الخط البرتقالي.. جدار عازل جديد ترسمه نيران المسيّرات والصواريخ الإسرائيلية في قطاع غزة
الدوحة في 04 مايو /قنا/ إمعانا في سياسة العدوان واستخفافا بكل الاتفاقات بما فيها اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار بغزة، المبرم في أكتوبر الماضي، أضافت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعدا توسعيا لعدوانها المتواصل على قطاع غزة وسكانه المحاصرين فيه منذ أكثر من تسعة عشر عاما، حيث أنشأت خطا جديدا أسمته الخط البرتقالي، يزحف تدريجيا نحو الغرب، ليحول ما تبقى من مساحات "آمنة" في غزة إلى مناطق قتل محققة، ويضع أحد عشر بالمائة من أراضي القطاع الواقعة خارج "الخط الأصفر" تحت النيران الإسرائيلية.
ويقتطع الخط الأصفر 54% من مساحة القطاع شرقا، وهو ما يعني بالمجمل تطويق أكثر من ثلثي مساحة غزة بشكل يعكس اتساعا غير مسبوق في نطاق السيطرة الفعلية لإسرائيل على أراضي القطاع.
وتبرر إسرائيل هذه الخطوة بزعمها أن المنطقة الواقعة بين الخطين البرتقالي والأصفر تمثل "منطقة تنسيق" تهدف إلى تسهيل إيصال المساعدات، غير أن هذه الرواية لا تقنع الفلسطينيين ولا تبدد مخاوفهم على أرض الواقع، إذ وجد النازحون أنفسهم فجأة ضمن المنطقة الموسعة، والتي قد تشكل تهديدا مباشرا على حياتهم، فقد يصنفهم الاحتلال كأهداف محتملة في أي لحظة ويطلق النار عليهم، وسط قلق متزايد من أن تتحول هذه المنطقة إلى أمر واقع دائم.
ويؤكد المراقبون أن الخط البرتقالي ليس حدودا مؤقتة، بل هو جدار عازل جديد، لكنه هذه المرة مصنوع من الركام والنار، وقالوا إن سكان القطاع يستدلون عليه بفعل الرصاص والقذائف التي تستهدف الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من الخط الأصفر لدفعهم نحو الغرب، وأحيانا بفعل الدبابات الإسرائيلية التي تتقدم نحو هذا الخط، بينما يتم دفع النازحين والسكان للفرار تحت نيران المسيرات والصواريخ.
ويؤكد المراقبون أن الوقائع تظهر أن الخط البرتقالي يعمل كأداة لإعادة توزيع السكان قسرا، عبر حشرهم في نطاقات ساحلية ضيقة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، وهو ما يقوض أي إمكانية لقابلية الحياة بالنسبة للفلسطينيين، ويضع مليوني إنسان هناك أمام خيارات قسرية، في مقدمتها التهجير.
وفي هذا السياق، قال الدكتور إسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في حديث لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن المعطيات الميدانية المتوفرة تشير إلى أن ما يسمى بـ"الخط البرتقالي" يمثل مرحلة متقدمة من إجراءات التقييد العسكري للاحتلال الإسرائيلي للأراضي داخل قطاع غزة، حيث يمتد في عمق أكبر، مقارنة بما كان يعرف بـ"الخط الأصفر"، ويشمل مناطق إضافية كانت تصنف سابقا ضمن النطاقات المأهولة أو القابلة للوصول المحدود.
وأضاف أن هذا الخط يختلف من حيث المساحة؛ إذ يتضمن توسعا ملحوظا في نطاق المناطق المقيدة، بما يقلص المساحات المتاحة للسكان، كما يختلف من حيث الموقع الجغرافي، حيث يمتد إلى مناطق داخلية في الأحياء السكنية، خاصة في شمال ووسط القطاع، وليس فقط على الأطراف الحدودية كما كان الحال سابقا، فضلا عن طبيعة القيود التي يفرضها، وتشمل تشديدا أكبر في إجراءات المنع والحركة، وتحويل مساحات واسعة إلى مناطق خطرة ومحظورة عمليا، وممنوع الوصول إليها.
وحول تأثيرات ما يسمى الخط البرتقالي على المساحة المتاحة للسكان، أوضح الدكتور الثوابتة أن هذا الترسيم الجديد أدى إلى تقليص حاد في المساحات القابلة للاستخدام المدني، خصوصا في ظل الكثافة السكانية العالية، مضيفا أن التقديرات لدى الجهات الحكومية المختصة في غزة، تشير إلى أن نسبة كبيرة من أراضي القطاع أصبحت إما محظورة أو مقيدة بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يزيد الضغط على المناطق المحدودة المتبقية، مؤكدا أن هذا الواقع يفاقم أزمة الاكتظاظ، خاصة في مراكز الإيواء ومناطق النزوح.
وأوضح مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في حديثه أن التداعيات الإنسانية لهذا الخط على حركة السكان تشمل إعاقة حركة المواطنين بين مناطق الشمال والوسط، وفرض قيود واقعية على التنقل الآمن، وكذلك تسجيل حالات نزوح إضافية قسرية نتيجة توسّع المناطق الخطرة، إضافة إلى منع عودة مئات آلاف النازحين إلى مناطقهم الأصلية، رغم محاولاتهم المتكررة، وكذلك زيادة تعقيد عمليات الإغاثة والوصول الإنساني.
وقال إن الترسيم الجديد أدى إلى منع أو إبطاء شديد في وصول الطواقم الطبية والإسعاف إلى المناطق المتضررة، وتعريض حياة المرضى والجرحى لمخاطر أكبر نتيجة التأخير أو صعوبة الوصول، وكذلك خروج أو تعطّل عدد من النقاط الطبية القريبة من تلك المناطق بسبب الاستهداف أو القيود الأمنية الإسرائيلية، وتقويض فعالية منظومة الاستجابة الطارئة بشكل عام.
وحول الانعكاسات الاقتصادية والزراعية والصحية لما يسمى الخط البرتقالي، أشار إلى أن أبرزها يتمثل في حرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، مما يهدد منظومة الأمن الغذائي في غزة، إضافة إلى تعطّل أو تدمير منشآت حيوية، بما فيها مصادر المياه والبنية التحتية، وزيادة معدلات البطالة والفقر نتيجة تعطّل الأنشطة الاقتصادية، وكذلك الضغط الإضافي على القطاع الصحي، مع صعوبة وصول المرضى إلى المستشفيات والخدمات العلاجية.
وشدد على أهمية المطالبة العاجلة بتدخل دولي فاعل لوقف هذه الإجراءات التي تمس حياة المدنيين، من قبل مجلس الأمن والوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار، وكذلك التواصل المستمر مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختلفة لعرض التداعيات الإنسانية الخطيرة، والدعوة أيضا إلى فتح ممرات إنسانية آمنة، وضمان حرية الحركة للمدنيين والطواقم الطبية، وإدخال المساعدات دون قيود، وكذلك العمل على حشد موقف دولي ضاغط لإنهاء هذه السياسات التي تخالف قواعد القانون الدولي الإنساني.
ومن جهة ثانية، قال الأستاذ وسام عفيفة الكاتب والباحث في الشأن السياسي بغزة، في تصريح مماثل لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إنه وبحسب بيانات مصادر متعددة وشهادات ميدانية أدّى إنشاء الكيان الإسرائيلي ما بات يُعرف بـ/الخط البرتقالي/ في قطاع غزة إلى إعادة هندسة المجال الجغرافي المتاح للسكان، ليس بوصفه خطًا عسكريًا فقط، بل كأداة ضغط عمراني وإنساني.
وأضاف أنه بحسب خرائط إسرائيلية أُرسلت إلى منظمات الإغاثة، يمتد هذا الخط خارج "الخط الأصفر" المتفق عليه سابقًا، ويضيف نحو 11% من مساحة قطاع غزة إلى نطاق الحظر أو التقييد، بما يعني أن المساحة الواقعة تحت السيطرة أو القيود العسكرية الإسرائيلية باتت تقترب من نحو ثلثي القطاع، وهذا يترك للسكان والنازحين هامشًا جغرافيًا شديد الضيق، يقدَّر عملياً بأقل من 40%.
وأكد أن خطورة هذا الخط تكمن في طبيعة الأرض التي يجري اقتطاعها أو تحويلها إلى منطقة خطرة، والتي تضم مناطق سكنية مهدمة، وأطراف مخيمات، وأراضي زراعية، وطرق حركة، ومواقع قريبة من منشآت خدمية، مما يضغط الكثافة السكانية داخل شريط ساحلي محدود ومكتظ أصلًا، ويجعل الخيمة أو مركز الإيواء هو "الحد النهائي" لحركة آلاف العائلات التي تريد العودة إلى بيوتها أو حتى إلى أنقاضها، كما يحرم هذا الخط السكان من الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خصوصًا في الأطراف الشرقية والشمالية والوسطى، وهي مناطق كانت تمثل جزءاً مهماً مما تبقى من سلة الغذاء المحلي، التي قضى عليها أصلا عامان من الحرب الإسرائيلية، وطالت معظم الأراضي الزراعية والمنشآت في تلك المناطق.
وأكد في ختام حديثة لـ"قنا" على أن الخط البرتقالي ليس مجرد ترسيم أمني، بل آلية لإنتاج حصار داخلي جديد، يضيّق الأرض، ويمنع العودة، ويربك الإغاثة، ويحوّل الجغرافيا إلى أداة استنزاف يومي للسكان.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو