جنوب لبنان بين التصعيد الميداني ومسار إعادة الإعمار.. القصف والهدم يبددان آمال العودة
بيروت في 13 سبتمبر /قنا/ بين قرى هُجّر سكانها، ومنازل تحولت إلى ركام، وبلدات يعيش من بقي فيها على وقع القصف والتوتر، يزداد مستقبل جنوب لبنان غموضا مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واتساع رقعة السيطرة الميدانية.
فبالنسبة إلى آلاف السكان الذين ينتظرون العودة إلى قراهم ومنازلهم، لم يعد السؤال يقتصر على موعد انتهاء القصف، بل بات يتعلق بإمكانية العودة أصلا، وبما إذا كانت قراهم ستبقى جزءا من حياتهم اليومية أم ستتحول إلى مناطق يصعب الوصول إليها في ظل واقع ميداني جديد.
وتصاعدت هذه المخاوف بعد إعلان القوات الإسرائيلية السيطرة على تلة علي الطاهر، الواقعة على حدود مدينة النبطية شمال نهر الليطاني والمطلة عليها، في موقع استراتيجي يقابل مرتفعات قلعة الشقيف التاريخية التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية أيضا.
ومع إعلان الكيان الإسرائيلي نيته البقاء في جنوب لبنان وإقامة منطقة أمنية تعرف بـ«الخط الأصفر» بعمق عشرة كيلومترات، تتعمق حالة القلق لدى سكان القرى والبلدات الجنوبية بشأن مصير مناطقهم، ومستقبل الانسحاب الإسرائيلي، وإمكانية إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وتزداد الصورة ضبابية مع استمرار عمليات التفجير والجرف وهدم المنازل، إلى جانب القصف الذي يطال عددا من القرى والبلدات، بينما يجد النازحون أنفسهم أمام انتظار مفتوح، بين الحنين إلى منازلهم والخشية مما قد يجدونه عند العودة.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، خلال زيارة مفاجئة أجراها أمس إلى منطقة النبطية في جنوب لبنان، أن صمود أبناء الجنوب يمثل «أكبر وسام على صدرنا»، وأن بقاءهم رغم الحرب يشكل رسالة إلى العالم، مفادها أن المجتمع اللبناني في الجنوب قادر على النهوض مجددا والبقاء صامدا.
وأعرب عون عن أمله في أن "يختتم جرح الجنوب مرة لكل المرات"، مشددا على حق أبناء الجنوب في العيش بأمان، وبناء منازلهم دون خشية من هدمها أو تدميرها، وزراعة أراضيهم والعيش بكرامة وأمن دائم، بعد معاناة متواصلة منذ العام 1969 جيلا بعد جيل.
وأكد أن انسحاب القوات الإسرائيلية وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار تمثل "ثوابت وطنية" تلتزم الدولة العمل على تنفيذها، معتبرا أنها هدف واحد يجتمع عليه اللبنانيون ولا خلاف بشأنه.
وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي الدكتور محمد موسى عيسى، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن "حالة الاحتلال في جنوب لبنان يمكن توصيفها من خلال ثلاثة أوجه أساسية، لكل منها خصوصيتها وظروفها الإنسانية والمعيشية والميدانية».
وتحدث عيسى، وهو من بلدة ميس الجبل الجنوبية الحدودية، عن واقع القرى والبلدات الحدودية، لافتا إلى أن "الوجه الأول يتمثل في القرى المحتلة المحاذية لفلسطين المحتلة، أو ما يعرف بالخط الأصفر، وهي قرى خالية من سكانها بشكل كامل، بعدما تعرض معظمها لدمار واسع، تلامس نسبته 95 في المئة في بعض البلدات".
وأضاف أن عمليات التفجير والتجريف ونسف ما تبقى من مبان لا تزال مستمرة، لا سيما عند أطراف القرى، بعد تدمير أحيائها ومراكزها بشكل شبه كامل، فضلا عن إحراق المزروعات والبساتين، وتدمير الآليات والمعدات الزراعية، وكل ما تركه الأهالي من ممتلكات ومقدرات لدى نزوحهم.
وأشار إلى أن الوجه الثاني يتمثل في القرى المحاذية للخط الأصفر، حيث يقيم جزء من أبناء القرى والبلدات المحتلة الذين نزحوا إليها، بينما اضطر قسم آخر إلى النزوح نحو مناطق لبنانية أخرى، لا سيما بيروت وجبل لبنان والشمال.
أما الوجه الثالث، فيتمثل في القرى التي بقي أهلها داخل بلداتهم، مثل رميش وعين إبل، حيث يمكن وصف واقع السكان بأنه أشبه بسجن من دون قضبان حديدية، لأن الخروج والتنقل في هذه البلدان يحتاج الى إذن مسبق. كما أن إدخال المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية إلى هذه القرى يخضع بدوره لإجراءات، مما يزيد صعوبة الحياة اليومية للسكان.
وتابع أن اقتراب فصل الشتاء يطرح مشكلة جديدة، تتمثل في عدم قدرة الأهالي على إصلاح المنازل التي تعرضت لأضرار جزئية، لا سيما الأضرار المتعلقة بالزجاج والإنشاءات، في ظل غياب التعويضات. وأضاف أن كثيرين يتريثون في إجراء عمليات الترميم لعدم وضوح مصير الوضع الأمني، والخشية من تجدد الحرب ووقوع موجة نزوح جديدة.
وشدد عيسى على أن جنوب لبنان يعيش حالة شلل تام؛ إذ أصبحت الاعتداءات اليومية والمراقبة الجوية والقصف المتكرر جزءا من الحياة اليومية للأهالي في القرى المحاذية للخط الأصفر، الذين اعتادوا، رغما عنهم، على هذا الواقع الأمني القاسي.
وختم عيسى تصريحه لـ"قنا" بالقول: إن المشهد في جنوب لبنان لا يقتصر على حجم الدمار المادي، بل يعكس أزمة متكاملة تمتد تداعياتها إلى الأمن والسكن والتعليم والزراعة والاقتصاد والخدمات الأساسية. ويعيش الأهالي بين واقع النزوح وتعذر العودة إلى قراهم، وبين مخاوف استمرار الاعتداءات وتجدد الحرب، ما يفاقم حالة عدم اليقين بشأن مستقبل هذه القرى وسكانها، ويضعهم أمام واقع مفتوح على احتمالات وتحديات عديدة.
وبدوره، قال المحلل السياسي وجدي العريضي، في تصريح مماثل لـ"قنا"، إن "معاناة أبناء الجنوب ليست جديدة، إذ بدؤوا منذ سبعينيات القرن الماضي بالتعامل مع واقع أمني وسياسي صعب، وعاشوا على مدى عقود أزمات وظروفا قاسية وقهرا واحتلالا بأشكال متعددة، وصولا إلى عام 2000".
وأضاف أن الواقع الحالي، رغم اعتياد أبناء الجنوب تاريخيا على الأزمات، يختلف بشكل كبير عن حقبتي السبعينيات والثمانينيات وحتى مرحلة ما بعد التحرير، إذ إن حجم الدمار اليوم أكبر بكثير، وطال البنى التحتية والمنازل والمؤسسات، فضلا عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح العريضي أن أبناء الجنوب اليوم يواجهون صعوبة متزايدة في تأمين مقومات الحياة، ولم يعد هناك ذلك التأقلم الذي كان سائدا في المراحل السابقة، لأن الظروف الحالية مختلفة جذريا، إذ أصبحت الحياة اليومية أشبه بحياة قهر، في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية واستمرار القصف والتهديدات الأمنية.
وقال إن الحياة اليومية لأبناء الجنوب باتت شديدة الصعوبة، موضحا أن المواطن اللبناني يعود إلى قريته ثم يضطر إلى النزوح مجددا نتيجة القصف، وينتقل من منطقة إلى أخرى بحثا عن الأمان، مما يجعل تنظيم حياته وتأمين معيشته واحتياجاته الأساسية أمرا بالغ الصعوبة.
وختم العريضي بالقول إن تداعيات الضربات اليومية، لا سيما الجوية منها، باتت كبيرة على السكان، في ظل الأجواء والمؤشرات الميدانية والسياسية الصعبة.
ومن ناحيته، قال الدكتور أنيس أبو ذياب، عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي بلبنان، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إنه حتى الآن، لا يمكن القول إن هناك ضمانات أمنية كاملة ومستدامة تسمح بإعادة إعمار واسعة النطاق في جنوب لبنان؛ إذ إن التصعيد الميداني ما زال مستمرا، وآخر التطورات تؤكد استمرار الضربات وسقوط قتلى في الجنوب، رغم وجود اتفاق لوقف الأعمال العدائية.
وأضاف أن هناك مسارا دوليا ناشطا لربط إعادة الإعمار بالترتيبات الأمنية، مشيرا إلى أن من أبرز الأفكار المطروحة أن يتولى لبنان، عبر الجيش والقوى الأمنية، المسؤولية الأمنية تدريجيا في مناطق محددة، وأن يبدأ الدعم الدولي لإعادة الإعمار عندما تصبح هذه المناطق آمنة وقابلة لعودة السكان.
وأوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الممولين الدوليين لا يريدون تمويل إعادة بناء يمكن أن تتعرض للدمار مجددا بعد أشهر أو سنوات، ولذلك فإن إعادة الإعمار المستدامة تحتاج إلى ثلاثة مستويات من الضمانات. أولها الضمان الأمني، ويشمل وقفا مستداما للأعمال العسكرية، وضبط الحدود.
ولفت أبو ذياب إلى أن هذا الاتجاه بدأ يظهر فعليا في البرامج الدولية، مشيرا إلى أن مشروع /LEAP/ الذي يموله البنك الدولي يشكل إطارا لإعادة الإعمار بقيمة تصل إلى مليار دولار، وقد بدأ بتمويل قدره 250 مليون دولار، مع إمكانية تأمين تمويل إضافي من المانحين.
وأوضح أن المشروع مصمم على مراحل، بحيث يرتبط التوسع في التمويل بتوافر الظروف المناسبة، مشيرا إلى أن احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في لبنان قدرت بنحو 11 مليار دولار.
كما أشار إلى أن "الحكومة اللبنانية والاتحاد الأوروبي والدنمارك وفرنسا أطلقوا برنامجا بقيمة 32 مليون يورو للمناطق المتضررة في الجنوب والبقاع"، موضحا أنه يركز على المؤسسات المحلية والزراعة والاقتصاد وفرص العمل، مع الانتقال إلى التعافي طويل الأمد عندما تسمح الظروف الأمنية.
يأتي ذلك في وقت لا يزال فيه جنوب لبنان يشهد توترا ميدانيا وتصعيدا متواصلا، رغم التفاهمات المتعلقة بوقف الأعمال العدائية، في حين تتركز الجهود السياسية على تثبيت وقف إطلاق النار والبحث في الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
وترتبط مسألة إعادة إعمار المناطق المتضررة إلى حد كبير بتحسن الوضع الأمني وتوافر ضمانات تحول دون تجدد الأعمال العسكرية، في ظل تقديرات بارتفاع حجم الاحتياجات التمويلية اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو