الدفتيريا.. قاتل آخر يهدد حياة اليمنيين
عدن في 21 نوفمبر /قنا/ يواجه اليمنيون إلى جانب الحرب الدائرة في البلاد العديد من المخاطر المهددة للحياة أبرزها الأوبئة والأمراض الفتاكة في ظل التدهور الحاد الذي أصاب القطاع الصحي برمته وأفقده القدرة على مواجهتها والقضاء عليها.
ففي حين لا يزال وباء الكوليرا يوزع الموت في معظم المناطق منذ بدء انتشاره أواخر شهر إبريل الماضي، حيث تسبب حتى الآن بوفاة نحو2207 أشخاص في 22 محافظة يمنية بحسب آخر إحصائية نشرتها منظمة الصحة العالمية يوم الأربعاء الماضي، بدأ الحديث عن تفشي وباء جديد مهدد للحياة يسمى الدفتيريا "الخناق" بعدد من محافظات البلاد.
وأعلنت وزارة الصحة بالعاصمة صنعاء أنها تواجه في الوقت الحالي انتشار لوباء الدفتيريا في عدد من المحافظات ،وأنه تم تسجيل 14 حالة وفاة بهذا المرض حتى الآن وأكثر من 150 حالة إصابة.
وقال عبدالحكيم الكحلاني المتحدث باسم وزارة الصحة في بيان صحفي إن الوزارة تواجه حاليا انتشار وباء الدفتيريا بعدد من المحافظات وتجد نفسها عاجزة عن اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من انتشاره، مؤكدا أن هذا العجز يأتي بسبب إغلاق مطار صنعاء الدولي حتى أمام طائرات الأمم المتحدة والصليب الأحمر وأطباء بلاحدود وغيرها من المنظمات لإيصال اللقاحات الواقية ومضادات الذيفان العلاجية للحالات المصابة وكذلك الاستمرار في إغلاق ميناء الحديدة أمام وصول سفن الأدوية والمستلزمات الطبية من جيبوتي وفق ما أعلنته رسميا منظمة الصحة العالمية.
وأشار إلى أن مضادات الذيفان Antitoxin" هي منقذة لحياة المصابين بالوباء وغير متوفرة في داخل اليمن ويجب إحضارها من الخارج بصورة عاجلة .. منبها أن أي إبطاء أو تأخير في إدخال اللقاحات الواقية والمستلزمات الطبية سيؤدي إلى تعريض أكثر من مليون طفل ومثل ذلك بين البالغين لخطر الإصابة والوفاة بسبب الدفتيريا وغيرها من الأوبئة التي تنتشر سريعا في مثل هذه الظروف التي تمر بها اليمن وبسبب التدهور الكبير الحاصل للقطاع الصحي .
وقال إن مخزون اللقاحات المتوفر في البلاد يكفي لشهر واحد فقط وفي حال استمرار إغلاق المنافذ سيؤدي إلى كارثة صحية لأطفال اليمن وستنتشر الفاشيات وتتوسع لتشمل حتى البالغين الذين لم يحصلوا على تطعيماتهم حين كانوا صغارا.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت يوم السبت الماضي عن تفشي مرض الدفتيريا الخناق في اليمن، وأنه تم تسجيل 14 حالة وفاة خلال الأسابيع الأخيرة.
وذكر مكتب المنظمة باليمن في بيان صحفي أن معظم المصابين بالمرض هم من الأطفال ويجب تطعيمهم بجميع جرعات اللقاحات، ولم يحدد بيان المنظمة المحافظات التي تفشى فيها الوباء ، لكن مصادر طبية يمنية أكدت أنه بدأ بالانتشار في مديريتي "يريم ، والسدة" بمحافظة إب وسط البلاد خلال الأسابيع الماضية، وأنه تم تسجيل 12 حالة وفاة بهذا المرض ، فيما أكد مكتب الصحة بمدينة تعز جنوبي العاصمة صنعاء تسجيل أول حالة إصابة بالمرض قبل نحو أسبوعين ، كما تحدثت مصادر طبية في نفس المحافظة يوم أمس الأول عن وفاة طفل مصاب بالوباء أثناء محاولة إسعافه في أحد مستشفيات المدينة .
وينجم مرض "الخناق" بحسب خبراء الطب والذي يسمى أيضا بمرض "الدفتيريا" عن الإصابة بجرثومة تدعى جرثومة الوتدية الخناقية "Corinebacterium diphteriae" وهو نادر الحدوث في المجتمعات التي تحرص على تلقيح الأطفال ضد "الخناق" ويكون أكثر شيوعا خلال فصلي الشتاء والربيع .
ويصيب المرض بشكل أساسي، الفم والعينين والأنف، وأحيانا الجلد، وتتم الإصابة بالعدوى من حامل الجرثومة عن طريق اللعاب، كما تبدأ علامات "الخناق" بالظهور لدى الأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح ضد "الخناق"، وذلك بعد فترة حضانة هادئة تمتد من يومين إلى ستة أيام .
وأشار تقرير لمنظمة الصحة العالمية إلى أن مخاطر الإصابة بهذا الوباء تتزايد في أماكن الازدحام الشديد والتشرد وحياة السجون، مؤكدا أن مخيمات النازحين جراء الحرب المتصاعدة في اليمن منذ أكثر من عامين ونصف ستكون أكثر عرضة لهذا المرض.
وسيكون انتشار هذا المرض باليمن أكثر خطرا كغيره من الأمراض الوبائية، مع التدهور والدمار الكبير الذي أصاب القطاع الصحي بسبب الحرب الدائرة في البلاد منذ نحو ثلاثة أعوام، حيث تؤكد تقارير نشرتها عدد من المنظمات الدولية المهتمة خلال الأشهر الماضية أن الحرب أدت إلى حدوث دمار في البنى التحتية والمنشآت الصحية، ولم تعد المستشفيات قادرة على استقبال المرضى أو تقديم العلاج لندرة الأدوية والمعدات الصحية المطلوبة. مشيرة إلى أن الحرب تسببت أيضا بإغلاق أكثر من 600 منشأة طبية معظمها في مدينة تعز جنوبي العاصمة صنعاء والتي تعاني من حصار خانق من قبل جماعة الحوثي وصالح منذ أكثر من عامين.
وحذرت التقارير من أن الوضع الطبي في اليمن ينذر بكارثة، في ظل بقاء أقل من نصف مستشفياتها وعياداتها الطبية فقط مفتوحة أمام المواطنين.
وقالت إن الانهيار الذي أصاب القطاع الصحي هو إحدى العواقب المباشرة للنزاع في البلاد والقيود التي أصابت عمليات الاستيراد بالشلل لا سيما الأدوية والإمدادات الطبية الضرورية للغاية، وإن العاملين في المجال الطبي وموظفي الهلال الأحمر اليمني ومتطوعيه يضطلعون بالمهام الموكلة إليهم على أكمل وجه قدر استطاعتهم، رغم النقص الحاد على جميع المستويات.
كما تعاني المنشآت الطبية التي لاتزال تقدم خدماتها للمرضى من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات مع تفشي الأمراض والأوبئة وخاصة في المناطق المزدحمة بالسكان والمتضررة كثيرا من الحرب.
ففي مدينة تعز جنوبي العاصمة صنعاء، أطلقت هيئة مستشفى "الثورة" الحكومي أكبر مستشفيات المدينة نداء استغاثة لإنقاذ حياة 400 من مرضى الفشل الكلوي، بعد أن أوشكت مواد الغسيل ومستلزماتها على النفاد.
وأوضحت في بيان صحفي أصدرته يوم السبت الماضي أن المركز كان يجري لمرضى الفشل الكلوي من 80 - 88 غسلة يوميا خلافا للحالات الإسعافية التي يستقبلها بين الحين والآخر.
وقالت نطلق هذه المناشدة العاجلة بعد كثير من المحاولات مع الشركة الموردة للمواد والمستلزمات الخاصة بالغسيل الكلوي لإقناعها بتوريد كمية من المواد والمستلزمات الطبية، وقد باءت كل المحاولات بالفشل نظرا لعدم سداد المديونية السابقة و البالغة 600 ألف يورو.
وفي الآونة الأخيرة تزايدت التحذيرات من قبل المنظمات الدولية من تفاقم الوضع الإنساني باليمن بما في ذلك مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة وذلك مع الحظر المفروض على المنافذ الجوية والبحرية شمالي البلاد والذي دخل أسبوعه الثالث.
وأكدت الأمم المتحدة في تقرير لها الأسبوع الماضي أن فرض الحظر على المنافذ اليمنية ومنع دخول الأدوية واللقاحات ونقص الوقود الذي يصل ميناء الحديدة غربي البلاد سيؤثر على ملايين الأشخاص الذين يعانون بالفعل من نقص الخدمات الصحية والأمراض المتعددة التي يمكن الوقاية منها وخاصة مع تفشي مرض "الدفتيريا".
وبحسب التقرير فإن عدم القدرة على توريد الأدوية واللوازم الأمومية المنقذة للأرواح، من شأنه أيضا أن يهدد حياة 400 ألف امرأة حامل، بما في ذلك 53 ألف امرأة حامل، من المحتمل أن تتطور مضاعفات لهن أثناء الولادة.
وتأتي المجاعة بحسب التقرير على رأس التهديدات القادمة، في حال استمرار الحظر، حيث يعتمد 7 ملايين نسمة بشكل تام على المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية ، كما يقدر برنامج الأغذية العالمي وجود 3.2 مليون شخص إضافي على وشك السقوط في براثن الجوع إذا ما ترك الأمر دون علاج، محذرا من أن 150 ألف طفل يعانون من سوء التغذية قد يموتون خلال الأشهر المقبلة.
ويرى مراقبون للشأن اليمني أن استمرار الحرب وغياب أي بوادر لإيقافها سيدفع بالوضع الإنساني إلى المزيد من التدهور، وستكون الجهود المبذولة لمواجهة انتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة غير مجدية إلى حد كبير وربما تذهب أدراج الرياح.
تقرير الأبحاث والدراسات
English
Français
Deutsch
Español