لبنان يواجه تحديات الطاقة وسط التصعيد الإقليمي وارتفاع الأسعار
بيروت في 05 أبريل /قنا/ تتزايد وتيرة المخاوف في لبنان بشأن أمن الطاقة، في ظل التصعيد العسكري المتواصل في المنطقة منذ أواخر فبراير الماضي، وما يرافقه من تداعيات على الأسواق العالمية وتقلبات حادة في أسعار النفط، رغم تأكيدات رسمية باستمرار تدفق المحروقات وتوفرها في السوق المحلية. ويضع هذا الواقع لبنان أمام معادلة دقيقة تجمع بين استقرار الإمدادات من جهة، وتصاعد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بارتفاع الأسعار والمخاطر الجيوسياسية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، طمأن جو الصدي وزير الطاقة والمياه اللبناني، في بيان صدر في 28 فبراير الماضي، اللبنانيين إلى عدم وجود أزمة محروقات، داعيا إلى عدم التهافت على المحطات، في ظل توفر مخزون كاف من مادتي البنزين والديزل يكفي لمدة لا تقل عن 15 يوما، إضافة إلى البواخر المتجهة إلى لبنان والمخزون المتوفر في المحطات.
من جانبه، أكد السيد جورج عاقوري، المستشار الإعلامي لوزير الطاقة، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، عدم وجود أي أزمة في المحروقات، مشيرا إلى استمرار انفتاح البحر ووصول البواخر بشكل طبيعي.
وأوضح عاقوري أن مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب لم يؤثر على حركة الإمدادات، إذ لا تزال البواخر تصل إلى لبنان وتفرغ شحناتها بصورة اعتيادية، لافتا إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في توفر المحروقات، بل في الارتفاع المستمر في الأسعار.
وأشار إلى أن هذه الأزمة ليست محصورة بلبنان، بل تأتي في سياق أزمة عالمية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة، مؤكدا أن المخزون لا يزال كافيا سواء على مستوى مؤسسة كهرباء لبنان أو على مستوى الشركات والمحطات الخاصة... مضيفا أن مخزون مؤسسة كهرباء لبنان يتراوح بين 50 و55 يوما، فيما يستمر تأمين المحروقات للسوق المحلية بشكل منتظم، نتيجة استمرار عمليات الشراء والاستيراد.
وفيما يتعلق بالمخاوف المطروحة من نقص الإمدادات، أشار إلى أنها ترتبط باحتمال حدوث أي طارئ قد يؤثر على وصول البواخر إلى لبنان، سواء نتيجة تطورات ميدانية أو فرض حصار بحري، إضافة إلى القلق من استمرار ارتفاع الأسعار عالميا، الأمر الذي قد ينعكس أعباء إضافية على المواطنين والدولة اللبنانية.
وختم بالتأكيد أن هذه التحديات لا ترتبط بإمكانات الدولة اللبنانية، بل تأتي في إطار الظروف الدولية الراهنة والتقلبات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.
ويؤكد مختصون في قطاع الطاقة بالبلاد أن لبنان يجد نفسه في قلب التداعيات غير المباشرة للتصعيد العسكري المتزايد بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث تنعكس المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة بشكل مباشر على واقعه الاقتصادي وعلى إمدادات الطاقة وارتفاع أسعارها، حيث قفزت أسعار النفط بأكثر من 60% منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط خاصة في ظل إغلاق مضيق هرمز، لاسيما أن لبنان يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد النفط والغاز وهو ما يؤدي إلى تفاقم هشاشة قطاع الطاقة فيه وإلى تعميق الأزمة المعيشية.
وفي هذا الإطار، أكد فادي أبو شقرا، ممثل موزعي المحروقات في لبنان، في تصريح مماثل لـ/قنا/، أن موزعي المحروقات يتأثرون، شأنهم شأن أي مواطن في لبنان أو في أي مكان في العالم، بتقلبات أسعار النفط العالمية.
وأشار إلى أن التصريحات السياسية، لاسيما تلك الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تنعكس مباشرة على أسعار النفط، موضحا أنه عندما تكون التصريحات إيجابية نشهد تراجعا في الأسعار، أما في حال التصعيد والتهديد، فإن الأسعار ترتفع بشكل ملحوظ.
وأضاف أن لبنان يدفع ثمن هذه التقلبات، حيث يتحمل المواطن اللبناني أعباء ارتفاع الأسعار، لافتا إلى أن "الفاتورة باتت كبيرة في ظل استمرار ارتفاع أسعار النفط، إذ ننام على سعر برميل ونستيقظ في اليوم التالي على تغييرات جديدة".
وأوضح أن الارتفاع الأخير طال أسعار البنزين والديزل، متسائلا عن مدى منطقية تخطي سعر صفيحة البنزين عتبة السبعة والعشرين دولارا، معتبرا أن هذا الواقع صعب جدا على المستهلك وعلى أصحاب المحطات.
وشدد أبو شقرا على أن أسباب ارتفاع الأسعار ليست داخلية، بل تعود إلى عوامل خارجية مرتبطة بالضغوط والتوترات الدولية، التي تنعكس مباشرة على سوق النفط العالمي.. معربا عن أمله في أن يتحلى المسؤولون في العالم بالحكمة، وأن تتم معالجة الخلافات القائمة، بما يساهم في إعادة أسعار النفط إلى الانخفاض.
وفيما يتعلق بتوفر المحروقات، طمأن أبو شقرا إلى أن المواد متوفرة في السوق اللبنانية، مشيرا إلى أن البواخر تصل بشكل طبيعي من عدة دول، منها اليونان ومصر، ولا توجد أي أزمة في الإمدادات سواء لمادتي البنزين أو المازوت.. مؤكدا على أن موزعي المحروقات مستمرون في تأمين المادة وتوزيعها على مختلف المناطق اللبنانية، حيث تصل الصهاريج إلى جميع الأراضي اللبنانية دون استثناء.
ويؤكد مراقبون أنه في ظل الحرب واحتمالات استمرارها، يواجه قطاع الكهرباء في لبنان ضغوطا متزايدة نتيجة تقلبات أسعار النفط، إذ إن أي ارتفاع ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج وإمدادات الوقود نظرا لاعتماد قطاع الكهرباء شبه الكامل على الاستيراد وهو ما يؤدي إلى تراجع التغذية وارتفاع الأعباء المالية، ما يفاقم حالة عدم الاستقرار الاقتصادي ويزيد من معاناة اللبنانيين.
واعتبروا، بعد تجاوز متوسط سعر النفط حاجز 100 دولار أمريكي للبرميل، مع مخاوف من وصوله إلى 200 دولار، فإن لبنان يواجه تحديات متزايدة، لاسيما أن مؤشرات العقد الماضي تظهر أن متوسط الأسعار تراوح بين 49 دولارا كحد أدنى و94 دولارا كحد أقصى، ما يضعه ضمن الدول الأكثر تأثرا، كونه يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المنتجات النفطية، رغم ما تختزنه مياهه البحرية من إمكانات واعدة غير مستثمرة من النفط والغاز.
وتتوزع واردات النفط في لبنان بشكل رئيسي على قطاعات الكهرباء والنقل والصناعة، إضافة إلى دورها الحيوي في التدفئة المنزلية، ما يعزز من حساسية الاقتصاد اللبناني تجاه أي تقلبات في أسعار الطاقة العالمية.
وأكدوا أن ما يضاعف وتيرة المخاوف هو العجز المستمر في قطاع الكهرباء، الذي يعتمد بشكل أساسي على الوقود النفطي، مثل الديزل والفيول، عبر محطات رئيسية كدير عمار والزهراني، إلى جانب محطات أخرى كالزوق والجية. وترتبط قدرة هذه المحطات بتوافر شحنات الوقود المستوردة، ما يجعلها عرضة بشكل مباشر لتقلبات أسعار النفط العالمية.
وفي هذا السياق، رأى الدكتور غازي محمود، الباحث في الشؤون الاقتصادية والطاقة، في تصريح خاص لـ/قنا/ أن تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وما ينطوي عليه من تهديد مباشر لأمن إمدادات الطاقة عالميا، يشكل عاملا رئيسيا في دفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات لم تبلغها منذ أربع سنوات، أي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ما يضاعف الأعباء على لبنان الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد المحروقات.
وأوضح أن ذلك يأتي في وقت لم يتعاف فيه لبنان بعد من أزمته الاقتصادية العميقة، ولا من تداعيات العدوان الإسرائيلي عام 2024 والذي استمر 66 يوما.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميا يترافق مع زيادة ملحوظة في تكاليف الشحن البحري والتأمين، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار المحروقات في لبنان، ويؤدي إلى ضغوط تضخمية متزايدة تفاقم من حدة الأزمة المعيشية.
وأضاف أن تداعيات هذه الأزمة تتجلى في ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي في القطاعين الزراعي والصناعي، إلى جانب زيادة كلفة النقل البري للسلع والمنتجات، فضلا عن ارتفاع كلفة تنقل الأفراد سواء عبر وسائل النقل الخاصة أو العامة، ما ينعكس بدوره على أسعار السلع التي ترتفع بشكل مضاعف نتيجة زيادة أسعارها من المصدر وتكاليف الشحن والنقل المحلي. كما ترتفع أسعار الخدمات لارتباطها المباشر بهذه التكاليف.
ورأى الدكتور محمود أن المخاوف من تفاقم مستوى المعيشة في لبنان لا تقتصر على ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاساتها المباشرة، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية أوسع، من أبرزها احتمال تراجع تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما قد يرافقها من تهديدات لأمن تلك الدول.
وأشار إلى ازدياد مخاطر دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الركود، خصوصا أن الصناعات اللبنانية تعتمد بشكل كبير على مدخلات مستوردة تتأثر بارتفاع الأسعار العالمية وتكاليف الشحن، ما يضعف القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية، إلى جانب ارتفاع تكلفة المعيشة نتيجة زيادة الطلب على السلع والخدمات في المناطق التي تستضيف النازحين، والتي تعاني أساسا من محدودية القدرة الاستيعابية.
وأضاف أن من بين التداعيات السلبية المحتملة فقدان عدد كبير من الأسر مصادر دخلها، سواء بسبب توقف المؤسسات عن العمل في مناطق مهددة، أو نتيجة النزوح من أماكن الإقامة، أو بسبب ترك المزارعين لأراضيهم وتعطل نشاطهم وخسارة مواسمهم الزراعية.
English
Français
Deutsch
Español