في اليوم الدولي للسلام.. دعوة أممية لتعزيز السلام من أجل الجميع وفي كل مكان
الدوحة في 20 سبتمبر /قنا/ يحتفي العالم في 21 سبتمبر من كل عام باليوم الدولي للسلام، الذي يمثل مناسبة أممية لتجديد الالتزام بمبادئ السلام ونبذ العنف وتعزيز الحوار والتفاهم والتعاون بين الشعوب والدول، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى معالجة أسباب النزاعات، والاستثمار في الظروف التي تتيح للمجتمعات تحقيق الاستقرار والتنمية.
ويأتي الاحتفاء باليوم الدولي للسلام هذا العام تحت شعار "استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم"، في رسالة تركز على أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، وإنما هو بيئة متكاملة تقوم على الأمن والكرامة والفرص والتعاون، وتحتاج إلى استثمارات سياسية واقتصادية واجتماعية مستمرة، وهو ما تؤكد عليه الأمم المتحدة، بأن السلام يمثل أساسا ضروريا للتعامل الجماعي مع التحديات التي تواجه البشرية.
وفي السياق، فإن فحوى رسالة هذا العام، تكتسب أهمية خاصة مع استمرار الأزمات والصراعات في مناطق مختلفة من العالم، وما تتركه من تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة أهمية الوقاية من النزاعات، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية، وتعزيز المؤسسات القادرة على بناء السلام والحفاظ عليه.
ومنذ اعتماد المناسبة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثلاثين من نوفمبر عام 1981، ظلت الأمم المتحدة تركز سنويا على جهود بناء السلام، وتدعو الحكومات والمنظمات والمجتمعات والأفراد إلى الإسهام في ترسيخ ثقافة الحوار والتسامح واحترام التنوع وحقوق الإنسان، وأن تكون الذكرى مناسبة عالمية لوقف إطلاق النار ونبذ العنف في كل الصراعات القائمة.
وفي الأثناء، تؤكد الأمم المتحدة في رسالتها الخاصة باليوم الدولي للسلام أن مفهوم السلام يتجاوز مجرد غياب الحرب، ليشمل السلامة والكرامة وتوافر الفرص والتعاون في الحياة اليومية، كما تشدد على أن بناء السلام لا يحدث فقط في قاعات المفاوضات والمؤتمرات، وإنما يبدأ أيضا من المدارس والأحياء والمجتمعات المحلية ومن العلاقات اليومية بين الناس.
ولفت أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، في رسالته بمناسبة اليوم الدولي للسلام، إلى أن السلام لا يصنع فقط على طاولات المؤتمرات، وإنما أيضا في الفصول الدراسية والأحياء وفي كل مكان يلتقي فيه الناس بعقول وقلوب منفتحة، داعيا إلى العمل يوما بعد يوم من أجل بناء عالم أكثر عدلا، يقوم على التعاطف والمساواة والكرامة للجميع.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستثمار في السلام بوصفه عملية طويلة الأمد تشمل دعم الحوار، وتعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، وإتاحة التعليم والعمل والخدمات الأساسية، ومعالجة التفاوتات التي يمكن أن تسهم في نشوء التوترات والنزاعات، كما أن تحقيق السلام المستدام يرتبط بمعالجة جذور الصراعات، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد اندلاعها، وهو ما يجعل الوقاية من النزاعات والوساطة والحوار أدوات أساسية في منظومة العمل الدولي من أجل السلام.
إلى ذلك، تجدد الأطراف الدولية، التأكيد على أن بناء السلام مسؤولية لا تقع على عاتق طرف واحد، وإنما تتطلب تضافر جهود الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية، والإعلامية، والمجتمعات المحلية، والأفراد.
وتتطلب هذه المسؤولية احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتوفير مساحات للحوار، ودعم جهود الوساطة والمصالحة، وحماية المدنيين، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، إلى جانب توفير الموارد اللازمة للجهود الإنسانية والتنموية في المناطق المتضررة من النزاعات.
كما تبرز أهمية دور الأمم المتحدة في دعم عمليات الوساطة وحفظ السلام والمساعدات الإنسانية، في وقت تواجه فيه عمليات حفظ السلام تحديات مرتبطة بتعقيد النزاعات والحاجة إلى موارد ودعم سياسي مستدام، وقد أكدت الأمم المتحدة، أن الاستثمار في حفظ السلام يمثل جزءا من الاستثمار في مستقبل أكثر أمنا.
وفي ذات الإطار، فإن مفهوم الاستثمار في السلام، حمل أبعادا تتجاوز الإنفاق المباشر على عمليات حفظ السلام أو الوساطة السياسية، إذ يشمل الاستثمار في الإنسان والمجتمع والمؤسسات، وفي التعليم والصحة والحد من الفقر وتعزيز فرص العمل، وهي عوامل يمكن أن تدعم قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات.
وفي المقابل، فإن الرسالة تحث على استلهام شجاعة الأشخاص الذين يعملون من أجل السلام في مجتمعاتهم المحلية ومدارسهم وأحيائهم، وعلى قيام قادة العالم بالاستثمار في مستقبل يستطيع فيه جميع الناس العيش في بيئة يسودها السلام.
وبحسب المختصين بقضايا الأمن والسلام، فإن السلام يرتبط بصورة وثيقة بأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف السادس عشر المتعلق بالسلام والعدل والمؤسسات القوية، الذي يدعو إلى بناء مجتمعات سلمية وشاملة، وتوفير الوصول إلى العدالة للجميع، وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة.
وحول أبرز التحديات التي تقف أمام جهود منع النزاعات وتسوية الصراعات، قال الدكتور أحمد غيث الكواري المستشار والخبير في العلاقات السياسية الدولية، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن المشكلة ليست في غياب أدوات السلام بقدر ما هي في غياب الإرادة السياسية لاستخدامها في الوقت المناسب، وهذا هو الأهم فالعالم يمتلك منظومة دولية واسعة للوساطة والتفاوض ومنع النزاعات، لكنها تتحرك في كثير من الأحيان بعد أن تقع الحرب، بينما المطلوب أن تتحرك قبلها، كما أن تنافس القوى الكبرى وتعارض المصالح واستخدام الأزمات ضمن حسابات النفوذ جعل بعض النزاعات أطول عمرا وأكثر تعقيدا، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الدولية على التعامل.
وأضاف أن دخول أطراف خارجية في النزاعات المحلية يحول الأزمة الداخلية إلى ساحة تنافس إقليمي أو دولي، ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس كيف نوقف الحرب بعد اندلاعها فقط، وإنما كيف نجعل كلفة التسوية السياسية أقل من كلفة استمرار الصراع في حسابات أطرافه.
ورأى الدكتور أحمد غيث الكواري أن العالم ينفق أموالا طائلة على إدارة نتائج النزاعات، بينما يظل ما ينفق سياسيا أو اقتصاديا على منع أسبابها أقل بكثير لذلك فالاستثمار في الدبلوماسية لا يعني عقد المفاوضات بعد اندلاع الحرب فحسب، وإنما بناء قنوات اتصال دائمة، وأيضا فهم المظالم والمصالح والمخاوف التي أنتجت النزاع قبل أن تتحول إلى سلاح.
وأثني الدكتور الكواري على تجربة الوساطة القطرية في مختلف النزاعات، والتي أثبتت أن بقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أصعب الظروف، قد يصنع فرصة لم تكن موجودة في الميدان، لكن نجاح الوساطة لا يقاس فقط بالوصول إلى وقف لإطلاق النار، بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال أصعب وهو ما الذي سيمنع الأطراف من العودة إلى السلاح بعد عام أو خمسة أعوام؟ فمن هنا ينتقل السلام من اتفاق مؤقت إلى مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي قابل للحياة.
وفيما يتعلق بالمطلوب من المجتمع الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف لتعزيز فرص التسويات السياسية وبناء سلام مستدام يحظى بقبول الأطراف المتنازعة، أوضح الدكتور أحمد غيث الكواري أن المجتمع الدولي يحتاج قبل كل شيء إلى استعادة الثقة، وهي لا تستعاد بالبيانات وإنما باتساق المواقف وتطبيق القانون الدولي بعيدا عن الانتقائية، ومن الصعب إقناع الشعوب بجدوى النظام الدولي إذا شعرت أن المبادئ تتغير باختلاف الدولة أو الأزمة أو المصالح السياسية، كما أن التسويات التي تصنع بعيدا عن المجتمعات المتضررة قد توقف إطلاق النار، لكنها لا تصنع بالضرورة سلاما مستداما، ولذلك يجب إشراك القوى المجتمعية والنساء والشباب والمتضررين في بناء ما بعد النزاع، وفي الوقت نفسه ينبغي منح الوساطة والدبلوماسية الوقائية موارد وصلاحيات سياسية أكبر، بدلا من انتظار الكارثة ثم إنفاق أضعاف تلك الموارد على الإغاثة وإعادة الإعمار، فالسلام المستدام في النهاية ليس اتفاقا توقعه الحكومات فحسب، وإنما هو وضع يشعر فيه الإنسان بأن له مصلحة حقيقية في ألا تعود الحرب.
وختم الدكتور أحمد غيث الكواري المستشار والخبير في العلاقات السياسية الدولية، حديثه لـ"قنا" بالقول، إن السلام لا يبدأ عند توقيع الاتفاق، بل إن الاختبار الحقيقي للسلام يبدأ في اليوم التالي لتوقيعه، كما أن مطلوباته تقوم على العدالة والأمن والتنمية واحترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون، إلى جانب وجود مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف، من دون أن يتحول إلى عنف، كذلك لا يمكن بناء سلام دائم مع استمرار الشعور بالظلم أو الإقصاء أو غياب الفرص لأن هذه العوامل تترك أسباب النزاع كامنة حتى وإن سكت السلاح مؤقتا، ولذلك فإن إعادة الإعمار ينبغي ألا تقتصر على الطرق والمباني بل تشمل إعادة بناء الثقة بين الإنسان والدولة، وبين مكونات المجتمع نفسها، وأرى أن أفضل تعريف عملي للسلام هو ألا يقتصر السؤال على كيف ننهي الحرب؟ بل أن نسأل أيضا كيف نبني واقعا لا يجد فيه الناس سببا للعودة إليها؟.
من جانبه، قال الدكتور حسن الحاج علي أستاذ العلوم السياسية في جامعة لوسيل، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن ترسيخ مفهوم السلام داخل مؤسسات الأسرة والمدرسة والمجتمع، يتحقق عبر السلوك اليومي الذي يعكسه أرباب هذه المؤسسات من خلال النقاشات التي تحدث لقضايا يطرحونها والتوفيق بين الآراء التي تنتج عن هذه النقاشات، كما أن المؤسسات التعليمية يمكنها أن تسهم عبر المقررات الدراسية التي تقدمها مثل مقررات "ثقافة السلام"، وتشجيع البحوث والمداولات التي تعزز هذه الثقافة، وتقديم الجوائز العلمية الموجهة نحو تطوير ثقافة السلام.
ورأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة لوسيل، ضرورة انتهاج سياسات عامة تركز على تطوير التنمية المستدامة في المجتمعات، وفي هذا الصدد يأتي التكامل بين المؤسسات الوطنية والدولية، كما تتضافر جهود القطاعين العام والخاص لتطوير قدرات الأفراد في تحقيق أهدافهم، وإتاحة الفرص التي تمكن من الوصول إلى هذه الأهداف، كما يمكن للمؤسسات الدولية أن تقدم للمؤسسات الوطنية أفضل الممارسات التي اتبعت في مناطق مختلفة من العالم لتيسير تحقيق السلام عبر تحقيق التنمية المستدامة.
وختم الدكتور حسن الحاج علي أستاذ العلوم السياسية في جامعة لوسيل، حديثه لـ"قنا"، بالتأكيد على أهمية أن يتحول الاحتفاء بيوم السلام العالمي من مناسبة رمزية تركز على الاحتفال في يوم واحد، إلى تسخير برامج تهتم بنشر ثقافة السلام تشارك فيها المؤسسات الرسمية والأهلية تستمر على مدار العام وتأتي ذروتها في الاحتفال بيوم السلام العالمي، ومن الأمثلة على هذه البرامج إقامة الأنشطة المسرحية ومعارض الكتب.
وهكذا، فإن اليوم الدولي للسلام، يمثل مناسبة لتجديد الالتزام بأن السلام ليس هدفا مؤجلا إلى ما بعد انتهاء الأزمات، وإنما مسار يبدأ الآن، ويحتاج إلى استثمار مستمر في الإنسان والعدالة، والتنمية، والحوار، والتعاون.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو