عام 2022.. التماعات مدن أردنية في فضاءات الإبداع والأصالة والحضارة... إضافة ثالثة وأخيرة
وعلى امتداد مئات السنوات، كانت مدينة السلط محطة مهمة للتجار والحجاج في طريقهم إلى القدس أو دمشق أو بغداد أو مكة، وكان سكان المدينة يرحبون بالزوار ويقدمون لهم الطعام والسكن.
السلط، التي تشكل شاهدا لا مثيل له على التراث العمراني، تضم ما يزيد على 600 مبنى تراثي يتراوح تاريخها من 100 إلى 400 عام، وتشتهر بطراز تراثها المعماري المميز، وتمثل نموذجاً اجتماعياً ثقافياً رائعاً يجسد العيش المشترك بين الأردنيين من مسلمين ومسيحيين منذ مئات السنين يتشاركون التقاليد الراسخة في منطقة حضرية واحدة.
ويرجح أن اسم السلط، جاء من الكلمة اللاتينية (سالتوس) والتي تعني "وادي الأشجار" أو"الغابة الكثيفة" أو "أرض التين والعنب" لكثرة الأشجار في المنطقة، فيما تشير روايات إلى أن التسمية جاءت من السريانية (سالتا) والتي تعني الحجر الصلب أو حجر الصوان، وأخرى إلى "سالتوس" نسبة إلى القائد اليوناني الذي فتحها زمن الإسكندر المقدوني، وبني فيها معبد للإله (زيوس) في منطقة (زي) التي نسبت إليه، فيما ذكر ابن عساكر الدمشقي اسم السلط بالطاء بينما يرد ذكرها عند أبي الفداء باسم الصلت.
وتقع السلط مركز محافظة البلقاء، على نحو 30 كيلومترا شمال غربي العاصمة عمّان، وتمتاز طبيعتها بخضرة خلابة، ومياه ينبوع "جاد/جادور" العذبة والصافية.
كما تحتوي المدينة على معالم تراثية ومواقع وأحياء وأدراج تاريخية وقديمة ومنها، الجدعة وحي السلط القديم وسوق (السكافية)، ولاسيما مبانيها التراثية التي تزيد على 600 مبنى تراثي، ومنها بيت أبو جابر أحد أبرز البيوتات التراثية في وسط مدينة السلط العتيقة والذي جرى تحويله إلى متحف، ويعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر والمبني من الحجر الجيري المحلي بأسقف جدارية إيطالية ونوافذ زجاجية ملونة على طراز فن "آرت نوفو" للزخرفة، والأعمدة المزخرفة والبلاط الخزفي الذي جلب من سوريا، بالإضافة إلى /خربة زي/ وبلدتي صافوط وعين الباشا اللتين تتبعان لمحافظة البلقاء.
وحول النمط المعماري والضيافة الحضرية، تقول الدكتورة ديالا العطيات الباحثة وأستاذة العمارة في جامعة الإسراء الأردنية، إنه خلال السنوات الستين من أواخر العهد العثماني (1860-1920)، ازدهر وسط مدينة السلط مع وصول التجار اليها كونها رابطا تجاريا مهما بين الصحراء الشرقية والغرب، ومع توطين التجار من نابلس وسوريا ولبنان، ازدهر الاقتصاد الخاص بالمدينة مما أدى إلى اجتذاب العديد من البنائين والحرفيين المهرة الذين أسهموا في رفد المدينة بتصاميم مميزة تركت أثرها المعماري وميزتها عن غيرها بالحجر الجيري الاصفر المحلي، وبتنويع تصميم المساكن العائلية والمباني العامة التي تجمع بين التقاليد المحلية والفنون الحديثة في ذلك الوقت.
وطور المسلمون والمسيحيون جنبا إلى جنب، بحسب الدكتورة العطيات، تقاليد الضيافة السلطية في البيوت، فلا تخلو المدينة من حيز يسمى الديوان أو المضافة ونظام التكافل الاجتماعي والذي يعكس نمط اجتماعي مهم للسكان وفي ذلك مزج بين التقاليد الريفية وممارسات التجار في ذلك الوقت.
وتقول إن وسط مدينة السلط التراثي يتميز بكونه نواة حضرية تاريخية مؤلفة من شبكة من الأدراج والأزقة التي تنتهي بالساحات العامة والمساحات المفتوحة التي تربطها الشوارع، كل هذه العناصر تربط أحياء المدينة ببعضها، لتعكس هذه الخصائص الملموسة الثقافة الحضرية للمدينة والتسامح بين الناس مع اختلاف دياناتهم وثقافاتهم، لافتة إلى أن مجموعة من التقاليد تجمع المسلمين والمسيحيين في مدينة السلط مع عدم وجود أي فاصل مادي بين أحيائهم ومن أهمها تقاليد الضيافة والمضافات والتكافل الاجتماعي.
وتبين أن شارع الخضر الواقع في قلب المدينة والذي يعد من أقدم الشوارع نجده يجمع مختلف النشاطات التجارية والدينية والتعليمية والسكنية معا، ويمتد من ساحة العين بالقرب من الجامع الكبير صعودا حتى يصل إلى كنيسة الخضر والتي تعرف باسم كنيسة القديس جورجيوس، وتعد أقدم كنيسة في المدينة، وبنيت عام 1682 حول مغارة قيل إن القديس جورجيوس ظهر لراع فيها، وتمتلئ الكنيسة الحجرية المقببة من الداخل بالأيقونات والفسيفساء التي تصور القديس جورجيوس وهو يذبح التنانين.
ووفقا للدكتورة العطيات، يتميز هذا الشارع بتلاصق واجهته، بحيث لا يتخللها سوى دخلات فرعية تؤدي إلى شوارع أو مناطق أخرى مثل، كنيسة الراعي الصالح، وحارة العطيات ومنطقة القلعة وشارع الحمام، ويتفرع من شارع الخضر قبل الوصول إلى كنيسة الروم الارثوذكس شارع فرعي يوجد فيه عدد من المباني ذات القيمة التراثية والمعمارية المهمة ومنها البيوتات ذات الفناء المفتوح والموزع الداخلي والبيت ذي الثلاثة بحور.
وأشارت إلى أنه من أشهر شوارعها شارع الحمام في وسط المدينة، والذي سُمي نسبة إلى حمام تركي فيه، وشارع الميدان حيث كان فيه ميدان لسباق الخيل، وشارع الخضر نسبه لمقام الخضر، وشارع الدير وهو آخر امتداد شارع الخضر.
وفي السلط أقدم متحف في الأردن (المتحف الأثري)، ويمثل تاريخ السلط ويحتوي على عدة أركان منها، ركن الآثار القديمة والحلى والملابس والأدوات المنزلية القديمة، والعملة النقدية القديمة لعدة أزمنة وحضارات وغيرها.
يشار إلى أن المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي في الأردن هي: البترا، وقصر عمرة، وأم الرصاص، ووادي رم، والمغطس.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español