تراجع الجوع العالمي للعام الثالث تواليا.. والنزاعات والتغير المناخي يهددان استدامة التقدم
الدوحة في 23 يوليو /قنا/ كشفت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، في أحدث التقارير التي أنجزتها بالتعاون مع كل من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، عن تراجع مستويات الجوع للعام الثالث على التوالي، في تطور وصفته الأمم المتحدة بأنه يمثل مؤشرا إيجابيا على إمكانية إحراز تقدم في مكافحة الجوع، لكنه يبقى تقدما هشا ومهددا باستمرار النزاعات المسلحة والتغيرات المناخية والتباطؤ الاقتصادي العالمي.
وأكد التقرير الأممي السنوي عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم (سوفي 2026) انخفاض عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع إلى نحو 645 مليون شخص، بما يعادل 7.8 بالمئة من سكان العالم، وهو أدنى مستوى يسجله المؤشر منذ بدء رصد أهداف التنمية المستدامة، الأمر الذي يعكس التحسن التدريجي في قدرة العديد من الدول على تعزيز نظمها الغذائية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وزيادة إنتاجها الزراعي رغم التحديات المتصاعدة.
وعن هذه المؤشرات "الإيجابية"، أبرز شو دونيو المدير العام لمنظمة (الفاو) أن هذه الأرقام تثبت أن القضاء على الجوع بشكل كلي ليس أمرا مستحيلا، معتبرا أن الانخفاض المتواصل في معدلات الجوع يبرهن على أن السياسات الصحيحة والاستثمارات الموجهة في الزراعة والتنمية الريفية يمكن أن تحقق نتائج ملموسة، رغم تشديده في الوقت ذاته على ضرورة ألا يدفع هذا التحسن إلى التراخي لأن الصراعات المسلحة والتقلبات المناخية لا تزال تشكل أكبر التهديدات أمام الأمن الغذائي العالمي.
وأوضح أن الأزمات الممتدة، لا سيما الحروب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط وبعض مناطق إفريقيا وأوروبا، تؤثر بصورة مباشرة في إنتاج الغذاء وسلاسل الإمداد وأسعار السلع الأساسية، فضلا عن تأثير موجات الجفاف والفيضانات والحرارة الشديدة التي باتت تتكرر بوتيرة غير مسبوقة نتيجة تغير المناخ.
ويشدد التقرير الأممي على أن النزاعات المسلحة ما تزال العامل الأكثر تأثيرا في ارتفاع معدلات الجوع الحاد، حيث تؤدي إلى تعطيل الإنتاج الزراعي، ونزوح السكان، وانهيار الأسواق المحلية، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وهو ما يجعل المناطق المتأثرة بالصراعات تسجل أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي في العالم، لافتا إلى أن تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، المتمثل في القضاء على الجوع بحلول عام 2030، لا يزال يواجه تحديات كبيرة تتطلب مضاعفة الاستثمارات في الزراعة المستدامة، وتعزيز الابتكار الزراعي، ودعم صغار المزارعين، وتحسين إدارة الموارد المائية، وبناء نظم غذائية أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، بالإضافة إلى ضمان الحصول على الطاقة الغذائية الكافية.
كما بين أن ذلك يستوجب تمتيع السكان بإمكانية الوصول الاقتصادي إلى الأغذية الآمنة والمتنوعة والمغذية، خاصة في ظل عجز حوالي 2.7 مليار شخص حول العالم عن تحمل كلفة الأنماط الغذائية الصحية، مشيرا إلى لفت التقرير الانتباه إلى التحدي الملح في استكشاف الدوافع الهيكلية الكامنة وراء استمرار ارتفاع كلفة النمط الغذائي.
وفي ذات الاتجاه، تؤكد الأمم المتحدة أن التحسن المسجل خلال السنوات الثلاث الماضية يمثل فرصة مهمة ينبغي استثمارها من خلال تعزيز التعاون الدولي، وزيادة التمويل المخصص للأمن الغذائي، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتحسين سلاسل الإمداد الغذائي، بما يضمن وصول الغذاء الصحي والمغذي إلى جميع الفئات، معتبرا أن بناء نظم غذائية أكثر مرونة أصبح ضرورة ملحة لمواجهة التحديات المستقبلية، وذلك عبر توظيف التقنيات الزراعية الحديثة، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، والحد من الفاقد والهدر الغذائي، والاستثمار في البحث العلمي والابتكار، بما يسهم في ضمان الأمن الغذائي العالمي للأجيال المقبلة.
وخلص التقرير إلى أن التراجع الحالي في معدلات الجوع يمثل، في ظل استمرار التحديات الجيوسياسية والمناخية، خطوة مشجعة ولكنها لا تعني انتهاء الأزمة، بل تؤكد أن الحفاظ على هذا التقدم يتطلب عملا دوليا جماعيا واستثمارات طويلة الأجل حتى لا تتحول المكاسب المحققة إلى إنجازات مؤقتة سرعان ما تتراجع أمام الأزمات العالمية المتلاحقة.
ويرى خبراء الأمن الغذائي أن النتائج التي تضمنها تقرير (سوفي 2026) تعكس نجاح عدد من المبادرات الدولية والإقليمية في الحد من الجوع، لكنها في الوقت نفسه تكشف اتساع الفجوة بين المناطق التي تشهد استقرارا اقتصاديا وسياسيا وتلك التي تعاني من النزاعات والكوارث الطبيعية، الأمر الذي يؤكد أن الأمن الغذائي بات يرتبط بصورة وثيقة بتحقيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة.
وحول مدى إسهام الحروب والنزاعات المسلحة والتنافس الجيوسياسي بين العديد من القوى على الساحة العالمية في تعميق أزمة الجوع عالميا رغم تراجع معدلاته وفق أحدث التقارير الأممية، قال الدكتور عبدالله بندر العتيبي الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية " قنا"، إنه على الرغم من تراجع معدلات الجوع عالميا، فإن هذا التحسن يبقى هشا لأن الحروب لا تدمر الإنتاج الزراعي فقط، بل تعطل التجارة وترفع أسعار الطاقة والنقل والأسمدة.
وشدد على التأثير البالغ للأزمات الراهنة، مثل الحرب الإيرانية الأمريكية والتوتر في مضيق هرمز، على الأمن الغذائي العالمي عبر تهديد إمدادات الطاقة والأسمدة ورفع تكلفة الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء خاصة في الدول الفقيرة.
وأبرز الدكتور العتيبي الارتباط الكبير بين سلاسل الغذاء والطاقة، مبينا أنه عندما تتعطل الملاحة في ممرات إستراتيجية مثل مضيق هرمز، ترتفع تكاليف الشحن والتأمين والأسمدة، بما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء، وما يعنيه ذلك من تأثير فوري ومباشر على الدول النامية لاعتمادها الكبير على استيراد الغذاء ومدخلات الإنتاج الزراعي.
وشدد على أن الأمن الغذائي أصبح جزءا أساسيا من الأمن القومي، فالدول تتنافس اليوم على تأمين سلاسل الإمداد والطاقة والأسمدة، وأصبح الغذاء أحيانا أداة ضغط سياسي، معتبرا أنه للحد من ذلك يجب حماية الممرات البحرية، وضمان استمرار تدفق الغذاء والأسمدة، وعدم استخدامها كورقة في الصراعات.
وختم الدكتور عبد الله بندر العتيبي الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر بالتأكيد على أن المطلوب من المؤسسات الدولية والقوى الكبرى منع اتساع النزاعات إلى الممرات التجارية ومنشآت الطاقة والأسمدة لضمان عدم تقويض المكاسب المحققة في مكافحة الجوع، وتعزيز الأمن الغذائي العالمي على المدى الطويل، وتعزيز دور الأمم المتحدة في حماية سلاسل الإمداد، ودعم الدول الأكثر هشاشة ماليا وغذائيا، إلى جانب الاستثمار في الإنتاج الزراعي المحلي وتنويع مصادر الاستيراد للارتباط المباشر بين الأمن الغذائي والاستقرار السياسي والأمني العالمي.
وحول الأسباب الجوهرية التي لا تزال تشكل حجر عثرة أمام القضاء على الجوع عالميا، لفت الدكتور عمر غرايبة أستاذ المالية في كلية الأعمال بجامعة آل البيت بالأردن، في تصريحات خاصة لـ(قنا)، إلى تسجيل تراجع في مؤشرات الجوع العالمي للمرة الثالثة على التوالي في مؤشر إيجابي، غير أنه نوه إلى وجود نحو 645 مليون إنسان في العالم لا يعرفون إن كانوا سيجدون وجبتهم التالية.
وقال الدكتور غرايبة "حمل التقرير بشرى سارة وإن كانت هشة، فقد انخفض عدد الجوعى عالمياً للعام الثالث على التوالي ليصل إلى نحو 645 مليون شخص، بما يعادل 7.8% من سكان العالم، لكن هذا التحسن الذي يعادل انخفاضاً بأكثر من 43 مليون شخص مقارنة بعام 2022 لا يزال غير كاف لتحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول عام 2030، فالمكاسب وإن كانت حقيقية تظل هشة وغير متوازنة جغرافيا، في مشهد يعيد تعريف أولويات السياسات الغذائية العالمية".
وأوضح أن الجوع لم يعد مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل تحول إلى مرآة تعكس انقساما جغرافيا عميقا، مضيفا "فبينما سجلت آسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي تحسنا متسارعا، أصبحت إفريقيا، ولأول مرة، القارة التي تضم أكبر عدد من الجوعى في العالم، بنحو 309 ملايين شخص، مقابل 292 مليونا في آسيا، ورغم أن النسبة المئوية للجوعى في إفريقيا انخفضت بشكل طفيف من 20.3% عام 2024 إلى 20% عام 2025، فإن النمو السكاني السريع يحول هذا التحسن النسبي إلى انتصار خجول".
واعتبر أن الأكثر إثارة للقلق أن أكثر من نصف سكان القارة (56.6%) يعانون من انعدام أمن غذائي متوسط أو شديد، مقارنة بـ20.3% فقط في آسيا، كما إن إفريقيا لم تعد مجرد مسرح للأزمات الغذائية، بل أصبحت بؤرتها الإستراتيجية.
وشدد أستاذ المالية في كلية الأعمال بجامعة آل البيت بالأردن، على أن التحدي الأعمق لا يكمن في نقص الطعام فحسب، بل في استحالة الوصول إليه، فبينما انخفض عدد الجوعى، لا يزال نحو 2.1 مليار شخص (25.8% من سكان العالم) يعانون من انعدام أمن غذائي متوسط أو شديد، أي أنهم مضطرون في بعض الأوقات إلى التضحية بجودة أو كمية الطعام الذي يتناولونه، والأكثر إيلاماً أن 2.69 مليار شخص، أي نحو ثلث سكان العالم، لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي.
وأضاف أن هذه النسبة تصل في إفريقيا إلى 66.6%، أي أكثر من ضعف النسبة في آسيا (28.9%) وأمريكا اللاتينية (25.7%)، وهذا يعني أن الجهود الدولية نجحت في زيادة الإمدادات الغذائية، لكنها فشلت في معالجة الأزمة الأعمق: القدرة الشرائية، فكم من طعام يُنتج لا يُجدي نفعاً إذا كانت جيوب الفقراء خاوية.
إلى ذلك أجمل الدكتور غرايبة الحلول التي تحقق هدف القضاء على الجوع بحلول 2030 ، في خمس ركائز أساسية تضمن الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء أنظمة غذائية مرنة، وتتبلور هذه الأولويات الخمس في، إنهاء النزاعات المسلحة وحماية سلاسل الإمداد الإنساني، فالسلام شرط أساسي للأمن الغذائي، ثم زيادة الاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً ، بالإضافة لتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، مع التحويل من سياسات دعم السلع الغذائية التي ترهق الميزانيات إلى "التحويلات النقدية المشروطة" المرتبطة بالصحة والتغذية، وتعزيز برامج التغذية المدرسية، فضلا عن تحسين كفاءة التجارة العالمية وتقليل القيود على حركة السلع الغذائية والأسمدة، بينما تتمثل الركيزة الخامسة في الاستثمار في البنية التحتية الريفية، بما يشمل التخزين والنقل والرقمنة، مع تعزيز الشفافية في تتبع سلاسل الإمداد الإنساني باستخدام تقنية البلوكشين، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه ومضاعفة فعالية المساعدات.
وختم الدكتور عمر غرايبة حديثه لـ(قنا)، بالقول إن نتائج "سوفي 2026"، تظل الرسالة الأهم بأن العالم أثبت أن خفض الجوع ممكن، لكن استمرار هذا التقدم يتطلب معالجة الأسباب الهيكلية للجوع، وليس الاكتفاء بالاستجابة للأزمات بعد وقوعها، فالتوقعات تشير إلى أن ما بين 510 و520 مليون شخص قد يظلون يعانون من الجوع في عام 2030، في سيناريو يستمر فيه تأثير النزاعات على تضخم الغذاء، مقارنة بتوقع ما قبل النزاعات البالغ 503 ملايين، وهذا يعني أن وتيرة التحسن الحالية ما تزال غير كافية لتحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، لكن العبرة الأعمق التي يفرضها هذا التقرير تتجاوز الأرقام التنازلية: لم يعد السؤال ما إذا كان العالم قادراً على إنتاج غذاء كافٍ، بل ما إذا كان قادراً على بناء نظام سياسي واقتصادي يضمن وقف ميزانيات الحروب ومضاعفة ميزانيات الحقول.
وبحسب المختصين بقضايا الأمن الغذائي، فإن تحقيق هدف القضاء التام على الجوع بصورة مستدامة يستلزم وضع سياسات محددة في القطاعات الزراعية والصناعية المتنوعة، تتعلق في بعض جوانبها بتحويل المساعدات الزراعية إلى أنماط للاستثمار في سلاسل متصلة بدءا من الإنتاج وصولا لشبكات النقل القوية والتبريد، وتوفير إستراتيجية شاملة للحكومات وأصحاب المصلحة بهدف خفض كلفة الأنماط الغذائية بصورة هيكلية والمحافظة على رأس المال البشري، فضلا عن تجنب التكاليف غير المرئية الناشئة عن التعاملات التجارية والإنتاجية للنظم الزراعية والغذائية.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو