الاضطرابات الإقليمية تضغط على أسواق الأضاحي في الأردن
عمان في 24 مايو /قنا/ مع استمرار الاضطرابات الإقليمية وتذبذب أسواق السلع الأساسية عالميا، تواجه سوق الأضاحي في الأردن هذا العام ضغوطا متزايدة انعكست بشكل مباشر على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأدى ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والأعلاف والتراجع النسبي في حجم الاستيراد، إلى رفع أسعار الأضاحي في الأردن، ما دفع كثيرا من المواطنين إلى حالة من الترقب والانتظار على أمل حدوث انخفاض مع اقتراب العيد.
وبحسب أرقام وزارة الزراعة الأردنية، يتوفر في السوق المحلية هذا العام نحو 500 ألف رأس من الأغنام البلدية، إضافة إلى نحو 272 ألف رأس مستورد من عدة مناشئ، في إطار خطة تهدف إلى تحقيق توازن بين العرض والطلب وتغطية احتياجات السوق خلال موسم عيد الأضحى.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن أسعار الأضاحي تتراوح بين 240 و300 دينار للأضحية الواحدة بحسب الوزن والمنشأ، وسط تسجيل ارتفاعات مقارنة بالعام الماضي، وتوقعات بزيادة قد تصل إلى 10 بالمئة نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والاستيراد، المتأثرة بشكل مباشر بالظروف الإقليمية والتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد زعل الكواليت رئيس جمعية مربي المواشي في الأردن، في حديث لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن أسعار الأضاحي شهدت هذا العام ارتفاعا ملحوظا مقارنة بالمواسم السابقة، مبينا أن الخروف الروماني ما يزال الأكثر تأثرا باعتباره الأكثر طلبا في السوق الأردني والأكثر اعتمادا في الاستيراد.
وأوضح أن الزيادة في الأسعار تراوحت بين 50 إلى 60 دينارا للرأس الواحد مقارنة بالعام الماضي، لافتا إلى أن سعر الكيلو القائم ارتفع إلى ما بين 5.5 و6 دنانير، بحسب الوزن والحجم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين وحجم الطلب في الأسواق.
وأشار الكواليت إلى أن هذه الارتفاعات لا ترتبط بالسوق المحلية فقط، بل تعود إلى عوامل خارجية وإقليمية معقدة، أبرزها ارتفاع أسعار الأغنام في بلد المنشأ، خاصة رومانيا التي يعتمد عليها الأردن بشكل كبير في استيراد الأغنام.
وأضاف أن الطلب الخارجي المتزايد على الأغنام المستوردة ساهم في رفع الأسعار في الأسواق العالمية، ما انعكس بدوره على السوق الأردنية التي تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجاتها، في ظل محدودية الإنتاج المحلي مقارنة بحجم الطلب.
وبين أن الظروف الإقليمية، بما في ذلك التوترات في عدد من الدول المصدرة للمواشي، أدت إلى تقليص المعروض في المنطقة، ما زاد الضغط على المناشئ البديلة ورفع كلفة التوريد بشكل عام.
كما أشار إلى أن تكاليف الشحن والنقل شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الوقود، الأمر الذي زاد من الكلفة النهائية على المستوردين والتجار.
ولفت إلى أن حجم الاستيراد هذا الموسم انخفض مقارنة بالسنوات السابقة، إذ كان الأردن يستورد في بعض المواسم ما يقارب مليون رأس من الأغنام، بينما لا تتجاوز الكميات الحالية نحو 272 ألف رأس فقط، ما يعكس حالة من الحذر في عمليات الاستيراد وتذبذب الطلب.
وفيما يتعلق "بالخروف البلدي"، أوضح الكواليت أن أسعاره ارتفعت أيضا نتيجة ارتباطه المباشر بسعر الخروف المستورد ومعادلة العرض والطلب، مبينا أن البلدي عادة ما يتبع تحركات الأسعار في السوق بشكل غير مباشر.
وأكد أن المؤشرات الحالية في السوق توحي بإمكانية حدوث انخفاض نسبي في الأسعار مع اقتراب عيد الأضحى، في حال استمرار ضعف الطلب مقابل توفر كميات جيدة من الأغنام في الأسواق، مشيرا إلى أن كثيرا من المواطنين يؤجلون قرار الشراء انتظارا لأي انخفاض محتمل.
وتحدث الكواليت عن تأثير ارتفاع أسعار الأعلاف، خاصة الذرة والصويا، موضحا أن هذه الزيادات جاءت نتيجة اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف النقل والشحن، رغم استمرار تثبيت أسعار بعض المواد الأساسية مثل الشعير والنخالة بدعم حكومي.
وفي السياق نفسه، قال تاجر المواشي محمود غوشة، إن السوق تشهد حالة من الترقب والحذر، حيث يفضل كثير من المواطنين تأجيل الشراء حتى الأيام الأخيرة من الموسم على أمل انخفاض الأسعار.
وأضاف أن الخروف الروماني ما يزال الأكثر طلبا بسبب سعره الأقل نسبيا مقارنة بالبلدي، يليه الخروف البلدي ثم السوري، مؤكدا توفر كميات جيدة في الأسواق تغطي احتياجات الطلب المحلي.
وأشار إلى أن التجار يواجهون تحديات كبيرة هذا الموسم نتيجة ارتفاع كلف الأعلاف والنقل والوقود، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار البيع النهائية للمستهلك.
وتشير التقديرات إلى أن عمليات الذبح خلال أيام العيد قد تتراوح بين 100 إلى 150 ألف رأس يوميا في ذروة الموسم، ما يعكس حجم الحركة الاقتصادية الكبيرة المرتبطة بهذه المناسبة الدينية والاجتماعية.
ودعا غوشة المواطنين إلى ضرورة الشراء من الحظائر المرخصة وتجنب العروض غير الموثوقة المنتشرة عبر الإنترنت، والتي قد تعرضهم للغش أو شراء أضاح غير مطابقة للمواصفات.
من ناحيته، أكد الدكتور عمر الغرايبة أستاذ المالية في جامعة آل البيت الأردنية، أن أسعار الأضاحي من المؤشرات الموسمية الحساسة التي تعكس تداخل العوامل الاقتصادية المحلية والعالمية، خصوصا مع اقتراب عيد الأضحى.
وأشار الغرايبة إلى أن هذا الارتفاع يعود إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها التضخم العالمي واضطرابات سلاسل الإمداد والتوريد، إلى جانب التوترات الجيوسياسية التي رفعت أسعار الطاقة، هذا الارتفاع انعكس مباشرة على تكاليف الشحن والنقل وأسعار الأعلاف، وبالتالي على تكلفة تربية واستيراد المواشي.
وبين الغرايبة أن البيئة التضخمية العالمية، بما فيها تسجيل نحو 3.8 بالمئة في الولايات المتحدة، تلقي بظلالها على الاقتصادات الناشئة ومنها الأردن، موضحا أنه مع تراجع القوة الشرائية، تغير سلوك المستهلك، حيث يميل الأفراد في فترات عدم اليقين إلى الادخار والتخزين بدلا من الإنفاق، خاصة على السلع ذات الكلفة المرتفعة، ما يضعف الطلب الفعلي على الأضاحي.
ومن زاوية السوق المحلية، يقول إن كفاءة المنافسة ومستوى الرقابة تلعب دورا حاسما في ضبط الأسعار، إذ إن أي اختلال في توازن السوق أو ضعف في الأطر التنظيمية قد يفتح المجال أمام ممارسات تسعيرية تضخمية تتجاوز التكاليف الحقيقية، وهنا يبرز دور السياسات الحكومية، سواء من خلال تخفيف الرسوم، أو تعزيز الرقابة، أو تسهيل الاستيراد لضبط الإيقاع السعري.
ومع اقتراب عيد الأضحى، يبقى المشهد في الأسواق الأردنية مفتوحا على أكثر من سيناريو، بين احتمال تراجع الأسعار إذا استمر ضعف الطلب، أو استمرار الضغوط السعرية في حال بقاء الظروف الإقليمية وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية، لتبقى فرحة العيد مرتبطة بميزان العرض والطلب والواقع الاقتصادي العام.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو