قمة بريكس الثامنة عشرة في نيودلهي.. رهانات كبرى على مستقبل التعاون بين اقتصادات الجنوب
الدوحة في 11 سبتمبر /قنا/ تنطلق في نيودلهي يوم غد السبت، أعمال القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس في ظل رهانات كبرى على مستقبل التعاون بين اقتصادات الجنوب، وتعقد القمة على مدار يومين تحت شعار "بناء القدرة على المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة"، وهو الشعار الذي اختارته الهند لرئاستها الدورية للمجموعة خلال عام 2026.
ومن المتوقع أن يشارك في فعاليات القمة، قادة الدول الأعضاء والدول الشريكة، إلى جانب ضيوف مدعوين آخرين، في مؤشر على رغبة الهند في توسيع دائرة الحوار إلى ما هو أبعد من العضوية الرسمية للمجموعة.
ووفق تقارير صحفية في نيودلهي فإن أجندة القمة لن تقتصر على الملفات الاقتصادية والمالية، بل ستمتد لتشمل نقاشات حول إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية بما يمنح الدول النامية صوتًا أكبر، إلى جانب ملفات مكافحة الإرهاب، والتحول الرقمي، والانتقال نحو الطاقة النظيفة، والتنمية المستدامة، بالتوازي مع تبادل وجهات النظر حول أبرز القضايا الإقليمية والدولية الراهنة. وقد شهد العام الحالي أكثر من 350 اجتماعًا وفعالية رفيعة المستوى في أكثر من 25 مدينة هندية، في إطار التحضير لهذه القمة، شملت ثلاثة محاور أساسية هي : التعاون السياسي والأمني، والتعاون الاقتصادي والمالي، والتبادل الثقافي والإنساني بين الشعوب.
وتأتي هذه القمة في وقت تواجه فيه مجموعة بريكس تساؤلات متجددة حول مدى تماسكها كتكتل موحد، في ظل تباين المصالح الاقتصادية والسياسية بين أعضائها المتنوعين جغرافيًا وأيديولوجيًا، ومع ذلك، يرى مؤيدو المجموعة أنها تمثل بديلًا تدريجيًا لمراكز القوة التقليدية في الاقتصاد العالمي، فيما يشكك منتقدوها في قدرتها على تحويل هذا الحجم البشري والاقتصادي الكبير إلى مواقف سياسية واقتصادية موحدة وفعالة.
وتكتسب القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس، أهمية رمزية إضافية كونها تأتي في العام الذي تحتفل فيه مجموعة بريكس بمرور عشرين عامًا على تأسيسها، إذ عُقدت أولى قممها في مدينة يكاترينبورغ الروسية عام 2009، بعد أن انطلقت الفكرة كإطار تنسيقي عام 2006، كما أنها المرة الرابعة التي تتولى فيها الهند رئاسة المجموعة، بعد أن استضافت القمة سابقًا في الأعوام 2012 و2016 و2021.
لم تعد "بريكس" التكتل الخماسي الذي عُرف به لسنوات (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، بل باتت تضم اليوم إحدى عشرة دولة عضوًا، بعد انضمام كل من مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى شبكة واسعة من "الدول الشريكة" و"الدول المدعوة للحوار"، ما يجعل من القمة منصة تمثل شريحة واسعة من اقتصادات الجنوب العالمي والدول الناشئة.
وأكد الدكتور عمر خليف الغرايبة أستاذ الاقتصاد الدولي وإدارة المخاطر المالية بجامعة آل البيت الأردنية، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا" أن أهمية بريكس لم تعد مقتصرة على حجم اقتصادات أعضائها، بل تجاوزتها إلى قدرتها على بناء شبكة اقتصادية ومالية أكثر تنوعاً واستدامة داخل دول الجنوب العالمي، حيث تضم المجموعة حاليًا 11 دولة، وتمثل نحو نصف سكان العالم، وحصة تقارب ثلث الناتج العالمي وفق التقديرات المتداولة.
وتوقع أن يركز جدول أعمال قمة بريكس في نيودلهي على ملفات التجارة والتمويل والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مما يعكس نضجاً في توجه المجموعة من الحوار السياسي إلى العمل الاقتصادي المؤسسي.
وأضاف أستاذ الاقتصاد الدولي وإدارة المخاطر المالية بجامعة آل البيت الأردنية، أنه بالنسبة للأسواق الناشئة عمومًا، فإن الأثر المحتمل لقمم بريكس المتتالية، يتمثل في توسيع مصادر التمويل والتجارة والاستثمار، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق والعملات ومصادر التمويل الدولية، وهذا أمر بالغ الأهمية في مرحلة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكلفة التمويل العالمي، حيث تتحول هذه الأسواق من موقع المتلقي إلى فاعل قادر على تنويع شراكاته وتعزيز صموده في وجه الصدمات الخارجية.
أما على مستوى القيمة الدولية لبريكس، فيرى الدكتور الغرايبة أن القمم المتتالية والتمدد الجغرافي للمجموعة عززا بالفعل وزنها السياسي والاقتصادي، فقد انضمت مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات إلى المجموعة اعتبارًا من 2024، ثم أصبحت إندونيسيا عضوًا كاملًا في 2025 ليصل العدد إلى 11 دولة، وهذا التوسع لم يكن مجرد زيادة عددية، بل أضاف للمجموعة مراكز طاقة وتجارية ومالية وممرات لوجستية استراتيجية في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، مما يعزز الوزن التفاوضي للمجموعة، لكنه في الوقت نفسه يزيد من تحدي توحيد المصالح والمواقف السياسية بين الأعضاء الذين باتوا أكثر تنوعاً في توجهاتهم ومصالحهم الوطنية.
وأضاف الدكتور الغرايبة أن أكثر القطاعات استفادة من التعاون بين دول بريكس خلال المرحلة المقبلة، هي الطاقة والمعادن الاستراتيجية والصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية والخدمات المالية، فالتعاون في الطاقة يمكن أن يخلق شبكة أوسع من المنتجين والمستهلكين، بينما يكتسب التعاون في المعادن الحرجة أهمية استثنائية بسبب ارتباطها بالسيارات الكهربائية والبطاريات وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية، والبرازيل على سبيل المثال تعمل حاليًا على تطوير إطار أكبر لاستغلال ومعالجة المعادن الاستراتيجية والعناصر الأرضية النادرة، في وقت تسعى فيه الاقتصادات الكبرى إلى تنويع مصادر هذه المواد الحيوية، كما أن التعاون في المدفوعات الرقمية والعملات المحلية قد يخفض تكلفة التجارة عبر الحدود، حيث تناقش دول بريكس بالفعل إمكانية ربط أنظمة المدفوعات السريعة والعملات الرقمية للبنوك المركزية.
وحول دور بريكس في دعم سلاسل التوريد العالمية، خاصة في مجالات الطاقة والمعادن الاستراتيجية، أعرب أستاذ الاقتصاد الدولي وإدارة المخاطر المالية بجامعة آل البيت الأردنية، عن اعتقاده بأن بريكس يمكن أن تتحول من مجرد تجمع للدول الناشئة إلى أحد أهم مراكز إعادة تشكيل هذه السلاسل، فالمجموعة تجمع دولًا تمتلك موارد الطاقة وأخرى تمتلك قاعدة صناعية ضخمة ودولًا أخرى تمتلك احتياطيات وإمكانات مهمة في المعادن الاستراتيجية والمواد الأولية، إضافة إلى أسواق استهلاكية ضخمة، وبالتالي فإن التكامل بين هذه القدرات يمكن أن يقلل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد للمواد والطاقة، خصوصًا في ظل الأزمات التي شهدتها طرق التجارة العالمية، والأهم أن أجندة بريكس لعام 2026 تركّز على مرونة سلاسل القيمة العالمية والتجارة الرقمية والتمويل والطاقة والمعادن الحرجة، ما يشير بوضوح إلى انتقال المجموعة تدريجيًا من التنسيق السياسي إلى التعاون الاقتصادي العملي القائم على مشاريع ملموسة.
وأضاف الدكتور الغرايبة أن أكبر خطر على بريكس، قد يأتي من داخلها وليس من خارجها، فالمجموعة تضم اقتصادات متفاوتة في الحجم والنمو والدخل، ولديها مصالح سياسية واستراتيجية متباينة، بل توجد بينها أحيانًا منافسة مباشرة كما هو الحال بين الصين والهند، كما أن زيادة عدد الأعضاء تجعل الوصول إلى توافق موحد أكثر صعوبة، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل العملة والسياسة التجارية والعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والعقوبات الدولية، ولذلك فإن الحديث عن عملة موحدة لبريكس تحل محل الدولار ما يزال سابقًا لأوانه، والأكثر واقعية في المدى القريب هو توسيع استخدام العملات المحلية وربط أنظمة الدفع وتطوير أدوات تمويل مشتركة وتعزيز دور بنك التنمية الجديد، وهنا تبرز تجربة التعاون المالي باعتبارها أكثر قابلية للتطبيق من مشروع عملة موحدة في الوقت الحالي، فهي تمنح الأعضاء مرونة أكبر وتتجنب العقبات السياسية والاقتصادية المعقدة.
وأكد الدكتور الغرايبة في ختام حديثه لوكالة الأنباء القطرية "قنا" أن مجموعة بريكس تقف اليوم أمام فرصة تاريخية، لكنها ليست قوة اقتصادية مكتملة بعد، بل إنها مشروع طموح لإعادة توزيع الوزن الاقتصادي العالمي، وإذا نجحت المجموعة في تحويل ثقلها الديموغرافي والاقتصادي إلى تجارة أكبر بين الأعضاء وتمويل مشترك ومدفوعات أكثر كفاءة واستثمارات حقيقية في الطاقة والمعادن والتكنولوجيا والبنية التحتية، فإن تأثيرها سيتجاوز الدول الأعضاء ليصل إلى معظم الأسواق الناشئة، أما إذا بقيت القمم في إطار البيانات السياسية دون آليات تنفيذ ومشروعات مشتركة، فسيظل حجم بريكس أكبر من قدرتها المؤسسية، لذلك فإن اختبار بريكس الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس كم دولة ستنضم إليها، وإنما ماذا ستبني هذه الدول معًا، فالقوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بحجم الناتج فقط، بل بالقدرة على التأثير في التمويل والطاقة والتكنولوجيا والمعادن وسلاسل الإمداد، وهذا ما سيرسم ملامح دور بريكس في النظام العالمي الجديد.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو