لبنان يدعم قطاعه الزراعي لمواجهة تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية
بيروت في 20 سبتمبر /قنا/ يسعى لبنان إلى مواجهة التحديات الناجمة عن الخسائر التي لحقت بالأراضي الزراعية والبساتين والمنشآت والمعدات في الجنوب جراء الضربات والاعتداءات الإسرائيلية، والتي أدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي، بما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي ويسهم في ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية.
وتعمل وزارة الزراعة في لبنان على دعم القطاع الزراعي وتعزيز قدرته على استعادة الإنتاج، في ظل الحاجة إلى إعادة تأهيل الأراضي والمنشآت المتضررة وتأمين مستلزمات الإنتاج للمزارعين، بما يساهم في الحد من تداعيات الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور نزار هاني وزير الزراعة اللبناني في حوار مع وكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الوزارة تعمل على تعزيز القطاع الزراعي والحفاظ على الأمن الغذائي الوطني، في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بالأراضي الزراعية والبساتين والمنشآت والمعدات نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، مشدداً على أن تداعيات الحرب لا تقتصر على الأضرار المادية المباشرة، بل تمتد إلى الإنتاج والدخل وسلاسل القيمة الزراعية وقدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم.
وأوضح وزير الزراعة اللبناني أن تقييم الأضرار الزراعية يستوجب التمييز بين مرحلتين زمنيتين ومنهجيتين مختلفتين، الأولى تمتد من حرب أكتوبر 2023 حتى يناير 2024، والثانية تشمل الاعتداءات الإسرائيلية والتصعيد خلال عام 2026، نظراً إلى اختلاف طبيعة الأضرار وحجمها وآليات احتسابها في كل مرحلة.
وكشف أن تقييم وزارة الزراعة اللبنانية بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، للحرب بين عامي 2023 و2024، يُظهر أن القطاع تكبّد 118 مليون دولار من الأضرار المادية و586 مليون دولار من خسائر الإنتاج، مع احتياجات تعافٍ مقدّرة بـ263 مليون دولار، منها 95 مليونًا ذات أولوية لعامي 2025 و2026، لافتا إلى أن أرقام عام 2026، تعبّر عن موجة جديدة من الأضرار، ولذلك تتعامل الوزارة معها كتقييم مستقل ومتجدد، وليس كتحديث حسابي بسيط لتقييم عام 2024.
وقال هاني، إن أحدث تقارير وزارة الزراعة تشير إلى تأثر نحو 56,264 هكتارًا من الأراضي الزراعية في المناطق التي طالتها الاعتداءات، موزعة على نحو 285 بلدة في الجنوب والبقاع وبعلبك - الهرمل، ومن ضمن هذه المساحة، تعرّض نحو 18,559 هكتارًا لأضرار مباشرة، أي قرابة ثلث المساحة المتأثرة، ونحو 22.5% من الأراضي الزراعية الواقعة ضمن نطاق المناطق المتأثرة بالنزاع.
وكشف وزير الزراعة اللبناني أن المسح الذي شمل 15,025 مزارعًا في المناطق المتأثرة أظهر أن 76.6% منهم تعرّضوا للنزوح، حيث يعد هذا المؤشر بالغ الخطورة، لأن النزوح الزراعي لا يعني فقط انتقال السكان، بل يعني أيضًا خروج اليد العاملة والخبرة الزراعية من دورة الإنتاج وتعطّل المواسم.
وأوضح أنه على مستوى الأمن الغذائي، أظهر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 1.24 مليون شخص في لبنان واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي المرحلة الثالثة أو أعلى، بين شهري أبريل وأغسطس 2026.
وكشف الدكتور نزار هاني وزير الزراعة اللبناني، أن وزارته تعتمد مسارًا تقنيًا متدرجًا، لأن إعادة المزارع إلى أرض متضررة لا يمكن أن تتم بمجرد توزيع مساعدات مالية، ولكن العملية تتكون من عدة مراحل منها (المسح والتوثيق وتأمين الوصول الآمن وفحص التربة والمياه وتصنيف الأراضي وإعادة بناء القدرة الإنتاجية).
وكشف وزير الزراعة اللبناني، أن الوزارة أطلقت أيضًا الإطار الوطني لرصد التربة الزراعية تحت شعار "تربة واحدة، معيار واحد، مسؤولية وطنية واحدة"، بهدف توحيد آليات أخذ العينات والتحليل وتفسير النتائج وبناء قاعدة بيانات وطنية موثوقة.
وحول دعم المزارعين، قال الوزير هاني: "إن حجم الخسائر يفوق قدرة موازنة وزارة الزراعة منفردة، فالتعويض الشامل يحتاج إلى قرار حكومي، واعتمادات مالية، وآلية قانونية وشفافة، وقاعدة بيانات موحدة تمنع الازدواجية وتضمن وصول الدعم إلى المتضررين الفعليين".
وأكد أن وزارة الزراعة هي الجهة الوطنية المرجعية في تحديد الأولويات والمعايير والمستفيدين، أما الشركاء الدوليون، فيساهمون في التمويل والخبرة الفنية والتنفيذ، ضمن خطة وطنية، ويشمل التعاون بصورة خاصة مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والحكومات والجهات المانحة، ومنها إيطاليا واليابان وكندا وهولندا وغيرها والمجلس الوطني للبحوث العلمية والجامعات والنقابات والتعاونيات.
وأكد هاني أن لبنان يستطيع تقليل الاعتماد على الاستيراد، لكنه لا يستطيع إلغاءه بالكامل، فلبنان لا يملك المساحات أو الموارد المائية التي تسمح بالاكتفاء الذاتي في جميع السلع، ولا سيما الحبوب والزيوت والأعلاف، لكن يمكن رفع نسبة الإنتاج المحلي في سلع يملك فيها لبنان ميزة إنتاجية أو موسمية.
وفيما يخص المخاطر البيئية على التربة والمياه جراء الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، تطرق هاني إلى أن المخاطر البيئية ليست واحدة في جميع المواقع، ولا يجوز إعلان أرض ملوثة أو صالحة للزراعة من دون تحليل مخبري.. كما أن من أبرز المخاطر المحتملة، بقايا الذخائر والمتفجرات والشظايا، وتراكم بعض المعادن والعناصر الكيميائية في نقاط الاستهداف، وتغير خصائص التربة نتيجة الحرارة الشديدة والحرائق، إضافة إلى فقدان المادة العضوية والكائنات الحية الدقيقة، وانجراف التربة بعد احتراق الغطاء النباتي، وانتقال الملوثات إلى المياه السطحية أو الجوفية، وتلوث الأعلاف أو المحاصيل إذا أعيدت الزراعة قبل إجراء الفحوص، وتراكم الرماد والمركبات الناتجة من احتراق البلاستيك والوقود والمنشآت.
ووفقا لوزير الزراعة في لبنان، فقد أظهرت نتائج بيئية سابقة، وجود بؤر ارتفع فيها تركيز الفوسفور إلى مستويات وصلت في بعض العينات إلى نحو 1,858 جزءًا في المليون، موضحا أن هذا الرقم لا يعني أن كل أراضي الجنوب ملوثة بالمستوى نفسه، فهو نتيجة مرتبطة بعينات ومواقع محددة، ويجب تفسيره ضمن خصائص كل تربة وخلفيتها الطبيعية.
وأكد وزير الزراعة اللبناني، أن الأرقام تكشف أن الخسائر الكبرى ليست في الأصول وحدها، بل في الإنتاج والدخل وتعطّل سلاسل القيمة، ففي التقييم المرحلي الحديث، بلغت خسائر الإنتاج 530.5 مليون دولار، مقابل 41.2 مليون دولار من الأضرار المباشرة، وهذا ما يؤكد أن إعادة التأهيل يجب ألا تتوقف عند ترميم الحقول، بل يجب أن تعيد تشغيل الاقتصاد الزراعي كاملًا.
واختتم الدكتور نزار هاني وزير الزراعة اللبناني حواره بالقول: "إن حماية الزراعة هي حماية للأرض، وللمزارع، وللاقتصاد الريفي، وللأمن الغذائي الوطني، والأولوية اليوم هي إعادة المزارعين إلى أراضيهم بصورة آمنة، وتعويض قدرتهم الإنتاجية، وتحويل التعافي إلى مسار طويل الأمد نحو زراعة أكثر إنتاجية واستدامة وقدرة على مواجهة الحروب والتغير المناخي".
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو