تنامي الديون العالمية يثير المخاوف بشأن الاستقرار المالي للاقتصاد الدولي
الدوحة في 14 مايو /قنا/ يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد الدين إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات ذلك على استقرار النظام المالي العالمي، في ظل استمرار حالة من الركود النسبي وتزايد الاعتماد على الاقتراض في تمويل الأنشطة الاقتصادية والحكومية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
وقد أظهرت بيانات معهد التمويل الدولي، في أحدث تقرير له، أن إجمالي الدين العالمي بلغ نحو 353 تريليون دولار بنهاية مارس الماضي، مسجلا ارتفاعا بأكثر من 4.4 تريليون دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، في أسرع وتيرة نمو منذ منتصف عام 2025، ومواصلا بذلك الارتفاع الفصلي الخامس على التوالي، مدفوعا بزيادة احتياجات التمويل لدى الحكومات والشركات الكبرى حول العالم.
وأشار التقرير إلى أن الأسواق الناضجة، باستثناء الولايات المتحدة، سجلت تراجعا طفيفا بمستويات الدين، في حين ارتفع الدين في الأسواق الناشئة باستثناء الصين، ليصل إلى مستوى قياسي عند 36.8 تريليون دولار، نتيجة توسع الحكومات في الاقتراض لمواجهة الضغوط الاقتصادية وتمويل احتياجاتها المالية المتزايدة.
وأوضح التقرير أن الولايات المتحدة ساهمت بشكل ملحوظ في ارتفاع الدين العالمي، في ظل استمرار التوسع المالي، وزيادة الإصدارات السيادية، وارتفاع الإنفاق العام وتكاليف خدمة الدين، مما انعكس على زيادة إجمالي الدين إلى مستويات قياسية جديدة.
في المقابل، رصد التقرير تحولا تدريجيا في سلوك المستثمرين العالميين نحو تنويع المحافظ الاستثمارية، مع ارتفاع الطلب على السندات الحكومية باليابان وأوروبا، في ظل سعي المستثمرين إلى تقليل المخاطر وتعظيم العوائد في بيئات مالية أكثر استقرارا نسبيا.
وذكر المعهد أن نسب الديون في منطقة اليورو واليابان يُتوقع أن تتبع مسارا أكثر اعتدالا خلال الفترة المقبلة، رغم استمرار السياسات المالية التوسعية، وذلك بدعم من الاستقرار النسبي في تكاليف الاقتراض، وتحسن أوضاع بعض الاقتصادات المتقدمة مقارنة بالسنوات الماضية.
وفي الولايات المتحدة، أبرز التقرير أن أسواق السندات المؤسسية تواصل أداءها القوي، مدفوعة بزيادة الإصدارات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب استمرار التدفقات الاستثمارية الخارجية، بما يعكس اهتمام المستثمرين المتزايد بالقطاعات التكنولوجية باعتبارها أحد محركات النمو الرئيسية خلال السنوات المقبلة.
كما لفت التقرير إلى تسارع وتيرة الاقتراض لدى الشركات الصينية غير المالية مع بداية العام الجاري، والتي تجاوزت مستويات اقتراضها بشكل ملحوظ الاقتراض الحكومي.
وتأتي هذه التطورات في الأسواق والاقتصادات الكبرى والناشئة لتؤكد استمرار الضغوط على مستويات الدين العالمي، في ظل العوامل البنيوية التي أسهمت في تراكمه خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، يطرح خبراء الاقتصاد مجموعة من التفسيرات حول العوامل التي أدت إلى هذا الارتفاع القياسي في الدين العالمي، وما قد يترتب عليه من تحديات على الاستقرار المالي الدولي.
وحول أسباب وصول الدين العالمي إلى هذا المستوى القياسي، يقول الدكتور عبد العزيز الحمادي، الخبير الاقتصادي في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية " قنا "، إن استمرار الأزمات المالية العالمية وتراكمها منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008 كان له أثر مباشر في هذا الارتفاع، حيث ألقت تلك الأزمة بظلالها على الاقتصاد العالمي، تلتها جائحة كورونا وما خلفته من تداعيات واسعة على اقتصادات دول العالم، ثم التوترات الجيوسياسية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف أن هذه الأزمات المتتابعة أدت إلى زيادة طلب الحكومات والمؤسسات والمستثمرين على الاقتراض لسد فجوات النمو وضعف الإنتاجية، في حين ساهم ارتفاع أسعار الفائدة في زيادة تكلفة الاقتراض، مما انعكس بدوره على ارتفاع أسعار السلع وتراجع مستويات الطلب.
وأشار إلى أنه فضلا عن الأسباب السابقة التي أنتجت زيادة كبيرة في الدين السيادي لمواجهة الأزمة، وانخفاض معدلات النمو، في مقابل ارتفاع الإنفاق العسكري نتيجة تصاعد التوترات، لجأ العديد من الحكومات إلى الاقتراض لدعم الإنفاق الاجتماعي وتمويل السلع الأساسية، كما أن فترات السياسات النقدية شديدة التيسير شجعت على التوسع في الاقتراض، قبل أن تأتي لاحقا سياسات رفع أسعار الفائدة.
وردا على إمكانية اعتبار الاقتصاد العالمي قد دخل فعليا مرحلة "الاعتماد المفرط على الديون" كأداة لتحفيز النمو ومعالجة الأزمات، قال الدكتور عبد العزيز الحمادي: يمكن القول بذلك؛ لأن معظم الاقتصادات أصبحت غير قادرة على مواجهة التحديات والأزمات إلا بالاقتراض أو طرح السندات، كما أن الاقتصاد العالمي ازداد تباطؤا خلال السنوات الأخيرة.
وبين أن مواجهة هذه التحديات تتم عادة عبر سياسات تشمل خفض أسعار الفائدة وزيادة الاقتراض، مع قيام الحكومات برفع مستويات الإنفاق العام لتعزيز السيولة في الأسواق ودعم النمو الاقتصادي.
وفيما يتعلق بالمخاطر التي قد تواجه الاقتصاد العالمي في حال استمرار ارتفاع مستويات الدين إلى ما فوق مستوياته الحالية، أشار الدكتور عبد العزيز الحمادي إلى أن هناك مجموعة من المخاطر المتزايدة؛ إذ إن ارتفاع الاعتماد على الدين يعزز احتمالات تفاقم الأزمات والتعثرات الاقتصادية، لافتا إلى أن الدين يرتبط بأعباء متصاعدة، في مقدمتها ارتفاع أسعار الفائدة، مما يضع المقترضين تحت ضغوط مستمرة لسداد فوائد الدين.
وأضاف أن تخصيص الحكومات جزءا كبيرا من موازناتها لسداد الفوائد يؤدي إلى تقليص قدرتها على الإنفاق التنموي وتمويل مشروعات البنية التحتية، وهو ما ينعكس سلبا على معدلات النمو الاقتصادي.
ورأى الحمادي أنه في حال حدوث ركود اقتصادي جديد، قد تتعرض العديد من الحكومات والمستثمرين لضغوط مالية متزايدة، تصل إلى حالات تعثر وإفلاس لدى بعض الشركات والمؤسسات المالية المعتمدة على القروض طويلة الأجل، إلى جانب ارتفاع حالات التعثر في السداد، وما قد يترتب عليه من لجوء بعض البنوك والمؤسسات المالية إلى المسارات القانونية.
وأشار إلى أن عددا من الحكومات والمؤسسات والمستثمرين قد يتجه إلى إعادة جدولة الديون، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التعقيد في المشهد المالي، وتفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية على المستوى العالمي.
واختتم الدكتور عبد العزيز الحمادي الخبير الاقتصادي تصريحاته لـ"قنا" بالقول إن الاقتصاد العالمي أخذ دوره الكافي في الانخفاض والانهيار المالي جراء الأزمات التي مرت سواء بسبب الحروب أو جائحة كورونا، وكذلك التوترات الجيوسياسية وارتفاع الديون والتضخم، بالإضافة للتقلبات العالمية في السياسات النقدية، معتبرا أن المرحلة القادمة ستظل صعبة لكنها قد تشهد انتقالا تدريجيا من الضغوط السلبية إلى مسار أكثر توازنا في حال نجاح الحكومات في احتواء التضخم والحفاظ على الاستقرار المالي ودعم النمو، بما يسهم في إعادة الاقتصاد العالمي إلى مساره الطبيعي.
وبحسب المؤشرات الاقتصادية، فإن استمرار ارتفاع الدين العالمي بهذا الشكل يثير تساؤلات متزايدة بشأن قدرة الاقتصادات العالمية على إدارة مستويات المديونية المرتفعة، خاصة في ظل استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبيا، وتزايد أعباء خدمة الدين على الحكومات والشركات.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو