نزوح جماعي في لبنان وسط اعتداءات إسرائيلية مستمرة وتحذيرات من أزمة إنسانية
بيروت في 07 أبريل /قنا/ يواجه لبنان واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في تاريخه المعاصر، مع تصاعد موجات النزوح الداخلي الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة التي دخلت شهرها الثاني، فقد أجبرت الغارات المكثفة مئات آلاف اللبنانيين على مغادرة منازلهم في جنوب البلاد وشرقها، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، في مشهد يعكس واقعا إنسانيا متدهورا يزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
وفي ظل هذه التطورات تتفاقم معاناة النازحين وسط إمكانات محدودة وبنية تحتية مثقلة أصلا بالأزمات، مما ينذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ عام 2019، وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد النازحين تجاوز 1.2 مليون شخص، أي ما يقارب 20% من سكان البلاد، في حين لا تزال الاستجابة الدولية دون المستوى المطلوب، رغم نداءات الأمم المتحدة لتأمين مئات ملايين الدولارات لتلبية الاحتياجات الأساسية.
وفي السياق، رأى الدكتور نواف سلام رئيس الحكومة اللبنانية أن تداعيات هذا النزوح، إنسانيا وسياسيا، غير مسبوقة، وهناك كارثة إنسانية تلوح في الأفق.. مؤكدا في تصريح سابق له أن الحكومة تعمل بلا كلل لتخفيف أعباء النزوح، وأنها لم تدخر أي جهد، لكن ضخامة التحديات التي تواجهها في ظل الإمكانيات المحدودة تستدعي تعبيرا أكثر فاعلية عن التضامن.
وأمام هذا النزوح، وعدم قدرة لبنان على تحمّل تبعاته نظرا للإمكانات المادية المحدودة في بلد يعاني أزمة اقتصادية منذ عام 2019، أطلقت منظمة الأمم المتحدة نداء استغاثة عاجلا لتوفير 308 ملايين دولار لمدة ثلاثة أشهر (مارس، أبريل، مايو)، لدعم الحكومة اللبنانية في تأمين الاحتياجات الإنسانية للنازحين داخل مراكز الإيواء وخارجها، إلا أن هذا النداء لم يؤمّن سوى 120 مليون دولار، بينما لا يزال تأمين باقي المبلغ غير مضمون، وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن الحكومة اللبنانية، تجاوز عدد النازحين عتبة المليون و200 ألف شخص، مما يعني أن نحو 20% من سكان البلاد باتوا من دون مأوى مستقر.
وفي ظل هذا الواقع، تحوّلت أكثر من 677 مدرسة ومؤسسة تعليمية وجامعية إلى مراكز إيواء، تضم أكثر من 137 ألف نازح، يعيشون في ظروف صعبة، في وقت تعجز فيه الحكومة اللبنانية والجهات الدولية المانحة عن تلبية كل احتياجاتهم الإنسانية بسبب تفاقم النزوح رغم المساعدات التي تأتي إلى لبنان، ومنها مساعدات من دولة قطر، حيث أعلنت قطر الخيرية في 15 مارس الماضي عن إرسال مساعدات إغاثية عاجلة لـ 40 ألفا و500 أسرة نازحة في لبنان، إثر الظروف التي تشهدها جراء العمليات العسكرية والقصف في عدد من المناطق، لا سيما بجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت وبعض مناطق البقاع.
وتأتي هذه المساعدات التي يقدمها صندوق قطر للتنمية من خلال شركائه قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري، بهدف تقديم الدعم الإنساني العاجل للمتضررين، ومساندة المجتمعات المتضررة حول العالم، لا سيما في أوقات الأزمات والطوارئ الإنسانية.
وتهدف الحملة إلى توزيع أكثر من 12 ألف سلة غذائية ومجموعة من المواد غير الغذائية الأساسية التي تحتاجها الأسر النازحة خلال هذه الظروف.
وفي هذا الإطار، تواصل وزارة الشؤون الاجتماعية تكثيف جهودها لمواكبة التداعيات الإنسانية المتسارعة، من خلال توسيع برامج الدعم وتعزيز التنسيق مع الجهات الدولية والإقليمية.
وأكدت حنين السيد وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، استمرار الوزارة في بذل أقصى الجهود لمساندة المواطنين في مختلف المحافظات اللبنانية، لا سيما في ظل التحديات الإنسانية المتفاقمة وارتفاع أعداد النازحين، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل على توسيع نطاق برامج الدعم وتعزيز آليات الاستجابة لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسر المتضررة، بالتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين.
ونوهت بالمساعدات القطرية المقدمة إلى لبنان، معتبرة أنها تندرج في إطار دعم النازحين، خاصة الموجودين خارج مراكز الإيواء، في ظل ظروف العدوان الإسرائيلي على لبنان، مشددة على أن هذه المساعدات شملت كلا من بيروت ومدينة صيدا في جنوب لبنان، في وقت تسعى فيه الحكومة اللبنانية إلى توسيع نطاق دعمها للنازحين خارج مراكز الإيواء.. مؤكدة استمرار الوزارة في بذل أقصى الجهود لمساندة المواطنين في كافة المحافظات اللبنانية.
وأشارت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية إلى أن عدد مراكز الإيواء التي تمّ فتحها، وفقا للبيانات الصادرة عن وحدة إدارة مخاطر الكوارث في الحكومة اللبنانية، تبلغ 677 مركز إيواء، في حين يبلغ العدد الإجمالي للنازحين في مراكز الإيواء 137,774.
وبلغت مراكز الإيواء طاقتها الاستيعابية القصوى، وسط اكتظاظ شديد ونقص حاد في الخدمات الأساسية، حيث يعاني العديد من العائلات من غياب أبسط مقومات العيش، في ظل تراجع خدمات الصرف الصحي وشحّ المستلزمات الصحية والغذائية. ولم يقتصر الاكتظاظ على داخل مراكز الإيواء، بل امتد إلى الساحات العامة والشوارع المحيطة بها، حيث اضطرت بعض العائلات إلى المبيت في العراء أو في خيم مؤقتة أو داخل سياراتها.
كما استقبلت بلدات وقرى غير متاخمة للحدود الجنوبية أعدادا كبيرة من النازحين، لتتحول إلى ملاذات مؤقتة، في ظل الإنذارات شبه اليومية التي يوجهها الكيان الإسرائيلي لإخلاء قرى وبلدات في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت.
تجولت مراسلة وكالة الأنباء القطرية ببيروت في عدد من قرى وبلدات جنوب لبنان، حيث رصدت صمود بعض الأهالي في قراهم رغم القلق المستمر على المصير والخوف على حياتهم، في وقت يتقاسمون فيه "الخبز" مع نازحين قدموا من القرى الحدودية في الخطوط الأمامية، التي شهدت دمارا واسعا جراء التوغل الإسرائيلي والمواجهات المتواصلة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
وامتدت الجولة من مدينة صيدا إلى بلدات العاقبية والأنصارية والبيسارية والغازية والصرفند، مرورا بجسر الزهراني، الذي بات مهددا بعد استهداف أكثر من خمسة جسور في جنوب لبنان، في محاولة لقطع التواصل بين مناطق الجنوب وباقي الأراضي اللبنانية.
وللاطلاع على الأوضاع الإنسانية كشف المهندس علي حيدر خليفة، رئيس بلدية الصرفند (جنوب لبنان) ورئيس خلية الأزمة في البلدة، أن الصرفند تحولت منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس الماضي إلى محطة أساسية لاستقبال النازحين من القرى الأمامية في جنوب لبنان، رغم أن البلدة نفسها مهددة، كونها تقع ضمن نطاق جنوب الزهراني، الذي طالب الكيان الإسرائيلي مرارا بإخلائها.
وأوضح خليفة، في حديث لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن البلدة لم تصنف كمركز إيواء رسمي، إلا أن حجمها الكبير وموقعها الجغرافي جعلاها ملاذا طبيعيا للعائلات التي لم تتمكن من التوجه إلى مناطق أكثر أمانا، مشيرا إلى أن أهالي البلدة فتحوا بيوتهم لاستضافة النازحين في مبادرة إنسانية تعبر عن تضامن حقيقي، خاصة مع عائلات لا تملك القدرة المالية للنزوح إلى العاصمة أو إلى مناطق بعيدة.
وأضاف أن عدد العائلات الموجودة حاليا في البلدة يقارب خمسة آلاف عائلة، بينها نحو ثلاثة آلاف عائلة من السكان الصامدين، وحوالي ألفي عائلة نازحة، لافتا إلى أن العدد الإجمالي للسكان يتجاوز 25 ألف نسمة.
ولفت إلى أن الإمكانات المتاحة لتأمين احتياجات الأهالي الصامدين محدودة جدا، قائلا: نحن نتقاسم مع النازحين ما هو متوفر من احتياجات يومية، واصفا الوضع بأنه إنساني معقد في ظل غياب استجابة كافية، سواء للنازحين أو للأهالي الذين لم يتمكنوا من مغادرة البلدة.
وفيما يتعلق بالمساعدات، أشار إلى أن المصدر الأساسي لها هو "مجلس الجنوب اللبناني"، وهو مؤسسة عامة مستقلة أنشئت عام 1970 بهدف تنمية وإعمار محافظتي الجنوب والنبطية، وأوضح أن المساعدات المقدمة لا تزال غير كافية، حيث حصلت العائلات على حصة غذائية واحدة فقط، قد لا تكفي ليوم أو يومين كحد أقصى، لا سيما بالنسبة للعائلات الكبيرة.
وبين أن نسبة العائلات المستفيدة لم تتجاوز 20%، أي أقل من ألف عائلة من أصل نحو أربعة آلاف عائلة محتاجة، مؤكدا أن العائلات الصامدة تعاني أيضا ولم تتلق سوى الحد الأدنى من الدعم. كما لفت إلى وجود مبادرات محلية محدودة، لكنها لا تزال غير كافية مقارنة بحجم الأزمة.
وأكد أن الاستضافة داخل المنازل كانت الخيار الأساسي بدلا من مراكز الإيواء، موضحا أن "المدارس غير مجهزة لاستقبال العائلات من حيث البنية التحتية والخدمات"؛ لذلك، أطلقت مبادرة بإشراف البلدية لتشجيع الأهالي على استضافة النازحين، ما ساهم في تأمين المأوى لنحو ألفي عائلة داخل المنازل، في إطار من التكافل الاجتماعي.
وحذر من أن استمرار الوضع على هذا النحو قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة وتحولها من أزمة أمنية إلى أزمة اجتماعية، مشددا على ضرورة تحرك الجهات المانحة والمنظمات الدولية بشكل أكثر جدية.
وفيما يتعلق بالوضع الأمني، أشار إلى أن بلدة الصرفند تعرضت لعدة غارات أسفرت عن سقوط ضحايا، مثنيا في الوقت ذاته على جهود وزارة الصحة والمستشفيات في المنطقة، التي سارعت إلى الاستجابة للحالات الطارئة، وقدمت الرعاية اللازمة للجرحى والمرضى.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español