موجات الحر القياسية.. اختبار حاسم لمدى كفاءة أنظمة الطاقة في القارة الأوروبية
الدوحة في 02 يوليو /قنا/ بعد أن كان الشتاء في السابق ولعقود طويلة هو الفصل الذي يختبر قدرة وكفاءة أنظمة الطاقة في القارة الأوروبية، طرأ تحول جذري في السنوات الأخيرة، إذ بات فصل الصيف هو الآخر اختبارا قاسيا لا يقل صعوبة عن الشتاء، وهو التحول الذي يفرض على أوروبا إعادة رسم سياساتها وخططها واستراتيجياتها في مجال الطاقة بصورة جذرية، لتواكب مناخا يتغير بسرعة تفوق كل التوقعات التي سادت قبل سنوات قليلة فقط.
فقد حطمت موجات حر استثنائية اجتاحت القارة الأوروبية هذا الصيف العديد من الأرقام القياسية لدرجات الحرارة، وخلفت آثارا بالغة الخطورة على الصحة العامة، والنظم البيئية والزراعة والبنية التحتية وإنتاجية العمل، وترافقت هذه الموجة مع عواصف رعدية عنيفة في بعض المناطق وتفاقم حالات الجفاف، فضلا عن تزايد خطر اندلاع حرائق الغابات في مناطق أخرى، ما رسم صورة دراماتيكية لتأثيرات التغير المناخي المتسارع.
ومن شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى الدول الإسكندنافية، تتوالى المؤشرات الواضحة على تسارع وتيرة الاحترار في أوروبا، ويعزو العلماء هذا التسارع إلى موقع القارة الجغرافي القريب من القطب الشمالي، حيث يذوب الجليد بمعدلات غير مسبوقة، بالإضافة إلى أن اليابسة الأوروبية ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع بكثير من المحيطات المحيطة بها.
ولم تكن هذه الموجة الحرارية حدثا عابرا، بل إنذارا جديدا لقارة تعد الأسرع ارتفاعا في درجات الحرارة على مستوى العالم، فما تشهده أوروبا اليوم ليس مجرد "صيف حار استثنائي"، وإنما مشهد من مستقبل يقترب بسرعة، فلم تعد موجات الحر أحداثا نادرة بل اختبارات متكررة لقدرة المدن والمجتمعات على التكيف مع عالم أكثر سخونة، وهو المستقبل الذي طالما حذرت منه الهيئات الدولية والعديد من الأبحاث والدراسات العلمية والمؤتمرات الدولية، ودفعت باتجاهه عشرات الاتفاقيات الدولية للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة.
وقد امتد أثر موجات الحر ليشمل قطاعات جديدة، حيث تم إغلاق آلاف المدارس في بريطانيا وفرنسا، وتعطلت حركة النقل في عدة دول أوروبية، وتم إغلاق مبكر لمعالم سياحية كبرى مثل برج إيفل ومتحف اللوفر، وانعكست هذه الإجراءات سلبا على قطاع السياحة والخدمات، الذي يشكل إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الأوروبي.
وفي مجال الطاقة، اضطرت محطة باكس النووية في هنغاريا إلى خفض إنتاجها، بسبب ارتفاع حرارة مياه نهر الدانوب التي تستخدمها في التبريد، وفي إيطاليا انخفض مستوى نهر "بو" بشكل حاد، ما سمح لمياه البحر بالتمدد نحو 18 كيلومترا داخل اليابسة، وزاد من المخاوف على الزراعة والأراضي الرطبة المحمية في دلتا النهر.
كما ذابت أجزاء من المدارج في بعض المطارات الأوروبية بسبب شدة الحرارة، ما يؤكد الحاجة الملحة إلى عمل دؤوب ومخطط لتحديث البنية التحتية، للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة كواقع مناخي دائم وليس كأزمة طارئة مؤقتة.
ويرى خبراء الاقتصاد والمناخ أن التغيرات المناخية لم تعد مجرد ملف بيئي، بل أصبحت عاملا اقتصاديا مباشرا يؤثر في تكاليف الإنتاج، واستقرار شبكات الطاقة، وسلوك المستهلكين، بالإضافة إلى الضغط المتزايد على الحكومات لإعادة النظر في سياسات الدعم والضرائب المرتبطة بالطاقة.
وعلى صعيد المباني الأوروبية فقد صممت تاريخيا لمواجهة البرد الشديد، وبالتالي تميل إلى الاحتفاظ بالحرارة، لكن ظاهرة الاحترار العالمي جعلت ما كان يفترض أنه يحدث مرة واحدة كل جيل، يتكرر تقريبا كل عام، فقد أدت موجات الحر إلى ارتفاع حاد في الطلب على الكهرباء، وارتفاع أسعار الطاقة في مختلف أنحاء القارة، مما سلط الضوء على التأثير المتزايد لاحتياجات التبريد على أنظمة الكهرباء، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة استخدام أجهزة التكييف في المنازل والمكاتب والمؤسسات، الأمر الذي يزيد الطلب على الكهرباء، وعلى الرغم من أن أجهزة التكييف لا تزال أقل انتشارا في أوروبا مقارنة بمناطق العالم الأخرى، إلا أن انتشارها في تزايد مطرد.
ووفقا للوكالة الدولية للطاقة، يمتلك حوالي 20 في المئة من المنازل الأوروبية أجهزة تكييف حاليا، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، وخلال العشر سنوات الماضية، زادت ملكية أجهزة التكييف بنحو النصف، وبلغت المبيعات السنوية الآن مستويات أعلى بنحو 30 في المئة مما كانت عليه قبل خمس سنوات فقط.
وتتوقع الوكالة أن يصبح الطلب على التبريد مصدرا متزايدا لاستهلاك الكهرباء، على الرغم من أنه من غير المرجح أن يتجاوز حجم احتياجات القطاعات الأخرى مثل المركبات الكهربائية ومراكز البيانات.
من جانب آخر، شهد شمال غرب أوروبا خلال ذروة موجة الحر انخفاضا حادا في إنتاج طاقة الرياح في ألمانيا، في الوقت الذي كان فيه الطلب يرتفع بقوة، ومع تراجع الطاقة الرخيصة المتاحة من الرياح، اضطر السوق إلى الاعتماد على توليد الطاقة من الغاز والفحم الأكثر تكلفة.
ووفق المراقبين، لا تزال العديد من الحكومات الأوروبية تتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة كحدث طارئ، بينما يؤكد خبراء المناخ على ضرورة اتخاذ خطوات جادة ومبكرة لإعادة تأهيل البنى التحتية، بما يتماشى مع الواقع المناخي الجديد.
وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الطلب على الكهرباء في الاتحاد الأوروبي عاد إلى الارتفاع خلال عام 2025 بعد فترة من التراجع، وتتوقع نموا سنويا بنحو 2 في المئة حتى عام 2030، مدفوعا بالتوسع في استهلاك الكهرباء في قطاعي النقل والصناعة، وارتفاع الطلب على التبريد.
ولا تعني هذه التوقعات مؤشرات نحو أزمة كهرباء، لكنها تعكس واقعا جديدا أصبحت فيه موجات الحر عاملا دائما في رسم سياسات الطاقة، وتكمن المفارقة في هذا المجال أن موجات الحر لا ترفع الطلب على الكهرباء فحسب، بل تجعل إنتاجها ونقلها أكثر صعوبة، حيث تعتمد المحطات الحرارية والنووية على المياه لتبريد معداتها، وعندما ترتفع حرارة الأنهار أو تنخفض مستوياتها، تضطر بعض المحطات إلى خفض إنتاجها، كما تؤثر الحرارة العالية على أداء المحولات وخطوط النقل الكهربائي، مما يزيد من مخاطر الإجهاد والأعطال.
وفي خضم هذه التحديات، تبرز الطاقة المتجددة كإحدى أبرز نقاط القوة لدى أوروبا، ففي الأيام المشمسة التي يبلغ فيها الطلب على التبريد ذروته، تعمل محطات الطاقة الشمسية بكفاءة عالية، وتوفر كميات إضافية من الكهرباء تماما حين تكون الشبكات في أمس الحاجة إليها. وقد ساهم التوسع الكبير في الطاقة الشمسية خلال السنوات الأخيرة في تخفيف جزء مهم من الضغط على أنظمة الكهرباء في عدة دول، غير أن الطلب على الكهرباء لا ينخفض مع غروب الشمس، بل يظل مرتفعا خلال ساعات المساء، في حين يتراجع إنتاج الطاقة الشمسية بشكل حاد، وفي الوقت نفسه، قد تترافق موجات الحر مع ضعف في الرياح، مما يحد من إنتاج مزارع توربينات الرياح، لذلك لم يعد النقاش يدور حول زيادة الإنتاج فحسب، بل حول كيفية تخزين الطاقة ونقلها وإدارة الطلب بكفاءة.
ويؤكد الخبراء أنه كلما ارتفعت حصة الطاقة المتجددة، ازدادت الحاجة إلى شبكات أذكى، وأنظمة تخزين متقدمة، وآليات فعالة لإدارة الطلب خلال ساعات الذروة، وحين تنقطع الكهرباء، يتجه الانتباه عادة إلى محطات الإنتاج، لكن الخبراء يشيرون إلى أن مستقبل منظومة الطاقة الأوروبية يعتمد بالقدر نفسه على تطوير الشبكات الكهربائية التي تنقل الطاقة من محطات التوليد إلى المستهلكين.
وتقدر المفوضية الأوروبية أن القارة تحتاج إلى استثمارات تصل إلى أكثر من ستمائة وستين مليار يورو في شبكات الكهرباء خلال العقد الحالي، لتوسيعها وتحديثها ورقمنتها، كما يتعين على أوروبا مضاعفة استثماراتها السنوية في شبكات التوزيع، لترتفع من نحو 35 مليار دولار إلى نحو 73 مليار دولار سنويا بين عامي 2025 و2050، إذا أرادت مواكبة الطلب المتزايد وربط مصادر الطاقة النظيفة وتعزيز قدرة الشبكات على مواجهة الضغوط المناخية.
ويرى الخبراء أن التحدي الحقيقي ليس في اجتياز صيف هذا العام، بل في القدرة على مواجهة صيف أكثر حرارة بعد خمس أو عشر سنوات، لذلك فإن أوروبا تجد نفسها اليوم أمام مرحلة جديدة من التحول الطاقوي، فبعد تركيزها على تنويع المصادر وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، أصبحت مطالبة ببناء شبكات أكثر مرونة، ومدن أكثر قدرة على التكيف، ومبان أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وسياسات تضمن أن لا يتحول التبريد إلى رفاهية تقتصر على القادرين فقط.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو