حماية الأراضي الرعوية.. ضرورة للحفاظ على الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي ومواجهة تغيرات المناخ
الدوحة في 16 يونيو /قنا/ يصادف السابع عشر من يونيو من كل عام اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، وهو مناسبة أممية تهدف إلى تسليط الضوء على التحديات المتزايدة المرتبطة بتدهور الأراضي وشح المياه والجفاف، والدعوة إلى تعزيز الجهود الدولية للحفاظ على النظم البيئية التي تشكل أساس الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لملايين البشر حول العالم.
ولم يعد الاهتمام بالأنظمة البيئية الرعوية والحرص على تنمية وحماية الأراضي الرعوية خيارا بيئيا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية وتنموية وأمنية في ظل تزايد الطلب العالمي على الغذاء والمياه وتفاقم آثار التغير المناخي، فنجاح جهود استعادة المراعي الطبيعية يتطلب الاعتراف بالقيمة الحقيقية لهذه الأراضي وإدماجها في الخطط الوطنية للتنمية والعمل المناخي وإدارة الموارد الطبيعية.
ويمثل الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف هذا العام تحت شعار "الأراضي الرعوية.. الاعتراف بقيمتها واستعادتها والمحافظة عليها"، رسالة أممية تؤكد أن هذه النظم البيئية الشاسعة لم تعد مجرد أراض للرعي والإنتاج الحيواني، بل تشكل أحد أهم الأصول الطبيعية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي العالمي على سطح الأرض وأحد أهم الموارد الطبيعية الداعمة للتنمية المستدامة والتوازن البيئي والقدرة على مواجهة التغير المناخي.
وبحسب الأمم المتحدة، تستضيف كينيا هذا العام الاحتفال العالمي باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، بالشراكة مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، ويسلط هذا الحدث الضوء على الدور المحوري للمراعي الطبيعية على المستوى العالمي في تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي، والحفاظ على التنوع البيولوجي، ودعم الهوية الثقافية للمجتمعات الرعوية والسكان الأصليين، وتعكس ريادة كينيا جهودها المتواصلة لمعالجة تدهور الأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، ودعم المجتمعات التي تعيش في المناطق الجافة والمراعي. وتغطي المراعي نحو 80 في المئة من مساحة الأراضي الكينية، حيث تعين ملايين الناس على كسب عيشهم، ولا سيما بالرعي وتربية الماشية، وهذه هي المرة الأولى منذ نحو عقد تستضيف فيها القارة الأفريقية الفعالية العالمية.
وقالت ياسمين فؤاد الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، إن المبادرة الكينية تأتي في وقت حاسم، حيث تواجه المراعي ضغوطا متزايدة في جميع أنحاء العالم، مشيرة إلى أن هذه المناطق حيوية للغذاء والماء والتنوع البيولوجي والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، وأنه من خلال تقدير قيمتها واحترام القائمين عليها التقليديين واستعادة المراعي إلى حالتها الصحية، يمكن تحسين سبل عيش ملياري شخص.
ويتسق التركيز العالمي على المراعي الطبيعية مع إعلان الأمم المتحدة عام 2026 السنة الدولية للمراعي والرعاة، في خطوة تهدف إلى رفع الوعي بأهمية هذه النظم البيئية وتعزيز السياسات والاستثمارات الداعمة لها. وتستعد الدول الأعضاء لمناقشة قضايا استعادة الأراضي والمراعي وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف خلال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر المقرر عقدها في منغوليا في أغسطس المقبل تحت شعار "استعادة الأرض.. استعادة الأمل".
ووفقا لبيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، فإن المراعي الطبيعية تغطي أكثر من نصف مساحة اليابسة على كوكب الأرض، وتوفر مقومات العيش لنحو ملياري إنسان حول العالم، فيما يعتمد أكثر من 500 مليون شخص بصورة مباشرة على الرعي والأنشطة المرتبطة به كمصدر رئيسي للدخل والغذاء، وتؤمن ما يقارب 70 في المئة من الأعلاف المستخدمة لتغذية الثروة الحيوانية عالميا، الأمر الذي يجعلها ركنا أساسيا في منظومة الأمن الغذائي والإنتاج الحيواني وسلاسل الإمداد الزراعي، وتشمل هذه المراعي مساحات شاسعة من الأراضي العشبية والسافانا والشجيرات والأراضي الجافة وشبه الجافة، وتؤدي أدوارا حيوية في الحفاظ على التنوع البيولوجي وتنظيم الدورة المائية وتخزين الكربون وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع التغير المناخي وموجات الجفاف المتكررة.
وتمثل المراعي الطبيعية ثروة اقتصادية وبيئية هائلة، إذ أنها المصدر الرئيس لمعيشة مئات الملايين من الرعاة ومربي الماشية حول العالم، كما تساهم في إنتاج اللحوم والألبان والصوف والجلود وغيرها من المنتجات التي تدخل في العديد من الأنشطة الاقتصادية.
وتشير تقارير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى أن المراعي لا تقتصر أهميتها على الإنتاج الحيواني فحسب، بل تؤدي دورا محوريا في حماية التربة والحد من الانجراف وتحسين خصوبة الأراضي والحفاظ على الموارد المائية، فضلا عن دورها في امتصاص الكربون والمساهمة في التخفيف من آثار التغير المناخي.
وفي ذات السياق، فإن المراعي الطبيعية تعد موطنا لعدد كبير من الأنواع النباتية والحيوانية البرية، ما يجعلها من الركائز الأساسية للحفاظ على التنوع الحيوي العالمي، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تواجه ضغوطا بيئية متزايدة.
وعلى الرغم من أهميتها الاستراتيجية، تواجه المراعي الطبيعية تحديات متزايدة نتيجة التغيرات المناخية وتدهور الأراضي والاستغلال غير المستدام للموارد الطبيعية والتوسع العمراني والزراعي، فضلا عن تكرار موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
وتحذر الأمم المتحدة من أن ما يصل إلى نصف المراعي الطبيعية في العالم بات متدهورا أو معرضا لخطر التدهور، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والمائي ويؤثر سلبا على سبل العيش في العديد من المجتمعات الريفية، كما أن هذه التحديات تؤدي إلى تراجع إنتاجية الأراضي، وفقدان الغطاء النباتي، وزيادة مخاطر التصحر والعواصف الترابية، إلى جانب انخفاض قدرة النظم البيئية على مواجهة آثار التغير المناخي.
وتؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أن استعادة المراعي الطبيعية ليست مجرد ضرورة بيئية، بل تمثل فرصة استثمارية واعدة تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية كبيرة.
وفي هذا الإطار، أطلقت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر مبادرة عالمية لتعزيز الاستثمارات في المراعي الطبيعية، تستهدف حشد التمويل العام والخاص لدعم مشروعات استعادة الأراضي المتدهورة وتحسين إدارة المياه وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع الجفاف والتغيرات المناخية.
وتشدد الأمم المتحدة على أهمية الاعتراف بالدور التاريخي للرعاة والمجتمعات المحلية والشعوب الأصلية في إدارة المراعي الطبيعية والحفاظ عليها عبر أجيال متعاقبة، مشيرة إلى أن المعارف التقليدية وأساليب الرعي المستدام والتنقل الموسمي للقطعان أسهمت لعقود طويلة في الحفاظ على توازن هذه النظم البيئية واستدامتها، ما يجعل إشراك المجتمعات المحلية في سياسات إدارة الأراضي واستعادتها شرطا أساسيا لنجاح الجهود الرامية إلى مكافحة التصحر والجفاف.
وتتجدد في اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، الدعوات الدولية إلى النظر للمراعي الطبيعية بوصفها أصولا استراتيجية لا تقل أهمية عن الموارد المائية أو الغابات، لما توفره من خدمات بيئية واقتصادية واجتماعية حيوية، إذ أن استعادة هذه المراعي والمحافظة عليها وتعزيز الاستثمار فيها يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الأمن الغذائي وحماية التنوع البيولوجي وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الجفاف والتغير المناخي، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو