البحر الأحمر بين مخاطر التصعيد الإقليمي وحماية طرق التجارة العالمية
القاهرة في 18 سبتمبر /قنا/ في ظل استمرار التوترات الإقليمية والمخاوف المتزايدة من تأثيراتها على أمن الملاحة، تتزايد التحركات والجهود الرامية إلى التعامل مع تداعيات الأزمات والاضطرابات التي تنعكس على أمن واستقرار البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية استراتيجية كبيرة، في ظل ارتباطها بشبكة من الممرات البحرية الحيوية الممتدة من باب المندب إلى البحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، فضلاً عن دورها المحوري في حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
ومع تصاعد التوترات في محيط البحر الأحمر وباب المندب، برزت مخاوف متزايدة من انعكاسات هذه التطورات على حركة الملاحة الدولية والتجارة بين آسيا وأوروبا، وما قد يترتب عليها من تغيير في مسارات السفن وارتفاع في تكاليف النقل والتأمين.
كما تتزامن هذه التطورات مع اضطرابات وتوترات تؤثر في مناطق وممرات بحرية استراتيجية أخرى، من بينها مضيق هرمز، وما يصاحب ذلك من تداعيات على تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، الأمر الذي يعزز أهمية أمن الممرات البحرية بالنسبة للاقتصاد العالمي.
ورأى خبراء سياسيون ومحللون اقتصاديون مصريون، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن التحركات المصرية إزاء الأوضاع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ترتبط بأمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب ارتباطها بأمن مصر.
وأشاروا إلى أن التطورات الراهنة تستدعي تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وخفض التصعيد، ودعم الاستقرار، وحماية الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها قناة السويس وباب المندب.
وفي هذا السياق، قال السفير علي الحفني نائب وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الإفريقية، في تصريح لـ"قنا"، إن الأمن المصري يرتبط ارتباطا وثيقا بالأمن الإقليمي في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.. موضحا أن التحركات المصرية لمعالجة التوترات في المنطقة تستهدف تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار ومنع تحول التهديدات إلى سمة دائمة فيها.
وأشار الحفني إلى أن الاضطرابات الإقليمية انعكست على أمن الطاقة والأمن الغذائي وسلاسل التوريد في أعقاب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بما فرض ضغوطا متزايدة على الاقتصاد العالمي وأجندات التنمية في مختلف الدول.
وأضاف أن هذه التطورات جعلت إيجاد حلول سياسية للأزمات وخفض التصعيد ضرورة ملحة، وأبرزت أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر للحيلولة دون مزيد من التدهور.
وشدد الحفني على أهمية العمل الجماعي لمواجهة هذه التحديات، موضحا أن تأمين الملاحة الدولية لا يمكن أن تتحمله دولة واحدة، وإنما يتطلب شراكات إقليمية ودولية وتنسيقا مستمرا بين الدول المعنية لحماية الممرات البحرية وضمان استقرار حركة التجارة العالمية.
ومن جهة أخرى، قالت الدكتورة سالي فريد أستاذ الاقتصاد ووكيل كلية الدراسات الإفريقية العليا لشؤون الدراسات العليا والبحوث بجامعة القاهرة، في حديث لـ"قنا"، إن القاهرة ترى ضرورة أن تبقى حوكمة هذا الممر الحيوي بيد دول المنطقة، بما يضمن استقرار التوازنات الإقليمية ويحافظ على أمن الملاحة.
وأوضحت أن مصر تبنت عدة آليات لاحتواء التوتر ومنع اتساع دائرة الأزمات وتحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة، عبر مسارين رئيسيين.
يتمثل المسار الأول، في الدبلوماسية الوقائية والوساطة من خلال تكثيف التواصل مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة لخفض التصعيد العسكري في جنوب البحر الأحمر وباب المندب.
أما المسار الثاني، فيتمثل في الرفض القاطع للإجراءات الأحادية والتصدي لأي محاولات لفرض واقع بالقوة يمس سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر أو يهدد وحدتها الترابية واستقرارها السياسي. مما يسهم في الحد من التداعيات على إيرادات مصر المرتبطة بقناة السويس، إلى جانب تجنيب الاقتصاد العالمي مزيدا من الصدمات التي تلحق ضررا بحركة التجارة الدولية.
