البشرية تخطو إلى الأمام في مواجهة الزلازل المدمرة
الدوحة في 28 أبريل /قنا/ ضرب زلزال قوي بشدة 6.2 درجة على مقياس ريختر، المنطقة الجنوبية من محافظة هوكايدو اليابانية، وذلك قبيل أيام قليلة فقط من حلول اليوم العالمي لضحايا الزلازل الذي يوافق 29 أبريل من كل عام.
ورغم شدة الزلزال المرتفعة، فإن السلطات لم تبلغ سوى عن 6 إصابات، مما يعكس تطور القدرات في التعامل مع هذه الكارثة الطبيعية التي تفاجئ البشر، وتخلف وراءها، عادةً، آثارا نفسية واقتصادية كبيرة، وأضرارا شديدة في البنية التحتية، فضلا عن التسبب في حدوث موجات مد بحري (تسونامي) مدمرة.
ويعرّف العلماء الزلازل بأنها اهتزاز مفاجئ للأرض ينتج عن إطلاق طاقة مخزنة في القشرة الأرضية، مما يؤدي إلى موجات زلزالية.
وتسبب الزلازل، وفقا لشدتها، أخطارا مباشرة تتمثل في انهيار للمباني، وتصدعات في الأرض، فضلا عن تميّع التربة، وأخطارا أخرى غير مباشرة كتعطل أو انقطاع في المرافق والخدمات الأساسية، واندلاع الحرائق.
ويحدد العلماء منطقة حلقة النار في المحيط الهادئ، كأثر المناطق نشاطا زلزاليا، وتشهد أكثر من 80% من الزلازل.
ولا يمكن الحديث عن ظاهرة الزلازل دون التطرق إلى زلزال تركيا وسوريا الذي هز البلدين في فبراير عام 2023 بشدة 7.7 درجة على مقياس ريختر، وتبعه زلزال آخر بشدة 7.6، وأسفر عن مقتل أكثر من 22 ألف شخص، وشرّد نحو مليون ونصف المليون إنسان بسبب الضرر الكبير الذي لحق الأبنية السكنية، وانهيار عدد كبير منها في مدن البلدين.
الزلازل ظاهرة طبيعية خطرة جدا، وتدهم الجغرافيا والإنسان، وتتركهما عاجزين، وتخلف أعدادا كبيرة من الضحايا، وإزاء هذه الحقائق، يبرز السؤال عن كيفية تعامل العالم مع هذه الظاهرة، وعن أسباب حدوثها، فضلا عن المستوى الذي بلغته جهود البشرية في مواجهة الزلازل، وتقليل حدتها، والحد من آثارها.
عن ذلك يتحدث السيد إبراهيم خليل اليوسف رئيس قسم الزلازل في إدارة الأرصاد الجوية بالهيئة العامة للطيران المدني القطرية، قائلا، إن الدول والدوائر الدولية المعنية، تنظم حملات لتعزيز الوعي المجتمعي والجاهزية، للتقليل من آثار الزلازل وترسيخ ثقافة التأهب في المجتمع.
ويركز اليوسف على قضية تعزيز الوعي المجتمعي والجاهزية، بالقول إن الكثير من الدوائر الدولية، والمؤسسات المعنية في جلّ دول العالم، تولي الوعي المجتمعي والجاهزية أهمية بالغة، للتقليل من آثار الزلازل، وذلك من خلال التدريب على سلوكيات السلامة أثناء وبعد الزلازل، وتشديد قوانين البناء بما يضمن اعتماد تصاميم معمارية مقاومة للزلازل، فضلا عن توفير برامج الدعم الإنساني والنفسي المستمر للناجين، لمساعدتهم على تجاوز آثار الصدمة.
هذا الاهتمام العالمي هو استجابة طبيعية لحجم الأضرار والأخطار التي يولدها حدوث الزلازل في العالم، وعن هذه الأضرار يقول إبراهيم خليل اليوسف، إن الزلازل بالتحديد تعد من أكثر الكوارث الطبيعية تكلفة من حيث آثارها المدمرة التي تشمل الجوانب النفسية العميقة للناجين، والبنية الاقتصادية للدول.
ويضرب أمثلة على بعض هذه الأضرار بتدمير البنية التحتية بما في ذلك انهيار المباني السكنية، والمدارس، والمستشفيات، والطرق، والجسور، وتوقف النشاط الاقتصادي بفعل تعطل المصانع والشركات وحركة الأسواق، فضلا عن الأضرار النفسية الفردية والمجتمعية، بسبب الطبيعة الفجائية للزلازل التي تترك الناس والمجتمعات في صدمة جماعية، وتولد فيهم شعورا عميقا بفقدان الأمان والطمأنينة.
وفيما يتعلق بمحرضات الزلازل، والأسباب الباعثة على حدوثها، يفرّق رئيس قسم الزلازل في إدارة الأرصاد الجوية بالهيئة العامة للطيران المدني القطرية بين أسباب طبيعية وجيولوجية، وأخرى بشرية، فالطبيعية تتلخص في حركة الصفائح التي تكوّن قشرة الكرة الأرضية، تسمى الصفائح التكتونية التي تتحرك في مجال من الصخور المنصهرة تعرف بـ"الماغما"، حركة دائمة ومستمرة، على شكل تقارب وتباعد، وإن لم يشعر بها البشر، وفق اليوسف الذي يشير إلى أن حركة هذه الصفائح على الصدوع، التي هي الفواصل التي تفصل الصفائح عن بعضها، هي السبب الرئيسي لجلّ الزلازل التي يشاهدها العالم، أو يسمع عنها.
ووفقا لليوسف، يأتي النشاط البركاني في الدرجة الثانية، بعد حركة الصفائح التكتونية، كأحد أسباب حدوث الزلازل، إذ يؤدي خروج "الماغما" من باطن الأرض أثناء نشاط البراكين إلى حدوث خلل في توازن القشرة الأرضية، ينتج معه اهتزازات ذاتية الدافع، تحاول الأرض من خلالها استعادة توازنها.
ويعرّج اليوسف على الدور البشري في وقوع الزلزال، بالقول إن الأنشطة البشرية التي تمارس دون أن تسبقها دراسة علمية دقيقة، تُحدث خللا في توازن القشرة الأرضية، فتسبب هزات أرضية ضعيفة إلى متوسطة ناتجة عن الانهيارات الأرضية التي يتسبب بها استخراج الخامات من نفط أو غاز، أو استخراج المياه الجوفية من باطن الأرض، أو بناء السدود، أو إنشاء البحيرات، أو تشييد جزر اصطناعية، أو إجراء تجارب نووية.
ولا يزال العالم، إلى جانب زلزال تركيا وسوريا الشديد، عاجزا عن نسيان الزلزال المدمر الذي أصاب اليابان في 2011، بشدة 9 درجات، وتسبب بحدوث موجات مد بحري (تسونامي) جرفت مدنا وأحياء كاملة، وخلّفت نحو 19 ألف قتيل، وألحقت أضرارا كبيرة وخطيرة بمحطة فوكوشيما النووية.
لقد اكتوت الدول والمجتمعات بنيران الزلازل، وذاقت مُرّ الهدم، وتجرعت آلام الموت والتهجير من هذه الظاهرة الطبيعية التي أعجزت البشرية على مدى قرون خلت، لكن المجتمعات، وخصوصا منها الواقعة في قلب الجغرافيا الزلزالية النشطة، لم تستكن، بل بذلت جهودا مضنية لمقاومة هذه الظاهرة، وعن تلك الجهود، يقول السيد إبراهيم خليل اليوسف، إن العطاء البشري مستمر ومتواصل في محاولة الحد من آثار الزلازل، وقد أثمرت تلك الجهود عن دمج التقانة الحديثة بالهندسة الإنشائية، وهندسة مواد البناء.
ويوضح أكثر قائلا، إن التركيز لم ينصب على الرصد الزلزالي فحسب، بل تعداه إلى تطوير شبكات خاصة بالإنذار المبكر لموجات الزلازل على اختلاف أنواعها، وموجات المد البحري، وذلك جنبا إلى جنب مع العمل على تصميم مبان قادرة على مواجهة الزلازل.
ويضيف اليوسف أن العلماء انطلقوا في مواجهة الزلازل من فهم الطبيعة الجيولوجية، والخواص الجيوتكتونية لكل منطقة، وتطبيق رموز (أكواد) بناء تعتمد على استخدام مواد مناسبة، وقواعد إنشائية تسمح للمباني بامتصاص الطاقة والاهتزاز دون انهيارها.
وفيما يتعلق بواقع النشاط الزلزالي في دولة قطر، والاستجابة القطرية الوقائية لهذه الظاهرة، يقول اليوسف إن قطر تقع ضمن الصفيحة العربية التي تتميز بحواف نشطة زلزاليا، وقريبا من الصدع الفاصل بين الصفيحة العربية والصفيحة الأوروآسيوية، وقريبة كذلك من الصدوع المنتشرة على امتداد جبال زاغروس التي تكون أحد الأحزمة النشطة زلزاليا في العالم.
ويتابع اليوسف، موضحا أنه بالرغم من هذا الموقع الجغرافي، فإن دولة قطر تعتبر من أكثر الدول استقرارا من الناحية الزلزالية، وأقل الدول تأثرا بالنشاط الزلزالي الإقليمي والعالمي، معللا ذلك بطبيعة قطر الجيولوجية التي تمكنها من امتصاص طاقة الموجات الزلزالية وإضعافها، مع أخذ دولة قطر بكل ما هو متاح من تقانة ومعلومات في مجال الزلازل والهندسة الإنشائية.
ويلفت اليوسف إلى أن دولة قطر أنشأت من خلال إدارة الأرصاد الجوية في الهيئة العامة للطيران المدني، الشبكة القطرية للمعلومات الزلزالية في عام 2014، لرصد وتوصيف النشاط الزلزالي داخل دولة قطر وخارجها، ودراسة تأثيراتها السلبية على البنية التحتية وقطاعات الدولة المختلفة.
ويختم رئيس قسم الزلازل في إدارة الأرصاد الجوية بالهيئة العامة للطيران المدني القطرية، بالإشارة إلى أن كل ما رصدته قطر من شبكتها للمعلومات الزلزالية، تدرسه وفق المسارات المتعلقة بإجراءات الوقاية والسلامة من التأثيرات السلبية للزلازل، مع التحديث المستمر لأجهزة الرصد، ومواكبة كل ما هو جديد في مجال دراسات الزلازل، والحد من أخطارها، وفق خطة تقوم على التعاون مع مختلف القطاعات في الدولة.
إذن، يخوض العالم سباقا ضد الزمن في مواجهة الظواهر الطبيعية التي ازدادت شراسة في السنين الأخيرة، بفعل التحولات المناخية في العالم، وقد أثمرت الجهود البشرية، وإعلاء شأن التنسيق والتعاون في هذا المجال، انخفاضا واضحا في الضحايا البشرية، والخسائر الاقتصادية الناتجة عن الزلازل، مقارنة بما كانت عليه الحال قديما، ويعود ذلك إلى تطويع التقانة الحديثة في مجال الزلازل.
هذا الواقع الجديد، يفتح بابا واسعا للأمل والتفاؤل، بمستقبل بشري أكثر أمنا، وأشد صلابة وقدرة على مواجهة هذه الظاهرة الطبيعية.
English
Français
Deutsch
Español