مع تزايد التداول خارج الجهاز المصرفي.. الاقتصاد العراقي يواجه تحديات في إدارة السيولة النقدية
بغداد في 06 سبتمبر /قنا/ يواجه الاقتصاد العراقي تحديات في إدارة السيولة النقدية مع استمرار حساسية الإيرادات العامة لتقلبات أسعار النفط واضطراب حركة الصادرات في وقت تكشف البيانات الرسمية عن اتساع حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي، ما يضع السلطات المالية والنقدية أمام تحدي مزدوج يتمثل في تأمين احتياجات الإنفاق من جهة وإعادة الأموال المكتنزة إلى الدورة الاقتصادية من جهة أخرى.
وتكتسب أزمة السيولة أهمية خاصة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي، إذ يمكن لأي اضطراب في تدفقات النفط أو التجارة الخارجية أن ينعكس سريعا على قدرة الخزينة على الوفاء بالتزاماتها وتمويل النفقات العامة، وفي المقابل، يطرح ارتفاع النقد الموجود خارج المصارف سؤالا أكثر عمقا حول كفاءة الدورة المالية، وهو: أين تتحرك السيولة وكم منها يتحول إلى إنتاج واستثمار، وكم يبقى بعيدا عن النظام المصرفي؟
وفي هذا الصدد، تقول سوزان عبدالله محمد مدير عام الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن إدارة السيولة تواجه ضغوطا متزايدة في ظل صعوبة الحصول المباشر على التدفقات المالية، مشيرة إلى أن طبيعة الاقتصاد العراقي المعتمد على الإيرادات النفطية تجعل إدارة السيولة والوفاء بالالتزامات المالية أكثر ارتباطا بانتظام تدفق الإيرادات إلى الخزينة.
وأضافت أن إجمالي النفقات العامة خلال الربع الأول من عام 2026 بلغ نحو 28 تريليون دينار توزعت بواقع 95 في المئة للنفقات الجارية ونحو 4 في المئة للنفقات الاستثمارية، فيما استحوذت تعويضات الموظفين على أكثر من 59 في المئة من الموازنة الجارية، بواقع نحو 15 تريليون دينار من أصل 26 تريليون دينار.
وأشارت إلى أن بيانات الهيئة تظهر استمرار هيمنة الإيرادات النفطية على المالية العامة، إذ بلغت 95 تريليون دينار عام 2021، وبلغت 154 تريليونا في 2022، و125 تريليونا في 2023، و128 تريليونا في 2024، و112 تريليون دينار في 2025، في المقابل، ظلت الإيرادات غير النفطية عند مستويات أقل بكثير، إذ بلغت 14 تريليون دينار في 2021، و8 تريليونات في 2022، و10 تريليونات في 2023، و13 تريليونا في 2024، قبل أن ترتفع إلى 17 تريليون دينار في 2025.
ورأت مدير عام الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية في العراق أن تعزيز الاستدامة المالية يتطلب تطوير أدوات تحليل الإيرادات النفطية وقياس مدى حساسية الموازنة لتقلبات أسعار النفط بما يسمح بالانتقال من مجرد رصد حجم الإيرادات إلى قياس قدرة المالية العامة على تحمل الصدمات الخارجية.
وفي هذا السياق، أشارت إلى تحسن الإيرادات الجمركية، التي ارتفعت من نحو تريليون دينار في 2023 إلى تريليوني دينار في 2024، ثم إلى 2.5 تريليون دينار في 2025، وبلغت المستوى ذاته حتى نهاية يونيو 2026. وعزت ذلك إلى تشديد الرقابة وتطبيق نظام "الأسيكودا" وتفعيل قانون التعرفة الجمركية رقم 22 لسنة 2010، إلى جانب تقليص الإعفاءات الجمركية وأتمتة الإجراءات، الأمر الذي أسهم في رفع كفاءة التحصيل والحد من التهريب والتلاعب.
من جانبه، رأى الدكتور مظهر محمد صالح المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي أن الأزمة كشفت الحاجة إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على السيولة النفطية إلى اقتصاد قادر على توليد السيولة من مصادر متنوعة.
وقال صالح، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن الاحتياطيات المالية قادرة على امتصاص الصدمات لفترة محدودة، لكن تنويع مصادر الدخل هو الوسيلة الأكثر استدامة لتقليل الاعتماد عليها، مشددا على أن النفط ينبغي ألا يقتصر دوره على تمويل الإنفاق الجاري بل أن يتحول إلى مصدر لتمويل التحول الاقتصادي.
وأضاف أن توجيه جزء أكبر من الإيرادات النفطية إلى البنية التحتية المنتجة والصناعة والزراعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا ورأس المال البشري إلى جانب دعم قطاع خاص قادر على الإنتاج والتصدير من شأنه أن يرفع قدرة الاقتصاد على توليد السيولة والعملات الأجنبية حتى في حال تعرض القطاع النفطي لصدمة.
واعتبر أن اضطرابات مضيق هرمز تمثل اختبارا لقدرة العراق على إدارة السيولة والاستقرار النقدي والمالي واستمرار التجارة والصادرات النفطية، لكنه رأى أن الاختبار الأكبر سيكون بعد انتهاء الأزمة ومدى قدرة البلاد على معالجة مواطن الضعف التي كشفتها.
وحذر المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي من أن عودة الاقتصاد إلى نمطه السابق بعد انتهاء الأزمة ستعيد إنتاج المشكلات نفسها عند وقوع أي صدمة جديدة، بينما يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء منظومة أكثر تنوعا في الإيرادات والإنتاج والتصدير.
من جانبها، ربطت لبنى زكي المستشارة في رئاسة الوزراء العراقية والمدير العام السابق لصندوق الإسكان، جانبا من أزمة السيولة النقدية في العراق بضعف الثقة في النظام المصرفي، الأمر الذي يدفع المواطنين إلى الاحتفاظ بجزء كبير من أموالهم خارج المصارف.
وقالت زكي، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي تؤثر في دورة السيولة التي تبدأ بضخ الأموال عبر المؤسسات المالية وتنتهي بتمويل الرواتب والإنفاق والاستثمار، مشيرة إلى أن إعادة تنشيط هذه الدورة تتطلب إصلاح النظام المصرفي والمالي وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية.
وأضافت أن الإجراءات المتعلقة بتتبع حركة الدولار ومكافحة تهريب العملة وغسل الأموال، رغم أهميتها، رافقها تقييد في وصول بعض المصارف إلى العملة الأجنبية، ما انعكس على توفر الدولار في السوق. ورأت أن معالجة العجز المؤقت في السيولة يمكن أن تتم عبر تعظيم الإيرادات الضريبية والجمركية، وترشيد الإنفاق الجاري، وإصلاح النظام المصرفي والمالي، وأتمتة الحسابات الحكومية، وتفعيل حساب الخزينة الموحد، إلى جانب تطوير البنية التحتية الرقمية للمصارف وتعزيز أنظمة الدفع الإلكتروني.
بدوره، انتقد عبدالعزيز الحسون رئيس رابطة المصارف العراقية الخاصة سابقا والمدير العام السابق في مصرف الرافدين ما وصفه باختلاط الأدوار بين السياسة المالية والسياسة النقدية، معتبرا أن إدارة السيولة وسعر الصرف تتطلب وضوحا أكبر في الفصل بين مهام السلطات المالية والنقدية.
وأوضح الحسون أن من صميم مهام السلطة النقدية إدارة النقد والسيولة بما ينسجم مع احتياطيات البلاد وأهداف الاستقرار النقدي، لافتا إلى أن ارتفاع سعر الدولار في السوق مقارنة بالسعر الرسمي يضع أمام البنك المركزي تحديا مستمرا في الحفاظ على استقرار سعر الصرف.
واعتبرت لبنى أنور صاحب العطار عضو مجلس المحافظين في سوق العراق للأوراق المالية أن جانبا مهما من مشكلة السيولة يتمثل في الأموال المتداولة خارج الجهاز المصرفي، مشيرة إلى أن بيانات البنك المركزي العراقي حتى يونيو 2026 تظهر بلوغ النقد المصدر نحو 111.2 تريليون دينار من بينها نحو 101.97 تريليون دينار خارج المصارف، أي ما يعادل نحو 91.7 في المئة من إجمالي النقد المصدر.
وأضافت العطار أن هذه الأموال تمثل موردا داخليا يمكن توظيفه في تمويل النشاط الاقتصادي، بدلا من الاعتماد بصورة متزايدة على الاقتراض العام، واقترحت في هذا الإطار الاستفادة من سوق العراق للأوراق المالية في إعادة هيكلة الشركات المساهمة المختلطة وطرح جزء من حصص الدولة فيها أمام المستثمرين، بما يوفر مصدرا للتمويل لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الدين العام.
ولفتت إلى أن السوق تضم 103 شركات مدرجة وفق بيانات هيئة الأوراق المالية للربع الثاني من عام 2026 بينها شركات تعمل في قطاعات الصناعة والسياحة والفنادق والنقل والزراعة، مبينة أن عددا من هذه الشركات يمتلك أصولا وأراضي وعقارات واسعة لا تعكس حساباتها القديمة قيمتها السوقية الحالية.
ورأت أن نجاح هذا المسار يتطلب إعادة تقييم مستقلة وعادلة لأصول الشركات وإجراء إصلاحات إدارية وحوكمية قبل البيع واستقطاب شركاء استراتيجيين يمتلكون الخبرة الإدارية والتكنولوجية فضلا عن توجيه حصيلة بيع أسهم الدولة إلى الخزينة العامة بالتوازي مع السماح بزيادة رؤوس أموال الشركات لتحديث خطوط الإنتاج وتشغيلها.
وخلصت العطار، في تصريحاتها لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إلى أن تحويل جزء من النقد الموجود خارج الجهاز المصرفي إلى استثمارات منظمة يمكن أن يخفف الضغط على السيولة وفي الوقت نفسه يعيد تشغيل أصول وطنية معطلة ويدعم الإنتاج والتوظيف، من دون اللجوء حصرا إلى زيادة المديونية العامة.
وتشير التقارير إلى أن مشكلة السيولة في العراق لا ترتبط فقط بحجم الأموال المتاحة لدى الدولة وإنما بكيفية دورانها داخل الاقتصاد وبمدى قدرة النظام المالي على تحويل الإيرادات النفطية والنقد الموجود خارج المصارف إلى تمويل منتج ومستدام، وبينما يمكن للإيرادات النفطية والاحتياطيات أن توفر حماية مؤقتة أمام الصدمات، فإن استمرار الاعتماد على مصدر واحد للدخل يجعل المالية العامة عرضة للتقلبات الخارجية، في وقت يؤدي بقاء نسبة كبيرة من النقد خارج الجهاز المصرفي إلى إضعاف قدرة القطاع المالي على تمويل الاستثمار والإنتاج.
ولا يتمثل التحدي الذي يواجه العراق فقط في تجاوز تداعيات أي اضطراب في صادرات النفط وإنما في بناء اقتصاد يستطيع توليد السيولة من مصادر متعددة وتوسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية وتنشيط القطاع الخاص، وإعادة الثقة بالنظام المصرفي، وفتح قنوات أكثر فاعلية لتحويل المدخرات المحلية إلى استثمارات، فكلما تنوعت مصادر السيولة والإيرادات والإنتاج والتصدير تراجعت حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية وأصبح النفط موردا لتمويل التنمية والتحول الاقتصادي بدلا من أن يبقى المصدر شبه الوحيد الذي تعتمد عليه دورة الإنفاق والسيولة في البلاد.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو