الهجرة غير النظامية.. الاختبار الصعب لرئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام
لندن في 08 سبتمبر /قنا/ منذ اللحظة الأولى لتوليه رئاسة الحكومة البريطانية في يوليو الماضي، بدا واضحا أن ملف الهجرة غير النظامية لن يكون قضية هامشية في أجندة آندي بيرنهام، بل واحدا من الاختبارات السياسية الأكثر حساسية لحكومته الجديدة.
ومع استمرار تدفق المهاجرين من فرنسا عبر "بحر المانش" على متن قوارب صغيرة، وتحول الملف إلى قضية تستقطب الناخبين وتغذي صعود الأحزاب اليمينية المناهضة للهجرة، يجد رئيس الوزراء بيرنهام نفسه مضطرا إلى تحقيق معادلة صعبة.. إما إظهار قدرة حكومته على السيطرة على الحدود ووقف التدفق المستمر لعشرات آلاف المهاجرين سنويا، من دون التخلي عن خطاب أكثر اعتدالا بشأن الهجرة واللجوء أو الدخول في سباق مع حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني الذي لا يتوانى مسؤولوه في التعبير عن عدائهم للمهاجرين سواء تعلق الأمر بالوافدين الجدد منهم أو المستقرين في البلاد منذ سنوات.
وتأتي هذه الأولوية في وقت تشير فيه الأرقام الرسمية التي نشرتها وزارة الداخلية البريطانية مؤخرا إلى تراجع ملحوظ في بعض مؤشرات الهجرة غير النظامية، لكن مع بقاء حجم الظاهرة كبيرا بما يكفي لإبقائها قضية ساخنة على الساحة السياسية البريطانية. فقد سجلت السلطات البريطانية نحو 38 ألف وصول عبر طرق دخول غير نظامية في يونيو 2026، كانت 33 ألفا منها عبر القوارب الصغيرة، أي نحو 88% من إجمالي حالات الوصول بهذه الطرق.
وعلى الرغم من انخفاض أعداد القادمين بالقوارب بنسبة 23% مقارنة بالعام السابق، فإن الرقم لا يزال قريبا من مستويات السنوات السابقة، بما في ذلك نحو 31 ألف وصول في السنة المنتهية في يونيو 2024.
وهنا تكمن المفارقة الصعبة التي يواجهها بيرنهام.. فالأرقام تتحسن بانخفاضها بشكل ملحوظ، لكن الأزمة السياسية لم تنته والاحتجاجات من الجماعات المناهضة للهجرة مستمرة، لاسيما ما شهده مؤخرا ميناء دوفر جنوبي بريطانيا، أكبر موانئ العبَّارات في البلاد، من إغلاق بسبب مجموعات معادية للمهاجرين.
وباتت القوارب الصغيرة التي تنطلق بالمهاجرين من السواحل الفرنسية جنوبي "بحر المانش" رمزا سياسيا للهجرة غير النظامية في بريطانيا. وعلى الرغم من أن القادمين بالقوارب لا يمثلون سوى جزء من إجمالي منظومة الهجرة إلى المملكة المتحدة، فإن صور القوارب المكتظة وهي تصل إلى الساحل الجنوبي البريطاني رسخت لدى قطاعات واسعة من الرأي العام صورة أن الحكومة فقدت السيطرة على حدود البلاد.
ولا يتعامل بيرنهام مع الملف باعتباره قضية لجوء فقط، بل باعتباره قضية تتعلق بقدرة بريطانيا وأجهزتها على فرض القانون وإدارة حدودها والتحكم فيمن يدخل إلى أراضيها. وقد تعهد رئيس الوزراء الجديد بأن تكافح حكومته بلا هوادة شبكات تهريب البشر التي تنظم الرحلات الخطرة عبر "بحر المانش". وتزامن ذلك مع تحرك بريطاني-فرنسي جديد لتعزيز التعاون الأمني، في محاولة للتعامل مع تكتيكات المهربين التي تتغير باستمرار.
وكان من البديهي أن يكون أول زعيم أوروبي يلتقيه بيرنهام في "داونينغ ستريت" منذ توليه مقاليد السلطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نهاية الأسبوع الماضي. فلا تستطيع لندن تحقيق أي اختراق في هذا الملف دون تعاون وثيق مع جارتها الجنوبية التي يتدفق عبر شواطئها عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين الراغبين في الوصول إلى الشواطئ البريطانية.
وقبيل لقاء بيرنهام وماكرون أعلنت حكومتا البلدين نشر مزيد من عناصر الشرطة الفرنسية في المناطق الساحلية، من بينهم فريق إضافي من 45 شرطيا لمواجهة عمليات إطلاق القوارب من مناطق أبعد غربا على الجانب الفرنسي، ووحدة استخبارات وقضاء متخصصة توسعت من 18 إلى 30 عنصرا، إضافة إلى وحدة تضم 75 شرطيا مخصصة لمكافحة عمليات عبور القناة الإنجليزية. وبذلك يصل عدد عناصر الشرطة الفرنسية المشاركين في الجهود المشتركة إلى نحو 1050 عنصرا.
وبعيدا عن المقاربة الأمنية البريطانية الفرنسية لقضية مهاجري القوارب ومدى نجاعتها حتى الآن، هل يستطيع بيرنهام الانتصار في معركته السياسية مع الأحزاب اليمينية المناهضة للمهاجرين؟ ربما يكون هذا هو البعد السياسي الأهم للملف فحزب "إصلاح المملكة المتحدة" بنى جزءا كبيرا من جاذبيته وسمعته على فكرة أن الأحزاب التقليدية، العمال والمحافظين، فشلت في السيطرة على الحدود. ولذلك فإن كل قارب يصل إلى الساحل يشكل مادة دعائية مجانية للحزب، حتى لو كان العدد الإجمالي في انخفاض.
وفي هذا السياق رأى بيل لو، المحلل السياسي ورئيس تحرير "عرب دايجيست"، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا" أن رئيس الوزراء بيرنهام يواجه مهمة سياسية شاقة تتطلب منه تحقيق توازن دقيق، فعليه معالجة قضية قوارب المهاجرين بطريقة تستجيب لمخاوف الرأي العام، مع مراعاة في الوقت نفسه لهواجس الجناح اليساري داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال، الذي يرى أن أي سياسة جديدة يجب أن تأخذ في الاعتبار "حقوق الإنسان".
وقال: "أي أخطاء في هذا الملف ستستغلها بلا تردد كل من المعارضة المحافظة وحزب الإصلاح، اللذين يشكلان أكبر تهديد لحكومة بيرنهام. أما زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج، وعلى الرغم من تضرر صورته السياسية بسبب الكشف المستمر عن معلومات تتعلق بكيفية تمويله وتمويل حزبه، فسيسعى إلى تقديم ملف الهجرة باعتباره نقطة الضعف الرئيسية لحكومة حزب العمال".
ومن جانبه، قال كريس دويل، المحلل السياسي وخبير الشؤون البريطانية، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن رئيس الوزراء بيرنهام سيواجه نفس التحدي الذي واجهه رؤساء الوزراء السابقون، ذلك أن "هناك توقعات هائلة لدى عامة البريطانيين بأنه سيكون قادرا بطريقة ما على الحد من عدد المهاجرين القادمين إلى البلاد، للسيطرة على الوضع ولإحكام السيطرة على الحدود. ويتم تمثيل هذا إلى حد كبير في وسائل الإعلام على أنه أزمة القوارب الصغيرة. القوارب القادمة من فرنسا بشكل منتظم، وأحيانا بأعداد قياسية، لكن الأعداد انخفضت في الآونة الأخيرة. وعليه أن يثبت أن حزب العمال قد سيطر بطريقة ما على هذا الأمر، وأن الحكومة حريصة على ذلك، وأنه مكرس لإيجاد الحلول كما يقول".
ولكن في الوقت نفسه، وفقا لدويل، تحتاج بريطانيا إلى العمالة المهاجرة "فنحن نعتمد عليها بشكل كبير. لذا، علينا التأكد من معالجة النقص في المهارات داخل البلاد. وأعتقد أنه يجب تقديم حجج أقوى لتوضيح فوائد الهجرة، والطريقة التي تستفيد بها البلاد بالفعل من القوى العاملة المهاجرة الرائعة لدينا، وأنه لا يمكننا الاستغناء عنها. وأي شخص يستخدم هيئة الخدمات الصحية الوطنية أو يمر عبر نظام التعليم يدرك هذا الأمر تماما".
وتنظر أحزاب المعارضة، لاسيما اليمينية منها، إلى قضية المهاجرين غير النظاميين، من منظور أكثر تشددا، وتطالب بنهج أكثر راديكالية في التعامل معها. فهي تدرك أن أي سياسة بريطانية للهجرة غير النظامية ستصطدم في النهاية بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. فالحكومة تستطيع تسريع عمليات الترحيل، لكنها لا تستطيع ببساطة إعادة أي شخص إلى أي بلد من دون النظر إلى وضعه القانوني وإمكانية تعرضه للاضطهاد أو الخطر.
وشدد ألون كيرنز، الوزير السابق والسياسي البارز بحزب المحافظين المعارض، في تصريح لـ"قنا" أن الهجرة "تمثل قضية رئيسية في المملكة المتحدة"، وأعداد الأشخاص الذين يعبرون "بحر المانش" بشكل غير قانوني خرجت عن نطاق السيطرة. وتفرض ضغوطا كبيرة على الخدمات العامة التي تعاني أصلا من أعباء متزايدة.
وتابع كيرنز: حزب المحافظين يريد أن تعتمد المملكة المتحدة إطارا خاصا بها لحقوق الإنسان، يتيح لها حماية الحقوق الأساسية واحترامها، وفي الوقت نفسه يمكن البلاد من وقف القوارب وترحيل المهاجرين غير النظاميين بسرعة وكفاءة.
ومما يزيد الأمر تعقيدا أمام رئيس الوزراء الجديد أن قضية المهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء باتت أكثر حساسية بسبب الاحتجاجات المتزايدة ضد إسكان طالبي اللجوء في بعض المناطق البريطانية. فقد خرجت احتجاجات مرتبطة بخطط إسكان أعداد كبيرة من طالبي اللجوء، وسط مخاوف محلية من الضغط على الخدمات العامة والإسكان والأمن.
وهنا يواجه بيرنهام تحديا آخر يتمثل في أن عليه أن يقنع الجمهور بأن الحكومة لا تفقد السيطرة، وفي الوقت نفسه أن يمنع تحول قضية طالبي اللجوء إلى مصدر دائم للتوتر الاجتماعي.
وأشارت تقارير حديثة إلى استخدام ما يسمى "القوارب العملاقة"، التي تستطيع نقل أعداد أكبر من الأشخاص في الرحلة الواحدة. كما بدأت بعض عمليات إطلاق القوارب تتحرك إلى مواقع أبعد عن مدينة كاليه الفرنسية، ما يزيد من صعوبة مهمة السلطات الفرنسية وضرورة توسيع نطاق رقابتها للشواطئ.
وأشار مرصد الهجرة في جامعة أكسفورد إلى أن ظاهرة عبور بحر المانش تحتاج إلى النظر إليها ضمن سياق أوروبي أوسع، بما يشمل جنسيات القادمين ودوافعهم ومسارات هجرتهم قبل الوصول إلى فرنسا.
حتى الآن، يمكن لحكومة بيرنهام أن تحتفي بمؤشرات إيجابية حدثت خلال وقت قصير: تراجع عدد القوارب، انخفاض عدد طالبي اللجوء المقيمين في الفنادق إلى النصف، انخفاض كبير في حجم تراكم طلبات اللجوء التي لم تحسم، وزيادة نشاط أجهزة إنفاذ القانون ضد شبكات التهريب.
لكن هذه الإنجازات لا تضمن انتهاء الأزمة. فعدد الواصلين لا يزال بالآلاف، وشبكات التهريب تتكيف، والضغط السياسي من اليمين لم يتراجع، والمجتمعات المحلية لا تزال تشهد احتجاجات ضد إسكان طالبي اللجوء، بينما تظل عمليات الإعادة إلى دول أخرى معقدة قانونيا وعمليا.
ولهذا فإن ملف الهجرة غير النظامية يمثل أكثر من مجرد قضية حدود بالنسبة لبيرنهام. إنه اختبار لفترة حكمه بأكملها.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو