عنه أو حتى الانضمام لبلد آخر فإنهم يقومون بالمقارنة بين التكلفة والفائدة، وإذا كانت فوائد البقاء ضمن دولة ما أكثر من التكاليف المتوقعة إزاء هذا البقاء فسيهمل كل صوت يدعو للانفصال، ولا أحد يكترث به، ولكن إذا كانت فوائد الانفصال أو الانضمام لدولة أخرى أكثر من تكاليف البقاء عندها سيهتم أفراد المنطقة المعنية بهذا المطلب، ويتحول تدريجيا إلى مطلب جاد، وأفعال وتحركات لتجسيده على أرض الواقع.
وحسب صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية، يجري الاستفتاء التاريخي في شمال إيطاليا في إطار دستوري وقانوني، ذلك أن الدستور الإيطالي يمنح الجهات الإيطالية "حرية المطالبة بحكم ذاتي، وإدارة محلية أكثر تحررا من الإدارة المركزية المباشرة، وسؤال الاستفتاء الذي سيوجه إلى الناخبين في المنطقة الشمالية وعددهم حوالي 11 مليونا من إجمالي 60 مليون إيطالي هو ما إذا كانوا يريدون من ممثليهم التفاوض مع الحكومة المركزية في روما حول شروط خاصة للحكم الذاتي، وعلى الحصول على عائد أكبر على ضرائبهم.
وقد حددت حكومة إقليم لومبارديا برئاسة روبرتو ماروني 23 قطاعا تريد السيطرة عليها، بما في ذلك تلك المتعلقة بالأمن والهجرة والتعليم والبحث العلمي وحماية البيئة، وقالت إنها ترسل 54 مليار يورو من الضرائب إلى روما أكثر مما تحصل عليه في المقابل، وهي معادلة تأمل في تغييرها.
وعلى الرغم من أن السيطرة على تلك القطاعات من شأنها أن تمنح لومباردي استقلالا كبيرا وموارد كبيرة، فقد حرص السيد ماروني على القول إن التصويت لن يقوض الوحدة الإيطالية، وأضاف أن ما نطلبه أمر يسمح به الدستور.
و"فينيتو" هو أحد أقاليم إيطاليا العشرين، يقع في شمال شرق إيطاليا، عدد سكانه 4.759.872 نسمة ومساحته 18391,22 كيلومتر مربع، وعدد مدنه وبلداته وقراه 581، عاصمة الإقليم هي البندقية ، ويعتبر الإقليم من أغنى الأقاليم الإيطالية من ناحية المعالم والأماكن التاريخية وخصوصا آثار عصر النهضة التي تمثل ذروتها في البندقية وكذلك أماكن تاريخية ترجع إلى الحضارة الرومانية، اقتصادها الذي كان يتكل في السابق على الزراعة والضرائب بات حاليا اقتصادا صناعيا مزدهرا ومقرا لبعض دور الأزياء الإيطالية وكذلك قطاع السياحة الذي يساهم في اقتصاد الإقليم خاصة وإيطاليا عامة نظرا لما يتمتع به الإقليم من مزايا، ويتكون الإقليم من سبع مقاطعات أبرزها فينيسيا .
أما إقليم "لومبارديا" فيقع في شمال إيطاليا ، يحده شمالا سويسرا وشرقا إقليما ترينتينو ألتو أديجي وفينيتو، وجنوبا إقليم إميليا رومانيا، وغربا إقليم بييمونتي، وهو أكبر الأقاليم الإيطالية من حيث عدد السكان حيث يبلغ عددهم حوالي 9.509.135 نسمة، تبلغ مساحته 23.861 كيلومتر مربع، يشكل سكان إقليم لومبارديا حوالي سدس إجمالي سكان إيطاليا، ويبلغ الناتج المحلي للإقليم نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا، مما يجعله أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان وأغنى المناطق في البلاد وأحد أغنى المناطق في أوروبا، ويقسم الإقليم إلى اثنتي عشرة مقاطعة أبرزها ميلانو.
ويأمل إقليم لومبارديا في جذب مزيد من الاستثمارات، ويسعى لاستقطاب المستثمرين الهاربين من إقليم كتالونيا، خوفاً من خروجهم من دائرة الاتحاد الأوروبي في حالة الانفصال عن إسبانيا، وذلك بعد بريطانيا التي تعقد محادثات صعبة مع بروكسل من أجل الخروج.
ومن سوء حظ الإقليمين أن تحركاتهما ومطالبهما بالمزيد من صلاحيات الحكم الذاتي تتزامن مع أزمات يتعرض لها الاقتصاد الإيطالي ، وهي أزمات لا يتوقع المراقبون نهاية لها قبل عام 2023، وتتوقع إيطاليا خلال العام الجاري نمواً مخيباً للآمال لا يتعدى 0.8 % بزيادة 0.1 % عن العام الماضي، ويتوقع أن يصل معدل النمو في السنة المقبلة إلى 0.9 %.
وتعتبر هذه الأرقام من بين الأضعف أوروبيا، ففرنسا، على سبيل المثال تراهن على نمو في حدود 1.8 % مقابل 3 % في إسبانيا، ويقول اتحاد الصناعات الإيطالي إن الاقتصاد الإيطالي يتحرك ببطء شديد من دائرة الركود ولذلك سيحتاج إلى حوالي 8 سنوات حتى يعود إلى مستوياته قبل الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في أواخر عام 2008، ولا تترتب على الاستفتاءين نتائج ملزمة، بيد أن حكومتي الإقليمين تأملان في إقبال قوي على التصويت لتعزيز مواقفهما في المقايضة والمفاوضات مع روما، والسيناريو الأكثر احتمالا هو التصويت بنعم بأغلبية كبيرة لصالح المزيد من الحكم الذاتي الإقليمي .
وعندها سيطلب إقليما لومبارديا وفينيتو من الحكومة في روما البدء في المفاوضات التي لا يعلم أحد حدودها وأبعادها المستقبلية، على الصعيدين الإيطالي والأوروبي بوجه عام.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو