استهداف العاملين في الحقل الإنساني خطر يهدد استمرارية العمليات الإنسانية على مستوى العالم
الدوحة في 13 أبريل /قنا/ يأتي تحذير الأمم المتحدة المتواصل على مدى سنوات من التصاعد غير المسبوق في استهداف العاملين في المجال الإنساني حول العالم، في ظل ما تصفه بتطور خطير يعكس ضعفا في منظومة الحماية الدولية المفترض أن تضمن سلامتهم في مناطق النزاعات.
ويكمن القلق لدى المنظمة الدولية والمجتمع الدولي في أن العاملين في المجال الإنساني، الذين يفترض أن يتمتعوا بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، باتوا اليوم عرضة للاستهداف، سواء بشكل مباشر أو نتيجة لانعدام الضمانات الأمنية في العديد من مناطق النزاع.
ويؤدي هذا الواقع إلى تهديد مباشر لاستمرارية العمليات الإنسانية المنقذة للحياة، لا سيما للفئات الأكثر حاجة، كما ينعكس ارتفاع عدد الضحايا سلبا على استقطاب المزيد من الكوادر للعمل الإنساني، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الاستجابة للأزمات العالمية الناجمة عن النزاعات والكوارث الطبيعية.
وفي السياق، أكد توم فليتشر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن عام 2025 شهد مقتل ما لا يقل عن 326 عاملا إنسانيا في 21 دولة، في واحدة من أكثر السنوات دموية في تاريخ العمل الإنساني، وأشار إلى أن إجمالي عدد الضحايا خلال السنوات الثلاث الماضية تجاوز 1010 أشخاص مما يعني أن حصيلة القتلى تضاعفت ثلاث مرات، وهو رقم يعكس تصاعدا خطيرا في استهداف العاملين في الإغاثة.
وأضاف: "قتل هؤلاء العاملون الإنسانيون بينما كانوا يوزعون الغذاء والماء والمأوى والدواء، ولقوا حتفهم وهم يستقلون قوافل تحمل علامات تعريفية واضحة، وفي مهام جرى تنسيقها بشكل مباشر مع السلطات المعنية"، مشيرا إلى أن هذه الوفيات تعكس تهورا من أطراف النزاع تجاه أرواح العاملين في المجال الإنساني.
وأوضح فليتشر، الذي كان يتحدث في إحاطة لمجلس الأمن الدولي بشأن حماية العاملين في المجال الإنساني وموظفي الأمم المتحدة، أن أكثر من 560 من تلك الوفيات سجلت في غزة والضفة الغربية خلال السنوات الثلاث الماضية، و130 في السودان، و60 في جنوب السودان، و25 في أوكرانيا، و25 في جمهورية الكونغو.
وأشار فليتشر، إلى أن هذا التصاعد لا يمثل فقط تهديدا للأفراد، بل يقوض كذلك ثقة المنظمات الإنسانية في القدرة على العمل داخل البيئات الخطرة، ويحد من وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين، خاصة في مناطق تشهد نزاعات ممتدة مثل غزة والسودان وأوكرانيا وأجزاء من إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي ذات الاتجاه، تشدد الأمم المتحدة والعاملون في الحقل الإنساني من المنظمات الإنسانية الدولية والخيرية، إلى جانب المنظمات الحكومية وغير الحكومية، على أن ما يحدث يمثل انتهاكا واضحا في احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي ينص صراحة على حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم تستدعي المساءلة القانونية العاجلة، بما يضمن محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وحماية منظومة العمل الإنساني على المستوى العالمي.
وفي السياق، قالت عائشة الكواري مدير إدارة العمليات الإنسانية بجمعية قطر الخيرية، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/: إن هذه الأرقام التي أشارت إليها الأمم المتحدة، تعكس بيئة عمل شديدة الخطورة، خاصة في مناطق النزاعات المسلحة والكوارث الممتدة مثل فلسطين ولبنان والسودان وغيرها، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع الاستهداف المباشر أو القيود المفروضة على وصول المساعدات، في انتهاك صريح لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
وقالت: نحن ننظر إلى هذه المخاطر باعتبارها تحديا حقيقيا يتطلب موازنة دقيقة بين واجبنا الإنساني في إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة، وبين مسؤوليتنا في حماية كوادرنا.
وأوضحت الكواري، أن دولة قطر، تنطلق بتوجيهات قيادتها الرشيدة، من التزام راسخ بالمبادئ الإنسانية العالمية، وفي مقدمتها حماية الإنسان وصون كرامته دون تمييز، مع التأكيد على أن تخفيف معاناة المدنيين تظل أولوية، حتى في أكثر البيئات تعقيدا وخطورة، وقد انعكست هذه التوجيهات بوضوح في استمرار دعم الدولة ومؤسساتها والجمعيات الخيرية للعمل الإنساني في مناطق الأزمات رغم المخاطر المتزايدة.
ولفتت إلى أن هذا النهج الداعم للعمل الإنساني شكل ركيزة أساسية في تمكين قطر الخيرية من أداء رسالتها بكفاءة ومرونة، حيث تواصل تنفيذ برامج الإغاثة والمساعدات الإنسانية في عدد من أكثر المناطق تأثرا بالنزاعات، ورغم المخاطر، لم تتوقف عملياتها الإنسانية، بل شهدت توسعا في السنوات الأخيرة، مع الحفاظ على أعلى معايير السلامة المهنية.
ويصل عدد المستفيدين من تدخلاتها الإنسانية ملايين الأشخاص سنويا، وتشمل قطاعات حيوية كالأمن الغذائي، والمياه، والصحة، والإيواء وغيرها، ويساعدها في ذلك وجود مكاتب ميدانية لها في 34 دولة، منها دول تعاني من الأزمات والحروب، كما في السودان، ولبنان، وقطاع غزة وغيرها.
وحول مدى تأثير المخاطر الأمنية على إيصال المساعدات لطالبيها، أكدت على أن هذه المخاطر تمثل تحدياً حقيقياً أمام العمل الإنساني، وقد تؤدي أحياناً إلى إبطاء وتيرة التدخلات أو تعديل آليات التنفيذ.
وأوضحت أن هذه التحديات، رغم خطورتها، لم تكن يوماً مبرراً للتراجع عن أداء الواجب الإنساني، بل دفعت إلى تعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية والشركاء المحليين الموثوقين، إضافة إلى تطوير أساليب العمل بما يضمن وصول المساعدات بأعلى درجات الأمان الممكنة، مشيرة إلى ما يجري في قطاع غزة والسودان على سبيل المثال لا الحصر.
وأضافت الكواري أن قطر الخيرية تؤمن بأن الحل لا يكمن في الانسحاب من مناطق الخطر، وإنما في العمل بحكمة وتنسيق دقيق يحقق التوازن بين سلامة العاملين الإنسانيين، وحق المتضررين من الأزمات والحروب في الحصول على المساعدات الضرورية.
وكشفت أن قطر الخيرية، تواصل عملها الإنساني رغم الأوضاع الأمنية المعقدة، بتنفيذ برامج إنسانية وإغاثية تشمل المساعدات الغذائية، والرعاية الصحية، والإيواء، ودعم سبل العيش، ويجري إيصال المساعدات عبر آليات مدروسة، تعتمد على وجود مكاتب ميدانية لقطر الخيرية، والشراكة مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية ومع جهات محلية موثوقة، والتنسيق مع الجهات الرسمية والإنسانية المختصة، بما يضمن استمرار الدعم ووصوله إلى مستحقيه.
وبينت أن هذه الجهود تعد امتدادا للدور الإنساني الذي تضطلع به دولة قطر في الاستجابة للأزمات، حيث جرى خلال الأعوام الأخيرة تقديم مساعدات إنسانية لمئات الآلاف من المتضررين في هذه الدول، رغم ارتفاع مستوى المخاطر.
وأوضحت أن الجمعية تمكنت من تنفيذ 99 مشروعاً في قطاع غزة في قطاعات متعددة خلال عامين (أكتوبر 2023 – 2025)، شملت الإغاثة العاجلة، والإمداد الغذائي، والإيواء، والتعليم، والصحة، والمواد غير الغذائية، والمياه والإصحاح، وخدمات التنسيق والدعم اللوجستي، واستفاد منها أكثر من 5 ملايين شخص، بتكلفة إجمالية بلغت 243 مليون ريال قطري، وهو ما يعكس حجم الالتزام الإنساني في واحدة من أصعب البيئات.
وأضافت أن مساعدات قطر الخيرية خلال الشهور الثلاثة الأولى التي تلت بدء الهدنة في غزة، تركزت في مجالات الإيواء والإمداد الغذائي والمياه، واستفاد منها مئات الآلاف من الأشخاص، فيما أعلنت الجمعية عن عزمها تنفيذ مزيد من المشاريع المخطط لها في الفترة القريبة القادمة بقيمة تزيد عن 35.5 مليون ريال قطري، فضلاً عن تخصيص 16 مليون دولار إضافية للتدخلات الإنسانية في غزة خلال الحدث رفيع المستوى الذي أقامته دولة قطر في القاهرة في أكتوبر الماضي.
وفيما يتعلق بالسودان، أشارت إلى أن إجمالي تكلفة التدخلات الإنسانية خلال العام الماضي 2025 بلغ نحو 21.5 مليون ريال قطري، واستفاد منها أكثر من 372 ألف نازح ومتضرر.
وأوضحت عائشة الكواري مدير إدارة العمليات الإنسانية بجمعية قطر الخيرية، في تصريحها لـ/قنا/، أنه وبناء على تصاعد حجم الاحتياجات الإنسانية في لبنان، فقد قامت قطر الخيرية بتفعيل خطة استجابة طارئة مخصصة للفترة من مارس إلى مايو 2026، بميزانية إجمالية تبلغ 2.35 مليون دولار أمريكي، وذلك في إطار استجابة إنسانية متعددة القطاعات، وينتظر أن يستفيد منها عشرات الآلاف من المتضررين، وتعتمد آلية التدخل العاجل لدى قطر الخيرية على مزيج من التنفيذ المباشر من قبل فرقها الميدانية، والتنفيذ بالشراكة مع منظمات محلية ودولية، إضافة إلى إجراء تقييمات سريعة للاحتياجات، وفق تطورات الوضع الميداني.
واختتمت السيدة عائشة الكواري، مدير إدارة العمليات الإنسانية بجمعية قطر الخيرية، حديثها لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، بالإشارة إلى التنسيق عالي المستوى الذي يعتمد عليه عمل قطر الخيرية في مناطق النزاع مع الجهات المعنية، سواء كانت جهات حكومية أو منظمات أممية، لا سيما تلك التي تنسق التدخلات الإنسانية، إضافة إلى الشركاء المحليين والدوليين.
وأوضحت أن هذا التنسيق يشمل تبادل المعلومات لمواجهة المخاطر، وتنظيم الحركة الميدانية، وضمان الالتزام بالمسارات المتفق عليها لإيصال المساعدات، فضلاً عن التنسيق مع الجهات المختصة في حالات الطوارئ.
وأكدت أن الجمعية تؤمن بأن هذا النهج التشاركي يُعد من أبرز عوامل تقليل المخاطر وحماية العاملين، ويعزز في الوقت ذاته من فاعلية الاستجابة الإنسانية واستمراريتها.
وحول التحديات التي تجابه العمل الإنساني، قال الدكتور غسان كحلوت مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في المركز العربي للدراسات، في تصريح مماثل لوكالة الأنباء القطرية /قنا/: إن العمل الإنساني اليوم يواجه تحديات غير مسبوقة في تعقيدها وتشابكها.
وأوضح أن صعوبة الوصول إلى المتضررين باتت من أبرز العقبات الميدانية، ليس بسبب العوامل الجغرافية وحدها، بل نتيجة سياسات ممنهجة تعتمدها بعض أطراف النزاع في تحويل المساعدات الإنسانية إلى ورقة ضغط أو أداة حرب.
وأضاف أن هذه التحديات تترافق مع تصاعد ظاهرة استهداف العاملين الإنسانيين والمنشآت الطبية بشكل مباشر، وهو ما يشكّل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، إلا أنه أصبح سمة متكررة في كثير من النزاعات المعاصرة.
وعلى صعيد المبادئ، رأى أن الأزمة الحقيقية تكمن في الهوّة المتسعة بين الإطار المعياري الدولي القائم على الإنسانية والحياد والاستقلالية، وبين واقع الميدان الذي تتشابك فيه المصالح السياسية وتتنافس فيه أجندات الممولين، فكثيرا ما تجد المنظمات الإنسانية نفسها أمام خيار صعب: إما القبول بشروط تقيد حيادها حفاظا على التمويل، أو التمسك بمبادئها على حساب قدرتها على الوصول، لكن هذا التوتر البنيوي يُضعف مصداقية المنظومة الإنسانية برمّتها ويُفسح المجال لتوظيفها سياسيا.
وفي ذات السياق، أشار الدكتور كحلوت إلى عدد من الأمثلة على انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، والتي قالت إنها وثّقتها تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية.
وأوضح أن من بين هذه الأمثلة ما ورد بشأن استهداف مستشفيات محمية بموجب القانون الدولي الإنساني في فلسطين، من بينها مستشفى الشفاء، والمستشفى الأهلي العربي، ومستشفى كمال عدوان، إلى جانب استهداف قوافل مساعدات بشكل مباشر، ومن أبرزها حادثة قافلة منظمة "مطبخ العالم المركزي" في أبريل 2024، والتي أسفرت عن مقتل سبعة من العاملين الإنسانيين من جنسيات مختلفة رغم التنسيق المسبق، وفق ما أورده في حديثه.
وأضاف أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) وثّق أيضاً عشرات الحوادث التي طالت عاملين في وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" وهيئات أممية أخرى.
كما أشار إلى ما وثّقته تقارير أوتشا واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية في السودان من انتهاكات ممنهجة ترتكبها قوات الدعم السريع بحق المنظومة الإنسانية منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023، وتشمل: نهب مستودعات الغذاء والدواء العائدة لبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة العالمية في الخرطوم وولاية الجزيرة، والاستيلاء على مركبات المنظمات الإنسانية وتحويلها لأغراض عسكرية في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني، وكذلك وُثّقت حوادث احتجاز عاملين إنسانيين وتعرّضهم للاعتداء الجسدي، وإغلاق ممرات الوصول إلى دارفور ومناطق أخرى تعصف بها المجاعة، حيث وصف تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان هذه الأنماط بأنها جزء من سياسة ممنهجة لتجويع المدنيين واستخدام الجوع سلاحا في النزاع، وهو ما يُجرّمه صراحة البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف.
وختم الدكتور غسان كحلوت، مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في المركز العربي للدراسات، تصريحه لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، بالتأكيد على أن الدبلوماسية الإنسانية ليست امتداداً للدبلوماسية السياسية، بل تخصص مستقل يقوم على منطق مغاير، هدفه ليس التفاوض على مصالح الدول، بل حماية المدنيين.
ويرى مراقبون أن غياب المساءلة الدولية وضعف آليات الردع أسهما في تفاقم الظاهرة، حيث تمر العديد من الانتهاكات دون محاسبة، ما يشجع على تكرارها في مناطق مختلفة من العالم، لافتين إلى أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تقليص العمليات الإنسانية وانسحاب بعض المنظمات من المناطق عالية الخطورة، بما يفاقم الأزمات الإنسانية ويترك ملايين الأشخاص دون مساعدات أساسية، الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لاستعادة هيبة القانون الدولي وحماية من يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين.
English
Français
Deutsch
Español