وأشارت الدكتورة سالي فريد، في ختام حديثها لـ"قنا"، إلى أن مواجهة التحديات العابرة للحدود تتطلب بناء مظلة للتعاون الإقليمي من دون تهميش دور دول المنطقة، إلى جانب تعزيز الشراكات الاستراتيجية المتبادلة.
وأضافت أن ذلك يشمل التنسيق المستمر مع دول حوض البحر الأحمر والشركاء الإقليميين والدول العربية الفاعلة، بهدف دعم أمن الملاحة الدولية.
في السياق ذاته، قال سمير فرج الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن مصر تعمل منذ سنوات على تعزيز علاقاتها وتواصلها مع دول القرن الإفريقي ومنطقة مدخل البحر الأحمر.
وأوضح أن المخاطر التي تهدد أمن الملاحة في الوقت الراهن تؤثر على المنطقة وحركة الملاحة، وأن تطورات البحر الأحمر ترتبط بصورة وثيقة بالأوضاع السياسية والعسكرية في القرن الإفريقي.
وأشار إلى أن المشاركة المصرية في بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال تسهم، من وجهة نظره، في دعم الاستقرار وتأمين منطقة مدخل البحر الأحمر، في إطار الاهتمام المصري بأمن هذه المنطقة.
وأضاف أن المنطقة تمثل المدخل الرئيسي لقناة السويس، التي تعد أحد مصادر العملة الأجنبية للاقتصاد المصري، موضحا أن أي تأثير على أمن مدخل البحر الأحمر، لا سيما مضيق باب المندب ومنطقة القرن الإفريقي، ينعكس بصورة مباشرة على أمن مصر وقناة السويس.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح الدكتور وليد جاب الله الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، في حديث لـ"قنا"، أن التطورات في مضيق هرمز، إلى جانب المشكلات في مضيق باب المندب، تترتب عليها تأثيرات واسعة في حركة التجارة العالمية.
وأضاف أن مصر كانت من الدول المتأثرة بهذه الاضطرابات، لا سيما فيما يتعلق بإيرادات قناة السويس.
وأشار إلى سعي مصر للاستفادة من موقعها الجغرافي للتحول إلى مركز لوجستي يسهم في التعامل مع تداعيات الأزمة وتحقيق مزايا اقتصادية، في ظل الاضطرابات الإقليمية التي تصاعدت مع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران. وأضاف أن هذه التطورات خلفت تأثيرات سلبية كبيرة على سلاسل الإمداد العالمية، موضحا أن التراجع الحاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل ممرا رئيسيا لعبور نحو 20 مليون برميل من النفط في الظروف المعتادة، إلى جانب ما يمر عبره من الغاز والأسمدة وغيرها، أدى إلى تداعيات على الاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن من بين هذه التداعيات ارتفاع تكاليف النقل والشحن واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة.
ومن جانبه، قال أحمد الشامي مستشار وخبير اقتصاديات النقل ودراسات الجدوى في مصر، في حديث مماثل لـ"قنا"، إن أهمية أمن الملاحة بمنطقة البحر الأحمر وحماية سلاسل الإمداد الدولية تتزايد في ظل التوترات الإقليمية.
وأوضح أن قناة السويس تمثل أحد أهم وأقصر الممرات البحرية التي تربط بين الشرق والغرب، وتسهم في تقليص زمن وتكلفة نقل البضائع ومصادر الطاقة ودعم حركة التجارة العالمية، إلى جانب توفير إيرادات من العملات الأجنبية للدولة المصرية.. موضحا أن رسوم عبور السفن بقناة السويس تمثل أحد مصادر الإيرادات الدولارية لمصر، لافتا إلى مساهمة القناة في جذب الاستثمارات إلى المنطقة الاقتصادية التابعة لها، بما يدعم إنشاء وتطوير الموانئ والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية، ويوفر فرصا للاستثمار والعمل.
ولفت في ختام حديثه، إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة بالبحر الأحمر ينعكس سلبا على قناة السويس، ومن ثم على الأوضاع الاقتصادية في مصر.. مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخر وصول السلع، بما يؤثر على معدلات التضخم والأسعار على المستوى العالمي، الأمر الذي يستلزم تكثيف الجهود الإقليمية والدولية للحفاظ على الاستقرار والأمن في منطقة البحر الأحمر.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو