تفاقم أزمة نزوح قسري في لبنان وسط استمرار العدوان الإسرائيلي على البلاد
بيروت في 19 مارس /قنا/ تواصل أزمة النزوح في لبنان تمددها وتوسعها لتكتسب طابعا دراميا ومأساويا في ظل مواصلة جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته البرية والجوية على البلاد، حيث تشير التقديرات إلى أن العدد الفعلي للنازحين غير المسجلين ناهز المليون شخص، في وقت تظل القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء الرسمية محدودة للغاية.
ويتزامن القصف الجوي الإسرائيلي مع توسيع جيش الكيان منذ الثلاثاء الماضي عملياته البرية في الجنوب، مستهدفا مناطق عدة في لبنان سواء بالشرق والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت وجبل لبنان، ما دفع مئات الألوف من المدنيين لمغادرة ديارهم وترك أمتعتهم والبقاء في العراء أو بأماكن تفتقد لأبسط ظروف العيش الكريم.
وعن هذه الظروف، حذر الدكتور أنيس أبو ذياب عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، من تفاقم أزمة النزوح، مشيرا إلى أن العدد الفعلي تجاوز المليون شخص، في حين تظل القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء الرسمية محدودة للغاية حيث لا تتجاوز 130 ألف نازح فقط، ما يعني أن الغالبية من النازحين موجودون خارجها، في ظل امتلاء جميع المرافق المتاحة.
ونوه إلى ما تظهره التقارير اليومية لوزارة الشؤون الاجتماعية من بلوغ جميع المراكز المفتوحة قدرتها القصوى، مع استحداث نحو 35 مركزا جديدا في منطقة عكار شمال لبنان، إلا أن هذه الخطوة لا تلبي الزيادة السريعة في أعداد النازحين، خاصة بعد عمليات الإخلاء الأخيرة في مدينة صور وضواحيها، معرجا على نداء الاستغاثة العاجل الذي أطلقته الأمم المتحدة لتوفير 308 ملايين دولار لدعم الاحتياجات الإنسانية للنازحين خلال ثلاثة أشهر "مارس وأبريل ومايو"، بينما لا يتجاوز المبلغ المتوفر حاليا نحو 120 مليون دولار فقط، فيما لا يزال تأمين المبلغ المتبقي غير مضمون.
ولفت إلى أن كلفة النزوح مرتفعة ومتعددة الأبعاد، حيث تشمل فقدان المأوى وتأمين الملبس وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الوصول إلى المدخرات، مؤكدا أن الخسائر الاقتصادية اليومية في لبنان تقدر بما بين 40 و50 مليون دولار استنادا إلى ناتج محلي إجمالي يقارب 36 مليار دولار، هذا إلى جانب الخسائر المباشرة الناتجة عن الدمار الواسع في المباني والبنى التحتية.
وقدر أبو ذياب أن تتجاوز كلفة الحرب الحالية التقديرات الأولية، مذكرا بأن كلفة حرب الـ66 يوما في عام 2024 بلغت نحو 14 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، الأمر الذي يرشح أن تكون تداعيات الحرب الحالية أكبر وأعمق بالنظر للظروف الإقليمية والدولية الحالية التي تجعل الأمور أكثر تعقيدا وتبطئ الاستجابة الدولية.
وأكد أن مناطق جبل لبنان، خصوصا الجنوبية، لم تعد قادرة على استقبال المزيد من النازحين بعد امتلاء المدارس والمرافق الرسمية، فيما تتركز القدرة الاستيعابية المتبقية في الشمال، لا سيما في عكار، مع استمرار الضغط على منشآت الإيواء مثل المدينة الرياضية التي تراجعت قدرتها الاستيعابية، لافتا إلى الإحصائيات التي تشير إلى مقتل أكثر من 968 شخصا ونحو 2500 مصاب منذ الثاني من مارس الجاري، ما زاد من معاناة سكان البلاد والنازحين.
من جهتها، ذكرت وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء اللبناني، في تقريرها أمس الأربعاء، أن العدد الإجمالي للنازحين المسجلين في مراكز الإيواء بلغ أكثر من 133 ألفا و490 شخصا، وعن ذلك قالت ريما كرامي وزيرة التربية اللبنانية، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن الوزارة وضعت 1156 مدرسة وثانوية و75 معهدا رسميا بتصرف وزارة الشؤون الاجتماعية ووحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء لاستخدامها كمراكز إيواء ضمن الاستجابة للأزمة الحالية.
وأوضحت كرامي أن أكثر من 400 منشأة تربوية، تشمل مدارس وثانويات ومعاهد فنية، خصصت لاستقبال النازحين، حيث تستضيف هذه المؤسسات التعليمية أكثر من 130 ألف نازح في مختلف المناطق اللبنانية، مؤكدة استمرار الجهود الرسمية لتسخير كافة الموارد المتاحة لضمان استمرارية التعليم في ظل ظروف الاعتداءات الإسرائيلية، خاصة أن استمرار العملية التعليمية يعد أمرا أساسيا ضمن خطط وتدابير لإنقاذ العام الدراسي خاصة وأن الفترة المتبقية منه لا تتجاوز 40 يوما فعليا من التعلم.
وفي سياق آخر، يشكل استهداف جيش الاحتلال للمسعفين أثناء قيامهم بمهامهم الإنسانية، خاصة أثناء عمليات انتشال الضحايا، تصعيدا بالغ الخطورة وانتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا في صفوف فرق الإسعاف، وعنه أبرزت مي الصايغ مديرة الإعلام والتواصل في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في تصريحات، أن فرق الصليب الأحمر اللبناني تواصل أداء مهامها في ظروف قاسية وخطيرة للغاية، في ظل تصاعد العمليات العدائية، مشيرة إلى أن المسعفين وفرق البحث والإنقاذ يعملون في مناطق تشهد قصفا متكررا، ما يعرض حياتهم لمخاطر مستمرة.
وشددت الصايغ على أن العمليات الليلية تمثل تحديا إضافيا لفرق الإسعاف، إذ يؤدي تكرار الغارات إلى تعقيد حركة الفرق وصعوبة تنفيذ عمليات الإخلاء، فيما يضطر المسعفون لموازنة سلامتهم مع استمرار أداء واجبهم الإنساني، مؤكدة أن هذا الواقع يفرض على فرق الإنقاذ التحرك بسرعة لانتشال المصابين والعالقين، رغم احتمال تعرض المواقع المستهدفة لضربات جديدة.
وختمت مي الصايغ مديرة الإعلام والتواصل في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالتأكيد على أن حماية العاملين في المجال الإنساني والمتطوعين تعد مسؤولية أساسية وفق القانون الدولي الإنساني، مشددة على أهمية توفير الظروف التي تتيح لهم أداء مهامهم في إنقاذ الأرواح بأكبر قدر ممكن من الأمان.
English
Français
Deutsch
Español