موسم الأضاحي ودورها في تحقيق المفهوم التكافلي للمجتمع
الدوحة في 24 مايو /قنا/ يشكل موسم الأضاحي مناسبة بارزة لتعزيز روح التضامن الإنساني؛ إذ تتجلى فيه قيم البذل والتكافل عبر مبادرات تسهم في دعم المحتاجين والتخفيف من أعبائهم المعيشية. وتبرز أهميته في تعزيز الأمن الغذائي وتوفير العون المادي للفئات الهشة، سواء في الظروف المستقرة أو في البيئات المتأثرة بالنزاعات والأزمات. ويسهم توزيع لحوم الأضاحي في سد الاحتياجات الغذائية الأساسية للأسر المتعففة، كما يوفر متنفسا للفئات الأشد احتياجا، وفي مقدمتها اللاجئون والنازحون، الذين تواجههم صعوبات اقتصادية تحول دون قدرتهم على شراء اللحوم.
والأضحية هي ما يذبح من بهيمة الأنعام في يوم النحر (أول أيام عيد الأضحى) وأيام التشريق تقربا إلى الله تعالى، وهي عبادة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. وقال الله تعالى: "فصل لربك وانحر"، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر، ويرى جمهور العلماء أن الأضحية سُنَّة مؤكدة في حق القادرين.
وتبرز حكمة الشرع في الحث على تقسيم الأضحية إلى ثلاثة أجزاء (ثلث لأهل البيت، وثلث للأقارب والجيران، وثلث للفقراء) -رغم أنها ليست واجبة التقسيم بهذا الشكل- في أنها تعزز أواصر المحبة، وتزيل الفوارق الطبقية، وتحقق التلاحم المجتمعي والامتداد الجغرافي للعمل الإنساني، بل إن دائرة التكافل تتعدى النطاق المحلي إلى المستويين الإقليمي والعالمي؛ إذ تنشط المؤسسات الخيرية في تنفيذ حملات الإغاثة الدولية، مستهدفة ملايين المستفيدين في مناطق الأزمات والكوارث.
ومن هنا، تأتي أهمية تفعيل الشراكات المؤسسية والمجتمعية التي تتيح للأفراد والشركات والمنظمات الرسمية والخاصة تنسيق الجهود وتخفيف الأعباء والتعاون معا في إدارة حملات منظمة، تضمن وصول التبرعات ومنها الأضاحي لمستحقيها بكرامة ووفق معايير دقيقة، بما يعود بالنفع على فئات أكثر وتوزيع أمثل للأضاحي وهو ما يرفع قيمة المجتمعات وينمي أفرادها.
وحول هذا المفهوم، يقول الدكتور عبدالحميد الشيش رئيس قسم القرآن والسنة في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر في حديثه لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن الأضحية لا تقف عند حدود (الشعيرة التعبدية الفردية)، بل تمتد آثارها لتؤسس منظومة اجتماعية واقتصادية وأخلاقية متكاملة، قال تعالى: "فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ"، وبالتالي تُشعر أفراد المجتمع بوحدة الانتماء، وترسخ معاني التعاون والتراحم بين طبقاته المختلفة، وتمتزج فيها العبادة بالإحسان، والتقرب إلى الله بخدمة الإنسان، فتتحقق مقاصد الشريعة في حفظ المجتمع وتقوية روابطه؛ لذا فالمتأمل في مجموع نصوص الشريعة الإسلامية سيستحضر مقاصد الشريعة الإسلامية في هذه العبادة.
وأضاف الدكتور الشيش لـ"قنا" أن أثر هذه العبادة لا يقف عند حدودها الزمانية، رغم أنها محددة في أربعة أيام من العام (يوم العيد وأيام التشريق)، حيث إنها وسيلة عملية لتحقيق التراحم الاجتماعي وإشاعة روح البذل في الأمة، وهذا لا ينحصر بزمان، ولا بشكل من أشكال البذل والعطاء، مشيرا إلى أن أهم مظاهر هذه العبادة التشاركية الاجتماعية التي تخفف مشاعر الحرمان، وتُشعر الجميع بالمشاركة في فرحة العيد ومظاهره، وهو ما يعمق أواصر المحبة والتواصل.
من جانبه، قال الدكتور عادل الحرازي أستاذ الحديث بكلية الشريعة جامعة قطر لـ"قنا" إن موسم الأضاحي يأتي ليجدد في الأمة معاني الإيمان، ويوقظ فيها روح البذل والرحمة والتراحم، فالأضحية ليست مجرد شعيرة فردية، بل هي عبادة ذات أثر اجتماعي واضح، ومظهر عملي من مظاهر التكافل الذي يقيم المجتمع المسلم على أساس المحبة والتعاون، ويجعل الفرح بالعيد فرحا مشتركا لا يُحرم منه المحتاج ولا المنكسر.
وأضاف الدكتور الحرازي أن الأضحية عبادة مقصدها التقوى مع نفع الناس، فالهدف من الذبح هو التقوى، لا مجرد اللحم والدم، ومع ذلك جعل الله من ثمراتها الإطعام والإحسان، إذ قال الله تعالى: "لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ"، وقال سبحانه: "فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ"، فهنا يظهر البعد التكافلي: وهو الأكل (لإظهار النعمة) والإطعام (سد حاجة الفقراء).
ولفت الدكتور الحرازي إلى أن البعد التاريخي للأضحية يعود إلى سُنة سيدنا إبراهيم عليه السلام ومدرسة الإيثار، فهي تذكير بسنة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، حين قُدِّمت طاعة الله على أعز ما يملك الإنسان. وهذا المعنى ينقل الفرد من أنانية الامتلاك إلى سخاء العطاء؛ فيتعلم المؤمن أن من حقيقة العبودية تقديم أمر الله، والتخفيف من التعلق بالمادة.
وأكد الدكتور الحرازي، في ختام حديثه لـ"قنا"، أن السنة النبوية حثت على الانتفاع والإهداء والصدقة من لحوم الأضاحي؛ فتتحول الأضحية بذلك إلى مشروع خير عملي ينتفع صاحبها وأهل بيته، ويُهدي للأقارب والجيران، ويتصدق على الفقراء والمحتاجين، وهو المعنى المتجسد بتوسع موسم الأضاحي ليشمل صلة الرحم مع الأقارب وإدخال السرور وتفقد المحتاجين، فضلا عن الدعم المجتمعي بمشاريع الإطعام والتوزيع، وإحياء سنة التعاون، ناهيك عن توسيع أثره ليشمل الأمة كلها عبر وزارات الأوقاف والمؤسسات الخيرية ومشاريع الأضاحي داخل البلاد وخارجها.
تتمتع الدول العربية بثروة حيوانية جيدة من المواشي، حيث يبلغ تعداد الثروة الحيوانية فيها 200 مليون رأس من المواشي، تتصدرها السودان بـ40.9 مليون رأس من الأغنام، تليها الجزائر بـ31.2 مليون رأس، ثم المغرب بـ25.3 مليون رأس.
وتتبع وزارة الحج في السعودية مشروعا خاصا للإفادة من الهدي والأضاحي، حيث تلعب دورا محوريا في تنظيم هذا القطاع من خلال التعامل مع آلاف الرؤوس من المواشي خلال أيام معدودة بنظام رقمي محكم، ويتم توزيع اللحوم على المحتاجين داخل المملكة وخارجها من خلال شراكات مع منظمات إنسانية وخيرية.
وفي دولة قطر، يُنفَّذ مشروع الأضاحي سنويا لتوفير لحومها للأسر ذات الدخل المحدود والعمال في قطر، فضلا عن فتح الباب لمن يريد إرسال الأضحية في العالم الإسلامي، ويتيح المشروع للمتبرعين اختيار أنواع الأنعام (الغنم، والبقر، والإبل) وفقا لقدراتهم المالية ورغباتهم، مع ضمان الجودة والالتزام بالضوابط الشرعية، وهذا ما يحقق قدرا مطلوبا للنفع المتعدي للغير.
ويتم تنفيذ مشروع الأضاحي سنويا، حيث توفر الأضاحي للمحتاجين في قطر والعديد من دول العالم، وذلك بهدف إحياء سنة الأضحية، وإدخال الفرحة على قلوب المسلمين في العيد، والتخفيف من معاناة الفقراء والمحتاجين. وتتميز أضاحي دولة قطر بالجودة، بحكم مطابقتها الشروط الشرعية، وتنوعها لتناسب مختلف الأذواق والقدرات.
وتقدّم جمعيات خيرية مثل قطر الخيرية والهلال الأحمر وغيرها الأضاحي بأسعار ميسرة تراعي المستوى المعيشي، مع إتاحة الاختيار بين حصة كاملة أو المشاركة مع ستة أشخاص (اتباعا للسنة النبوية). وتحرص الجمعية على الشفافية عبر توضيح آليات التسعير على موقعها الإلكتروني وتطبيق الهاتف، إلى جانب توفير قنوات تبرع متعددة، مثل الفروع ونقاط التحصيل في المجمعات التجارية.
وذكرت جمعية قطر الخيرية أن عدد المستفيدين من المشروع في السنوات الأخيرة بلغ أكثر من 850 ألف شخص في 38 دولة بما فيها 4 آلاف أضحية داخل قطر. وكشفت عن توزيع لحوم حوالي 45 ألفا و300 أضحية من الضأن والبقر خلال عام 2025، وذلك من خلال فرقها الميدانية وشركائها المحليين، حيث ركز مشروع الأضاحي على المناطق والدول التي تعاني من الأزمات والكوارث والآثار المرتبطة بها مثل سوريا، وفلسطين ومن ضمنها قطاع غزة، والسودان، واليمن، والصومال، وغيرها.
ودشن الهلال الأحمر القطري مشروع الأضاحي للعام الجاري 2026م / 1447هـ تحت شعار "أضحيتك عيدهم"، والذي يعد مشروعا موسميا يهدف إلى التيسير على المضحين، من خلال حجز الأضحية الشرعية من الضأن والبقر والماعز تحت مظلة الهلال الأحمر القطري.
وأوضح الهلال الأحمر أن المشروع يتولى بدوره إيصال لحوم الأضاحي المتبرع بقيمتها إلى المستحقين داخل قطر وخارجها وفقا للتدابير الصحية والإنسانية الواجبة، مضيفا أن هذا المشروع يندرج ضمن حملة "رصيد الخير خله دايم"، التي أطلقها الهلال الأحمر القطري في شهر رمضان الماضي، حيث يستهدف المشروع توزيع لحوم الأضاحي المذبوحة والمعلبة في صورة مساعدات غذائية لفائدة أكثر من 250 ألف إنسان في 17 بلدا حول العالم.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو