الأمم المتحدة.. المنظمات الدولية وواجب الحفاظ عليها في زمن التحولات الدولية
الدوحة في 20 سبتمبر /قنا/ تقوم المنظمات الدولية بدور كبير في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وفي تحقيق نوع من الموازنة بين القوى الدولية الكبرى والدول الصغيرة.
وقد أنشئت هذه المنظمات مع تشكل النظام الدولي الجديد عقب الحرب العالمية الثانية، ووُضعت لها أهداف توافقية بين الدول المكونة لها، على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، ومن أهم تلك الأهداف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وتحقيق التعاون بين أعضاء المجتمع الدولي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية جميعها، واحترام حقوق الإنسان، وتطوير العلاقات بين الدول الأعضاء.
وتأتي الأمم المتحدة على رأس المنظمات الدولية أهمية، إذ نجحت منذ تأسيسها عام 1945 في إرساء قواعد القانون الدولي، وإدارة عشرات بعثات حفظ السلام حول العالم، وصياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.
كما حققت منظمة الصحة العالمية، التي أُسست عام 1948، إنجازات تاريخية من أبرزها القضاء التام على مرض الجدري في عام 1980، والتقليل من انتشار أوبئة خطرة مثل شلل الأطفال، والملاريا، وكوفيد-19.
وبرزت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، التي أُنشئت عام 1945، في حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي.
ووضعت منظمة العمل الدولية، التي أُحدثت عام 1919 كإحدى أقدم المنظمات الدولية، معايير العمل الدولية، وحاربت عمالة الأطفال، ودافعت عن حقوق العمال وساعات العمل العادلة حول العالم.
كما تبرز المحكمة الجنائية الدولية التي أُنشئت عام 2002، كأول محكمة جنائية دولية مختصة في الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة الإبادة الجماعية، وجريمة الاعتداء ومقاضاة المسؤولين عنها.
لكن هذه المنظمات الدولية الكبرى، تمر بانعطافة خطرة اليوم، في ظل متغيرات سياسية دولية ينبّه كثير من المحللين والمفكرين السياسيين إلى أنها مقدمات أولية لتغير مقبل في النظام الدولي الذي عرفه العالم لعقود خلت.
وفي ظل هذه المتغيرات، وما ينشأ عنها من اضطرابات أمنية تتجسد في صورة حروب وصراعات دولية، سواء في الحرب الأوكرانية، أو الحرب في إيران، أو غيرها من بؤر التوتر الدولي، تُثار الأسئلة عن مستقبل المنظمات الدولية، خصوصا بعد ازدياد تدخل الدول الكبرى في صنع القرار داخل هذه المنظمات، أو ممارسة ضغوط عليها لأسباب مرتبطة بالتحيزات السياسية.
وتتمظهر أزمة بعض المنظمات الدولية في نقص الثقة بقدرة هذه المنظمات على أداء دورها بشكل مستقل، وبمعزل عن تأثير القوى الكبرى، وخير دليل على ذلك انسحاب دول إفريقية من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الضغوط التي مورست على المحكمة بسبب الأحكام التي فرضتها على قادة الكيان الإسرائيلي بتهم ارتكاب جرائم إبادة في الحرب على قطاع غزة الفلسطيني المحاصر.
وبالرغم من الجهود المضنية التي بذلتها الأمم المتحدة في تجنيب العالم حربا عالمية، ودورها في رأب الصدع السياسي في بؤر توتر عدة، فإن كثيرا من المراقبين يرون أن المنظمات الدولية تواجه تحديات حقيقية فيما يتعلق بقدرتها على الاستمرار وفق شروط صحية تؤمن الاستقلالية في القرارات، والفاعلية في أداء دورها لإرساء أسس السلم والأمن الدوليين، وتحقيق المنافع للدول والأفراد، وحماية حقوق الإنسان على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والصحي، بشكل متوازن وعلى قاعدة التوافق بين الدول الأعضاء.
وفي هذا السياق، فرّق الدكتور وليد السقاف الأستاذ المشارك في معهد الدوحة للدراسات العليا، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، بين المنظمات الدولية، قائلا، إنه لا يصح جمع المنظمات كلها في سلة واحدة؛ فهناك تباين كبير في أحجامها وأهدافها، فالمنظمات التنموية والإنسانية مثل منظمة الصحة العالمية، والهلال والصليب الأحمر، وهيئات حقوق الإنسان، تساهم بطرق غير مباشرة في نزع فتيل الأزمات عبر دعم التنمية وتخفيف الآثار المؤدية للصراع.
وتطرق السقاف إلى قضايا المناخ والتنمية والدور المهم الذي تضطلع به المنظمات الدولية في هذا الخصوص، مبيّنا أن الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها وفرت أطرا ومبادرات دولية رئيسة لمكافحة التغير المناخي، والتقليل من الآثار المناخية طويلة الأمد، مضيفا أن منظمة "غرين بيس" أحدثت أثرا مهما في رفع الوعي بقضايا المناخ، وخطر التغير المناخي، من خلال قيادتها حملات ومبادرات ومؤتمرات دولية لهذا الغرض.
لكن الأثر العملي لهذه الجهود الدولية، وفق الدكتور وليد السقاف الأستاذ المشارك في معهد الدوحة للدراسات العليا، يبقى محكوما بمواقف الدول وقوانينها، ومدى التزامها بالأطر القانونية التي تضعها المنظمات الدولية.
وأشار إلى "سلطة الإلزام القانوني" كأداة تفتقدها المنظمات لتنفيذ قوانينها وخططها، مُمثلا لذلك بمنظمة "العفو الدولية" التي تقدم جهدا واضحا في توثيق الجرائم والانتهاكات، دفاعا عن حقوق الإنسان، لكن غياب الأدوات التنفيذية يحرمها من أي سلطة عملية.
وأوضح أن ضعف هذه المنظمات يظهر جليا في النزاعات الكبرى كالحرب الروسية الأوكرانية، أو التوترات الأمريكية الإيرانية، حيث تتراجع قدرتها على التأثير، خاصة مع التناقض البنيوي الذي يفرضه اعتمادها في التمويل على نفس الدول المتنازعة مما يضعف استقلاليتها وموقفها.
وعن تأثير التحولات السياسية في العالم على المنظمات الدولية، أشار إلى الاتجاه الحاصل نحو التعددية القطبية مع صعود الصين كقوة كبرى في العالم، عادّاً إياه تحولا إيجابيا ومطلوبا، لأنه يمنع استئثار قطب واحد بالقرارات، ومن ثمَّ يسهم في تحرير المنظمات الدولية من الارتهان لأي قوة منفردة.
ومن جانبه، ركّز الدكتور رجب عبد الله الإسماعيل، عضو هيئة التدريس في جامعة قطر في تصريح مماثل لـ/قنا/ على الاتجاه الجديد الذي أحدثته المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ووكالاتها، والبنك الدولي، والمنظمات الإنسانية، مبيّنا أنها انتقلت بهذا الاتجاه من مفهوم "الإغاثة فقط"، إلى "الإغاثة والتنمية وبناء القدرة على الصمود"، لافتا إلى أن هذا الاتجاه يمنح الدول والمجتمعات مناعة ذاتية في مواجهة الأزمات مستقبلا.
وبعد أن عدّ استقلالية الإرادة الذاتية للمنظمات الدولية إحدى أصعب القضايا، بسبب ارتباط تمويلها بالدول المانحة، انتقل الدكتور رجب إلى بيان الوسائل والآليات المُفضية إلى تحقيق هذه الاستقلالية، واضعا على رأسها تنويع مصادر التمويل بعيدا عن الركون إلى دولة مانحة واحدة، ثم الشفافية والمساءلة في التعامل مع مصادر التمويل، وكذلك توسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار بزيادة تمثيل الدول النامية.
وأضاف إلى تلك الآليات "وضع قواعد واضحة لتعارض المصالح" بالفصل بين الجهة الممولة والقرار المتعلق بتحديد الأولويات الإنسانية.
واستدرك الدكتور رجب، في ختام حديثه، بالقول إن الاستقلالية هنا لا تعني الابتعاد عن الدول أو رفض تمويلها، وإنما القدرة على اتخاذ القرار المهني والإنساني دون أن يتحول التمويل إلى أداة للضغط السياسي.
وبدوره، تطرّق الدكتور حامد التجاني علي، أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة بمعهد الدوحة للدراسات العليا، في تصرح لوكالة الانباء القطرية / قنا/ إلى ما أسماه "التحديات المركبة" التي يمر بها العالم، عادّاً أن أبرزها يكمن في مواجهة الكوارث الإنسانية الناتجة عن الحروب والصراعات، ومنطلقا من هذا التحدي في التشديد على أهمية المنظمات الدولية في وقتنا الراهن، والحاجة الماسة إلى دورها في دعم الدول النامية، ونقل المعرفة والتقنية، وتنفيذ مشروعات في التعليم، والصحة، والأمن الغذائي، والمياه، إلى جانب تقديم الإغاثة الإنسانية العاجلة أثناء الحروب والكوارث.
وأضاف أن المطلوب اليوم هو الحفاظ على استقلالية المنظمات الدولية، وأن ذلك يتطلب تحقيق التوازن التمثيلي جغرافيا داخل هياكلها، وتنويع مصادر التمويل، وتعزيز الشفافية والحوكمة، ووضع قواعد واضحة تحدّ من قدرة المانحين على التأثير في القرارات والأولويات، مع زيادة الاعتماد على مصادر التمويل المحلية والإقليمية كلما أمكن.
وفي هذا السياق، أوضح أن بعض الدول أدت دورا حيويا، مثل دولة قطر التي أثبتت حضوراً مهماً في مجال الدعم والمساعدات الإنسانية، بما يؤهلها للقيام بدور أكبر، إلى جانب دول ومؤسسات أخرى، في تطوير قدرات المنظمات الإنسانية وتعزيز استقلاليتها وفاعليتها.
وإلى جانب القضايا المطروحة على أجندة الدول المشاركة في اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تبرز التحديات الناشئة عن المتغيرات الدولية ومستقبل المنظمات الدولية بوصفها محورا رئيسيا في مداولات الدول الأعضاء، في ظل مساعٍ لتعزيز دور هذه المنظمات ودعم قدرتها على الاضطلاع بمهامها، وترسيخ الوعي بأهميتها، لاسيما في مواجهة التحولات الكبرى والتحديات المتسارعة التي يشهدها العالم.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو