خبراء اقتصاديون لـقنا: التوترات الجيوسياسية تضغط على الاقتصاد الفرنسي.
باريس في 08 أبريل /قنا/ في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، عادت قضية أمن الطاقة لتتصدر المشهد الاقتصادي الأوروبي بشكل واضح، خاصة في فرنسا التي تواجه موجة جديدة من الضغوط التضخمية.
ولا ترتبط هذه الموجة بارتفاع الأسعار فقط، بل تعكس حالة معقدة من الصدمات المركبة، حيث تتداخل العوامل السياسية مع تحديات الطاقة، وما يترتب عليها من انعكاسات مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، الأمر الذي يجعل آثارها أكثر عمقا وتشابكا مقارنة بالأزمات السابقة.
وقد انعكس الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة بصورة مباشرة على الاقتصاد الفرنسي، حيث شهدت تكاليف النقل والغذاء والخدمات ارتفاعا ملحوظا، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للأسر، خاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود.
ولم تقتصر هذه التداعيات على المستهلكين فقط، بل امتدت لتشمل مختلف القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك النقل والزراعة والصيد البحري، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج، ما شكل ضغطا واضحا على هوامش الربح، في ظل صعوبات متزايدة في التكيف مع هذه التحولات الاقتصادية المتسارعة.
ونتيجة لهذه التطورات، تتزايد المخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم، خاصة مع انتقال كلفة الطاقة إلى الأسعار النهائية للسلع والخدمات.
كما تواجه الشركات، وخصوصا الصغيرة والمتوسطة، ضغوطا متزايدة بسبب اضطراب سلاسل الإمداد واعتمادها الكبير على الوقود، ما يضعها أمام خيارات صعبة، إما برفع الأسعار وتحميل المستهلك التكلفة، أو تحمل الخسائر، وهو ما ينعكس بدوره على مستويات الاستثمار واستقرار الاقتصاد بشكل عام.
وفي هذا السياق، أكد محللون وخبراء اقتصاديون فرنسيون، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن الحرب في الشرق الأوسط انعكست بشكل مباشر على الاقتصاد الفرنسي، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
كما شددوا على أن استمرار هذه التوترات الجيوسياسية قد يدفع الاقتصاد الفرنسي نحو مرحلة أكثر هشاشة، تتسم بتباطؤ النمو وارتفاع معدلات التضخم، في ظل محدودية قدرة الدولة على التدخل المالي نتيجة ارتفاع مستويات المديونية والقيود المفروضة على الميزانية العامة.
وفي هذا الإطار، أوضح إبراهيم أومنصور، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس، أن الحرب على إيران وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط خلفا تداعيات اقتصادية واسعة على المستوى العالمي، وقد انعكست هذه التداعيات بشكل مباشر على الاقتصاد الفرنسي.
وأشار إلى أن المؤسسات الفرنسية بدأت تواجه صعوبات متزايدة، تمثلت في تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الإنتاج، لا سيما في ظل الزيادة الحادة في أسعار الغاز والنفط المرتبطة بأزمة الطاقة العالمية.
وأضاف أن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط كمصدر رئيسي للطاقة في الاقتصاد العالمي تجعل أي اضطراب فيها ينعكس بسرعة على الأسواق الدولية، موضحا أن هذه الأزمة تأتي في سياق اقتصادي فرنسي هش أساسا، نتيجة تراكم أزمات متعددة منذ الأزمة المالية العالمية، مرورا بالأزمات الصحية والسياسية، وصولا إلى التحديات الداخلية التي أثرت على الاستقرار الاقتصادي.
واعتبر أن محدودية النمو الاقتصادي في فرنسا تجعل من الصعب امتصاص الصدمات الجديدة في ظل هذه الظروف المعقدة.
وفيما يتعلق بالانعكاسات المباشرة، أشار إلى أن أزمة الطاقة أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار الوقود، ما انعكس على تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، وأسهم في زيادة أسعار المواد الأساسية.
كما أشار إلى أن المؤسسات الفرنسية تواجه حالة من الغموض وعدم اليقين، ما يضعف قدرتها على الاستثمار ويحد من ثقتها في المستقبل، خاصة في ظل بيئة اقتصادية وسياسية معقدة.
ولفت إلى أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على الشركات فقط، بل امتدت إلى المواطنين، حيث تراجعت القدرة الشرائية بشكل ملحوظ، خاصة لدى الفئات التي تعتمد بشكل كبير على الوقود في أنشطتها اليومية، مثل الفلاحين والصيادين، بالإضافة إلى بعض المهن التي تتطلب تنقلا مستمرا كالأطباء والممرضين.
وأوضح أن ارتفاع أسعار البنزين دفع العديد من المستهلكين إلى البحث عن حلول بديلة، مثل استخدام تطبيقات مقارنة الأسعار أو التنقل لمسافات أطول للحصول على وقود أقل تكلفة.
وبين أيضا أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى عودة الاحتجاجات الاجتماعية، في ظل حساسية ملف أسعار الوقود في المجتمع الفرنسي، واستحضار تجارب سابقة شهدت توترات واسعة نتيجة زيادات مماثلة.
وأضاف أن الحكومة الفرنسية قدمت دعما محدودا لبعض المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، وفي قطاعات استراتيجية، إلا أن هذه المساعدات تبقى محدودة مقارنة بحجم الأزمة، خصوصا في ظل القيود المالية وارتفاع المديونية.
كما أوضح أن استمرار الغموض بشأن تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط يزيد حدة القلق، حيث إن إطالة أمد الحرب أو تصعيدها قد يؤدي إلى تداعيات أكثر خطورة، خاصة في حال تأثرت حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد شريانا أساسيا للاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى إغلاق عدد من الشركات، خاصة تلك التي لا تمتلك احتياطات مالية كافية لمواجهة هذه الصدمات.
من جانبه، أوضح جمال بن كريد، المحلل السياسي وأستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة السوربون، أن تأثير الحرب على القدرة الشرائية للمواطنين الفرنسيين يعد سلبيا بشكل كبير، سواء على المستوى الاجتماعي أو المالي.
وبين أن سياسات التقشف التي اعتمدتها الحكومات، إلى جانب تداعيات الحرب، ساهمت في تفاقم مستويات التضخم وارتفاعها بشكل ملحوظ، مما انعكس في زيادة أسعار السلع والخدمات، وأدى إلى إضعاف القدرة الشرائية للأسر.
وأشار إلى أن أسواق الطاقة تلعب دورا محوريا في هذه الدينامية، خاصة أن مضيق هرمز يعد نقطة استراتيجية لنقل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، وأحد أهم ممرات التجارة العالمية للطاقة، وأن أي اضطراب في هذه المنطقة ينعكس بشكل مباشر على أسعار الطاقة، وبالتالي على الاقتصاد العالمي بما في ذلك الاقتصاد الفرنسي.
كما أوضح أن تقلبات أسعار الطاقة تنعكس بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وأن ارتفاع أسعار الطاقة عالميا يؤثر أيضا على الاستثمار والنشاط الاقتصادي، حيث تضطر الشركات الكبرى إلى البحث عن تمويلات إضافية، غالبا بتكاليف أعلى، مما يزيد أعباءها المالية ويضغط على خططها الاستثمارية.
وأضاف أن هذه الأزمة تمثل صدمة خارجية يمكن مقارنتها بأزمة النفط عام 1973، مشيرا إلى أن الشركات الدولية باتت مطالبة بتأمين السيولة اللازمة لضمان استمرار نشاطها، في وقت يؤدي فيه ارتفاع تكاليف الطاقة إلى تراجع الاستثمارات وتعميق الأزمة الاقتصادية. كما أشار إلى أن فرنسا اضطرت إلى تعزيز وارداتها من الطاقة، خصوصا من الجزائر.
في المقابل، لفت إلى أن بعض شركات الطاقة الكبرى استفادت من هذه الأزمة، موضحا أن شركة توتال إنرجيز حققت أرباحا كبيرة منذ اندلاع النزاعات في الشرق الأوسط، ما يعكس مفارقة واضحة بين تراجع القدرة الشرائية للأسر وتحقيق بعض الشركات مكاسب من الأزمة.
وفيما يتعلق بالسياسات الحكومية، أوضح أن الحكومات تحاول اعتماد مجموعة من الإجراءات لمواجهة الأزمة، غير أن التدابير المعتمدة في فرنسا تبقى محدودة من حيث الزمن والنطاق، إذ تندرج ضمن سياسات ظرفية تهدف إلى التخفيف من الآثار الفورية فقط، مثل تعبئة المخزونات الاستراتيجية وزيادة قدرات التكرير والتنسيق مع موزعي الوقود وتعزيز الرقابة على محطات الوقود لضمان شفافية التسعير.
من جهته، أوضح الدكتور كميل الساري، المحلل السياسي والخبير الاقتصادي والمالي، أن فرنسا، كغيرها من الدول الأوروبية، تتأثر بشكل مباشر بتداعيات الحرب على إيران، خاصة عبر حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي تمر من خلاله شحنات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن هذه التدفقات تبقى رهينة للتقلبات الجيوسياسية، ما يجعل الأسواق عرضة لاضطرابات متواصلة.
وأضاف أن أسعار الطاقة سجلت بالفعل ارتفاعا بنحو 2 بالمئة، مع توقعات بمزيد من الارتفاع خلال الفترة المقبلة، مؤكدا أن التأثير لا يقتصر على الطاقة فقط، بل يمتد إلى الأسمدة والمكونات الصناعية والسلع المستوردة، مما يزيد الضغوط على الشركات والاقتصاد ككل.
وأشار إلى أن الاقتصاد العالمي يتسم بترابط شديد، ما يجعل تحقيق الاكتفاء الذاتي أمرا صعبا، موضحا أنه رغم اعتماد فرنسا الكبير على الطاقة النووية التي تغطي نحو 60 بالمئة من إنتاج الكهرباء، فإنها لا تزال بحاجة إلى استيراد الوقود والغاز، خاصة من الشرق الأوسط.
وحذر من خطر الدخول في حالة "ركود تضخمي"، حيث يتزامن تباطؤ النمو الاقتصادي مع ارتفاع الأسعار، مشيرا إلى أن الكلفة الاقتصادية المحتملة قد تصل إلى نحو 120 مليار يورو. كما أوضح أن ارتفاع أسعار الوقود يعد العامل الأكثر تأثيرا على الحياة اليومية، خاصة في قطاعات النقل والخدمات.
وبين أن الفئات الأكثر تضررا تشمل سائقي الأجرة والشاحنات والفلاحين، في حين خصصت الدولة دعما محدودا يقدر بنحو 60 مليون يورو لهذه الفئات.
كما لفت إلى أن الأزمة تمتد إلى القطاع الزراعي، الذي يواجه ارتفاعا في تكاليف الوقود والأسمدة، مما قد يعرض بعض المنتجين لخطر الإفلاس.
وأضاف أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تراجع الناتج الداخلي الخام بنحو 0.5 بالمئة، في ظل نمو اقتصادي محدود، كما يؤدي إلى تراجع العائدات الضريبية وارتفاع أعباء الدين، مما يفرض قيودا إضافية على السياسات الحكومية.
كما لفت إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، ما ينعكس على أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية، حتى البسيطة منها، نتيجة ارتباطها بسلاسل إنتاج تعتمد على النفط ومشتقاته.
وأوضح أن الحكومة تعتمد إجراءات مثل ترشيد استهلاك الطاقة وتشجيع العمل عن بعد، إلى جانب دعم محدود لبعض القطاعات، إلا أن بعض المقترحات مثل خفض الضرائب على الوقود لا تزال مستبعدة بسبب تكلفتها المرتفعة.
ولفت إلى أن ارتفاع الدولار مقابل اليورو يزيد كلفة استيراد الطاقة، باعتبار أن النفط والغاز يتم تسعيرهما بالدولار، ما يضاعف الضغوط على الاقتصاد الفرنسي.
وأكد أن الاقتصاد الفرنسي يواجه تحديات معقدة نتيجة تداخل الضغوط الخارجية مع القيود الداخلية، في ظل ارتفاع المديونية وزيادة الاعتماد على الخارج، مما يجعله عرضة لتقلبات يصعب التحكم فيها، ويجعل آفاق المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، بين احتواء الأزمة أو تفاقمها.
في ضوء هذه التطورات، تواجه فرنسا مرحلة اقتصادية دقيقة تتطلب توازنا محكما بين حماية القدرة الشرائية للأسر ومواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، مع ضمان استقرار النشاط الاقتصادي؛ إذ إن آثار الحرب على إيران تمتد إلى قطاعات النقل والزراعة والصناعة والخدمات، ما يفرض على السلطات اعتماد إجراءات استباقية ومتعددة الأبعاد للتخفيف من تداعيات الأزمة.
وتؤكد التحليلات الاقتصادية المتخصصة أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا للقدرة على إدارة الصدمات الدولية، مع ضرورة تحقيق توازن مستدام بين النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية، في ظل تقلبات الأسواق العالمية والارتباط الوثيق بين الأمن الطاقي والاستقرار المالي والاجتماعي.
English
Français
Deutsch
Español