منظمة الصحة العالمية بين تحدي التمويل والتصدي للأزمات الصحية /تقرير/
الدوحة في 25 ديسمبر /قنا/ أثار ما نقل مؤخرا عن فريق الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب أن إدارته قد تعلن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من منظمة الصحة العالمية في يوم تنصيبه بحلول العشرين من شهر يناير المقبل، الكثير من التساؤلات والمخاوف بشأن تداعيات مثل هذا القرار -إن تم اتخاذه- في الحد من قدرات المنظمة ومصادر تمويلها، في خضم أزمات صحية لا حصر لها يعيشها العالم، وبعد أن أقرت المنظمة ميزانية لعامي 2024 - 2025 قدرها 6834.2 مليون دولار أمريكي لتمويل أولوياتها الاستراتيجية، وغيرها من المشاريع الأخرى ذات الصلة.
غير أن ما يثار حاليا بشأن عزم إدارة ترامب الجديدة الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وقيل إن فريق الرئيس الأمريكي المنتخب يدفع إليه، لم يتم الإعلان عنه بشكل رسمي، كما لم تعلق المنظمة على هذه التسريبات حتى الآن.
ولا شك أن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من المنظمة بحلول 20 يناير المقبل -إن تمت- تعد خسارة كبيرة لمنظمة الصحة العالمية، باعتبار أن واشنطن من الدول الأكثر تمويلا لها، الأمر الذي قد يحد من قدرة المنظمة، في تصديها للتحديات والأزمات والاستجابة للجوائح الصحية العديدة التي تواجه عالم اليوم، مثل الأوبئة والتحورات الجديدة لجائحة فيروس كورونا، ومسائل أخرى تتعلق باللقاحات والطوارئ الصحية، وظهور فيروسات جديدة تم اكتشافها بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، وذلك إن لم تجد المنظمة وسائل أخرى لسد هذا العجز.
ويرى خبراء وعلماء مختصون أنه في حال انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب من المنظمة، فإنها قد تخسر حوالي ربع تمويلها، خاصة أنها تعتمد في ميزانيتها على مصدرين هما الرسوم المستحقة من الدول الأعضاء، والمساهمات الطوعية من هذه الدول، ومن المنظمات الخيرية والحكومية الدولية والقطاع الخاص.
وعزا الرئيس المنتخب قراره الأول بالانسحاب من المنظمة، في مطلع شهر يوليو 2021، إلى أن المنظمة "رفضت تنفيذ الإصلاحات المطلوبة"، متهما إياها بالتستر على مدى انتشار وباء فيروس كورونا لصالح الصين، وبسوء إدارة الأزمة حينها.
لكن عملية انسحاب الولايات المتحدة من المنظمة لم تكتمل آنذاك، حيث كان من المفترض أن يدخل القرار حيز التنفيذ بعد عام واحد، وتحديدا في السادس من يوليو 2021، ويعود عدم تنفيذ وإكمال الإجراء إلى أن الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن قد وقع أمرا تنفيذيا في اليوم الأول من رئاسته في يناير عام 2021 بالتراجع عن إخطار الانسحاب والاحتفاظ بعضوية بلاده في منظمة الصحة العالمية والوفاء بالتزاماتها المالية تجاهها، والتعاون المشترك لدحر جائحة كورونا "كوفيد - 19" آنذاك.
وتنوه المصادر العالمية والخبراء المختصون إلى أنه إذا كانت دواعي القرار الأمريكي الأول بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية تعود إلى أن تعامل المنظمة مع جائحة كورونا "كوفيد - 19" لم يرق للمستوى المطلوب أو بالأحرى لم يكن مثاليا، فإنهم يرون أن معالجات المنظمة للأزمة كانت أكثر من جيدة بما يكفي لتوفير قدر كبير من الإنذار المبكر فيما يعنى بالوباء ومخاطره والحد من تفشيه.
وبحسب الخبراء، فإنه لا توجد في الوقت الراهن أسباب واضحة لتبرير أي انسحاب من طرف الولايات المتحدة الأمريكية أو أي دولة عضو، إلا فيما يعنى بعملية إصلاح المنظمة التي نادت بها واشنطن عام 2021.
وفي سياق نفسه، حذرت مصادر علمية وطبية دولية الآن ومن جديد، وهي التحذيرات والتنبيهات نفسها التي أطلقتها عندما أصدر ترامب قراره السابق، في مستهل فترة رئاسته الأولى، من أن انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية سيهدد بالتأكيد برامجها وخططها للبلدان المحتاجة والأشد فقرا، وتلك التي تعاني أزمات وحالات عدم استقرار ولجوء ونزوح وصراعات مسلحة، لافتين إلى أن الدعم الأمريكي يصل لنحو ربع ميزانية المنظمة السنوية، وهو تمويل كبير ومؤثر تحتاجه المنظمة في ظل أزمات وتحديات صحية لا حصر لها تعصف بالكثير من دول ومناطق العالم.
وتلفت مصادر طبية وعلمية دولية إلى أنه يتعين على أي دولة ترغب في الانسحاب من منظمة الصحة العالمية أن تستوفي شروط الانسحاب النهائي، ومنها إعطاء إشعار لمدة عام واحد، والوفاء بالكامل بسداد الالتزامات المالية المقررة.
وتنبه المصادر إلى أنه إذا كانت المنظمة ستخسر تمويلا مهما سيكون له تأثير كارثي على برامجها وخططها الصحية، فإن واشنطن أيضا ستفقد ميزة تزويدها بالمعلومات والبيانات الصحية حول الوضع الصحي والمستجدات الصحية العالمية، فضلا عن توجيه الاتهام لها بالتراخي في تضامنها مع المجتمع الدولي في هذا الجانب الحيوي والمهم من احتياجات الناس الصحية في أي مكان، وبتعريضها للخطر لحياة الملايين من البشر والفقراء ممن هم في أشد الحاجة للأدوية واللقاحات الطبية، ما يفقدها بالتالي تأثيرها الدولي القوي في أي قرارات يتخذها العالم والمنظمة تحديدا في مثل هذه المسائل الصحية الحيوية.
يشار إلى أنه منذ تأسيس منظمة الصحة العالمية في عام 1948، كان حق الناس في الصحة عنصرا جوهريا في رسالتها الرامية إلى تحقيق الصحة للجميع، علما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد نص في العام نفسه على الحق في الصحة.
ولإعمال هذا الحق، تحرص المنظمة وتسعى جاهدة، في عالم يعاني من أزمات متعددة، من أمراض وكوارث، إلى صراعات وتغير في المناخ، إلى أن يكون هذه الحق والخدمات الصحية والتثقيف والمعلومات الصحية متوافرة ومقبولة ومتاحة للجميع وذات جودة عالية أكثر من أي وقت مضى، بما في ذلك أيضا الحصول على المياه الصالحة للشرب، والغذاء، والتغذية والسكن الصحي، وظروف وبيئة العمل الملائمة للجميع دون تمييز.
يذكر أن منظمة الصحة العالمية، التي تم إنشاؤها في العام 1948، تضطلع بدور محوري ومهم من حيث التأكيد على أن الصحة حق أصيل من حقوق الإنسان، وضرورة اتباع نهج جماعي مشترك لحماية صحة البشر بجميع أنحاء العالم، ولهذا السبب اختارت منظمة الصحة العالمية شعار "صحتي حقي" ليكون موضوع يوم الصحة العالمي لعام 2024.
لكن لن يتم الوفاء بأهداف المنظمة المعلنة بالصورة المطلوبة إلا عبر تضافر الجهود الدولية، دولا وحكومات ومنظمات حكومية وغير حكومية وقطاعات أهلية، بالإضافة إلى حشد التمويل، والاستثمارات المالية اللازمة، لتحقيق التغطية الصحية الشاملة في إطار أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، في وقت يواجه فيه -حسب تقارير دولية- أكثر من ملياري شخص مشقة مالية في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية فقط.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو