الحرارة القياسية والظواهر المتطرفة.. ملامح المرحلة المناخية الجديدة
الدوحة في 01 يونيو /قنا/ بات من الواضح والمؤكد أن العالم يواصل الدخول في مرحلة مناخية جديدة شديدة الاحترار، تعد الأكثر تحديا في تاريخ البشرية الحديث، فقد شهد متوسط درجات الحرارة العالمية في السنوات الأخيرة ارتفاعا غير مسبوق، مقارنة بالفترة ما قبل الثورة الصناعية، ليصبح الاحترار العالمي واقعا ملموسا يؤثر على كل القارات والمجتمعات دون استثناء.
ووفقا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، يدخل كوكب الأرض مرحلة مناخية تتسم باستمرار تسجيل درجات حرارة قياسية، واقتراب شبه دائم من عتبة الـ1.5 درجة مئوية التي حددتها اتفاقية باريس للمناخ، إلى جانب ارتفاع واضح في شدة وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة مثل موجات الحر الشديدة، والفيضانات، والجفاف، والعواصف العنيفة. ولم تعد هذه التغيرات مجرد توقعات علمية، بل أصبحت واقعا يعيشه ملايين البشر حاليا، ويهدد الاستقرار البيئي والاقتصادي والاجتماعي على المستوى العالمي.
وتؤكد المنظمة في أحدث تقاريرها المناخية أن السنوات الخمس المقبلة ستكون حاسمة ومصيرية في تحديد مسار المناخ العالمي خلال العقود المقبلة، فإما أن تتمكن الأسرة الدولية خلالها من كبح جماح الانبعاثات وتعزيز التكيف مع التغير المناخي، أو تجد نفسها في مواجهة عواقب أكثر خطورة وتكلفة بكثير على الأجيال الحالية والمستقبلية. وحذرت من أن العالم بات قريبا جدا من تسجيل عام هو الأكثر حرارة على الإطلاق قبل نهاية العقد الحالي، في ظل تسارع تداعيات أزمة التغير المناخي وارتفاع الانبعاثات الناتجة عن الوقود الأحفوري.
كما حذرت المنظمة من أن عام 2027 سيحطم الأرقام القياسية فيما يخص درجات الحرارة، ليكون الأعلى حرارة على الإطلاق بالتاريخ، وأشارت إلى استمرار موجة الاحترار العالمي خلال السنوات المقبلة، متوقعة أن تبقى درجات الحرارة العالمية عند مستويات قياسية أو قريبة من الأرقام التاريخية بين عامي 2026 و2030.
ومن المتوقع أن يكون الاحترار العالمي غير متساو جغرافيا، حيث ستشهد المناطق القطبية، خاصة القطب الشمالي، ارتفاعا أكبر من المتوسط العالمي وستسخن اليابسة بشكل أسرع من المحيطات، بينما ستشهد بعض المناطق زيادة في الأمطار، وتعاني مناطق أخرى من انخفاض حاد في الهطول، ومن المتوقع أن يزداد هطول الأمطار في شمال أوروبا وألاسكا وسيبيريا خلال السنوات الخمس المقبلة، في حين أن منطقة الأمازون، التي يشار إليها عادة باسم "رئة الأرض"، قد تصبح أكثر جفافا.
ويحدث التقرير البيانات المناخية السنوية ويتناول أيضا المناخ المرصود خلال السنوات الخمس الماضية، ويقدم تنبؤات إقليمية لدرجات الحرارة والهطول على مدى السنوات الخمس المقبلة. ويتوقع التقرير أن يتراوح متوسط درجات الحرارة السنوية العالمية بالقرب من السطح خلال الفترة 2026 - 2030 بين 1.3 و1.9 درجة مئوية فوق متوسط الفترة 1850 - 1900، ويرجح التقرير (بنسبة 86 في المائة) أن يتخطى أحد الأعوام بين 2026 و2030 الرقم القياسي للعام الأحر على الإطلاق، والذي يحمله حاليا عام 2024.
وفي تذكير قاس بالمخاطر التي تشكلها أزمة المناخ، تزامن تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، مع موجة حر قياسية ضربت مناطق واسعة من أوروبا وتتسبب في وفيات ودفعت عدة دول أوروبية لفرض قيود وإجراءات احترازية مثل تقييد العمل في الأماكن المكشوفة خلال ساعات الذروة الحرارية.
وجاءت التحذيرات المناخية، في حين يعاني العالم من أزمة غذاء عالمية شديدة الوطأة، حيث تظهر التوقعات أن نحو 670 مليون شخص سيظلون يواجهون الجوع حتى عام 2030. ولا تزال الصدمات الناجمة عن تغير المناخ، وأزمة المياه العالمية، وفقدان التنوع البيولوجي، وغيرها من التحديات تؤدي إلى ضعف الأمن الغذائي، وتدفع المزيد من الناس إلى الجوع.
وتفاقم درجات الحرارة الشديدة من حدة المخاطر؛ إذ تزيد الجفاف وحرائق الغابات وانتشار الآفات، وتؤدي إلى انخفاض حاد في غلة المحاصيل بمجرد تجاوز عتبات درجة الحرارة الحرجة، وقد حذرت الأمم المتحدة في أبريل الماضي من أن موجات الحر الشديدة تدفع النظم الغذائية الزراعية العالمية إلى حافة الانهيار، مما يهدد سبل عيش وصحة أكثر من مليار شخص.
وقالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن موجات الحر الشديدة أصبحت أكثر تواترا وشدة وطولا، مما يلحق الضرر بالمحاصيل والماشية ومصائد الأسماك والغابات، مضيفة أن الحرارة الشديدة لا تعيد فقط رسم خريطة ما يمكن للمزارعين والصيادين وعمال الغابات زراعته ومواعيد زراعته، بل إنها تحدد في بعض الحالات ما إذا كان بإمكانهم الاستمرار في العمل من الأساس، الأمر الذي يضع الأمن الغذائي العالمي أمام مستقبل غامض للغاية.
وكانت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية قد حذرت في مارس الماضي من أن وصول تركيزات غازات الاحتباس الحراري إلى مستويات قياسية لا يزال يدفع درجات حرارة الأرض والبحار نحو مستويات غير مسبوقة، وقالت إن هذا الارتفاع المستمر ينذر بعواقب وخيمة طويلة الأمد تهدد البشرية، منبهة إلى أن مناخ الكوكب بات أكثر اختلالا من أي وقت مضى في التاريخ المسجل"، وأكدت أن العام الماضي شهد ارتفاعا في درجات الحرارة بنحو 1.43 درجة مئوية فوق المعدل المرجعي للفترة من 1850 إلى 1900، بالإضافة إلى تحطيم رقم قياسي في حرارة المحيطات.
وقالت إنه مع استمرار انحسار الأنهار الجليدية وذوبان الجليد، فإن "ارتفاع درجة حرارة المحيطات وذوبان الجليد الأرضي يسهمان في الارتفاع طويل الأمد لمتوسط مستوى سطح البحر العالمي، واعتبرت هذه النتائج حافزا لبذل مزيد من الجهد لتوفير التنبؤات المنقذة للحياة والإنذارات المبكرة لمن يستطيعون حماية الأرواح وسبل العيش، كي يتمكنوا من التخفيف من الآثار المدمرة للاضطرابات المناخية المستمرة على الفئات الأكثر ضعفا.
وتصدر المنظمة تحديثات سنوية عن المناخ منذ أكثر من 30 عاما، وقد أصبحت الأرقام القياسية المسجلة في العقد الماضي مصدر قلق متزايد، وبموجب اتفاقية باريس، التي دخلت حيز التنفيذ في نوفمبر 2016، وافقت حوالي 200 دولة على الحد من الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وقد حذر العلماء والبيئيون مرارا وتكرارا من أن تحقيق الهدف المنشود، وهو تجنب أسوأ آثار تغير المناخ، بات أمرا مستبعدا على نحو متزايد.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو