كعك قليبية جزء من التراث اللامادي وحرفة تتوارثها الأجيال وتنتعش خلال شهر رمضان... إضافة أولى
حرفة ضاربة في التاريخ
ومن القصص المتداولة حول تاريخ الكعك في منطقة "وادي الخطف" التي يقول متساكنوها إنها أول من بدأ بإنتاجه، أن "ايد" (عمدة) المنطقة أهداه قديما إلى أحد البايات وقد دهش هذا الأخير بطريقة إعداده خاصة وأنه يطبخ في "الفرن البوني" ومحشو بالتمر بطريقة لا يفهمها إلا من يجيد صناعته.
وحول تاريخ صناعة الكعك في قليبية، تقول منال مجيد إن الروايات الشفوية ترجح أن يكون من أصول أندلسية، وتبين أنه رغم المعلومات القليلة والشحيحة حوله إلا أن المراجع تشير إلى أن هناك مجموعة من الأندلسيين الذين توافدوا على تونس استقروا بمنطقة الوطن القبلي بين بني خيار ورمبالية وسليمان وأربع أو خمس عائلات من ضمنهم استقروا بمنزل تميم ومن هناك بدأت عادة صنع الكعك، إذ يروى أن الأندلسيين آنذاك كانوا يقومون بتهريب الذهب في حلويات دائرية الشكل.
وتؤكد منال مجيد أن سكان قليبية هم من حافظوا على هذا الموروث وعلى مختلف العادات المرتبطة به في حين أدخل سكان المناطق الأخرى تغييرات على طريقة صناعة الكعك من ضمنها استعمال "السميد المحور" بدل القمح اللين في منطقتي منزل تميم وحمام الغزاز.
وفي السياق ذاته، تؤكد نجيبة بن خليفة على أن الكعك عادة متوارثة عبر الأجيال حتى إن أمها التي ولدت سنة 1919 هي من علمتها ذلك، ومكنتها من حضور جلسات النسوة.
وعن المتداول في هذه الجلسات، أشارت أنها تمتاز بترديد الأغاني المرتبطة بالبحر والبحارة نظرا لأن أغلب الرجال في أسر المنطقة آنذاك يعملون في البحر وأيضا لأن البحر من أهم مظاهر جمال قليبية.
وحول اختلاف خصوصيات الكعك من منطقة إلى أخرى، أشارت منال مجيد إلى أنه بالإضافة إلى الفرق في المكونات فإن هناك اختلافات في الحجم، ففي منطقة منزل تميم تعد النساء كعكا بأحجام صغيرة، في حين عرفت قليبية بالكعك كبير الحجم الذي يستمد شكله من دائرة البرج الأثري بقليبية ويحاكي أيضا شكل الخبز الذي ينجز في التنانير القرطاجية.
من نشاط منزلي إلى حرفة تستقطب السياح
حين تعلمت نجيبة حرفة صناعة الكعك لم تكن تعلم أنها ستصبح ذات يوم رائدة في بيعه وستتمكن من تحويله إلى رأس مال رمزي تواجه به مصاعب الحياة. تقول نجيبة في هذا الإطار "إلى غاية بداية الألفينات لم يكن الكعك يباع بل كان يصنع داخل الأسر بطريقة مجانية، ولكن بعد أن توفي زوجي ولم يكن لي أي مورد رزق امتهنت صناعة الكعك وبيعه للأفراد ولمحلات المرطبات وتحديدا منذ 2002".
وحول صعوبات هذه المهنة أشارت "الكعاكة" (اسم يطلق على صانعة الكعك)، إلى أن هذا العمل تطور عبر السنوات فبعد أن كانت النساء تعجن الدقيق بأيديهن، وهو أمر مرهق، أصبحن يعتمدن على آلة للعجن وهو ما خفف كثيرا من التعب الجسدي.
وفي حديثها عن إقبال الناس على شراء الكعك، قالت نجيبة إن الإقبال كبير جدا خاصة من متساكني الوطن القبلي ثم من مختلف ولايات الجمهورية بشكل عام، حتى إنها تمكنت بفضل هذه المهنة من تحسين أوضاع عائلتها وإعالة أبنائها إلى أن كبروا. واليوم بناتها وزوجات أبنائها توارثن المهنة وأصبحن يعملن معها.
باتت نجيبة بن خليفة اليوم مرجعا في صناعة الكعك والترويج له في منطقة قليبية، وهو ما جعل وسائل الإعلام تتوافد عليها لتصوير مختلف مراحل إعداد هذه الحلويات كما أصبحت قبلة لوفود من عديد الدول العربية والعالمية ممن يهتمون بالتراث الغذائي المحلي للشعوب.
وعن عادات الجدات الخاصة بالكعك تحدثت منجية، وهي امرأة من منطقة وادي الخطف تجاوزت الثمانين من عمرها، عن تمسكها بما علمتها إياه أمها، وهو أن يتم تخزين الدقيق المخصص للكعك قبل سنة من إعداده، وقالت إن القمح اللين كلما جف، أفرز دقيقا أكثر جودة، وأيضا تحدثت عن ضرورة استعمال زيت زيتون يكون قد مر على خروجه من المعصرة أكثر من سنة، وشددت على ضرورة شراء التمر وتنظيفه ورحيه وخلطه مع القرفة وشوش الورد بنفسها (بدل شراء المكونات جاهزة) حتى تضمن أن يكون على جودة عالية.
وتقول الخالة منجية إن عادة صناعة الكعك ضاربة في القدم فهي تتذكر أن أمها المتوفاة منذ أكثر من أربعين سنة كانت هي الأخرى تشارك ضمن اللقاءات النسائية المخصصة لصناعته.
وخلال بحثها عن مراجع توثق لتاريخ العادات والمهارات المرتبطة بالكعك كجزء من الهوية الثقافية القليبية، اكتشفت منال مجيد أن الكعك لقي نصيبا هاما من التوثيق، حيث حظي باهتمام عدد من الباحثين على غرار الكاتبة السويدية " Anna Wieslander أنا وايزلاندر" التي عاشت لفترة في المنطقة وكتبت أثرا بعنوان "En stad i Tunisien : Kelibia" سنة 1970، كما ورد الكعك أيضا في كتاب الباحث القليبي محمد الصادق عبداللطيف وعنوانه "قليبية مدينة تروي قصة التاريخ" (1999).
ولئن لقي كعك قليبية اهتمام وسائل الإعلام وبعض الجمعيات وتم حصره ضمن قائمة التراث اللامادي التي قام المعهد الوطني للتراث بجردها في مرحلة أولى، وتولى مركز الفنون والثقافة والآداب القصر السعيد تحيينها في مرحلة ثانية، فإن هذا الاهتمام بقي مرتبطا في أغلبه بالجانب الغذائي للمسألة في حين يتطلع العارفون إلى تعميق البحث فيه على أمل تسجيله على قائمة التراث العالمي اللامادي لليونسكو حتى تثمن المهارات المتعلقة بصناعة كعك قليبية كجزء من الخصوصيات الثقافية لهذه المنطقة وتحفظ من الاندثار.
/يتبع/
English
Français
Deutsch
Español