مخاطر الأمن المائي العالمي تتسع.. وتحذيرات أممية متوالية
الدوحة في 04 فبراير /قنا/ في ظل تسارع التغيرات المناخية وتزايد الضغوط السكانية والاقتصادية على مستوى العالم، لم تعد أزمة المياه قضية بيئية هامشية، بل تحولت إلى تهديد وجودي مباشر للاستقرار الإنساني والتنمية المستدامة.
ويقف العالم اليوم على أعتاب مرحلة غير مسبوقة وصفها تقرير أممي صادر عن معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة الشهر الماضي بـ"الإفلاس المائي"، إذ تمثل هذه المرحلة واقعا هيكليا يتجاوز مفهوم العجز المائي المؤقت، ويعكس استنزافا طويل الأمد للموارد المائية يفوق قدرة الطبيعة على التعافي.
تشير الأرقام الأممية إلى أن أكثر من أربعة مليارات شخص يعانون من ندرة شديدة في المياه لمدة شهر واحد على الأقل من العام. ويعيش نصف سكان العالم في مناطق تعاني من شح متكرر للمياه. في حين من المتوقع أن يتجاوز الطلب العالمي على المياه العذبة نسبة 40 بالمئة بحلول عام 2030.
وتؤكد منظمات الأمم المتحدة المعنية بالمياه أن استمرار أنماط الاستهلاك غير المستدامة، وسوء إدارة الموارد، والتوسع العمراني غير المنضبط، إلى جانب آثار تغير المناخ، يدفع العديد من الدول نحو فقدان أمنها المائي بصورة شبه دائمة.
وفي الوقت نفسه، تتآكل مصادر المياه السطحية والجوفية بوتيرة متسارعة، ما ينذر بتداعيات خطيرة على الأمن الغذائي والصحة العامة والنمو الاقتصادي والسلم الاجتماعي.
وخلص تقرير المعهد أن العالم دخل "عصر الإفلاس المائي العالمي"، إذ لم تعد أنظمة المياه قادرة على العودة إلى مستوياتها السابقة، ولم تعد مصطلحات مثل "الإجهاد المائي" و"أزمة المياه" كافية لوصف الواقع الجديد لقضية المياه حول العالم.
وبين أن العديد من الأنهار والبحيرات والخزانات الجوفية والأراضي الرطبة والأنهار الجليدية تجاوزت نقاط التحول، ولم تعد قادرة على العودة إلى أوضاعها السابقة. وهو ما يستدعي اهتماما عالميا عاجلا لقضية تشكل هما مشتركا للبشرية.
وأشار التقرير إلى أن ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون في بلدان مصنفة "غير آمنة مائيا" أو تعاني من "انعدام أمن مائي حرج". ويفتقر أكثر من ملياري شخص إلى مياه الشرب المدارة بشكل آمن. كما يعاني 3.5 مليار شخص من خدمات الصرف الصحي غير المدارة بشكل آمن.
من جهة أخرى، انخفضت مستويات أكثر من نصف البحيرات الكبرى في العالم منذ أوائل التسعينيات، مما أدى إلى فقدان نحو 35 بالمئة من الأراضي الرطبة الطبيعية منذ سبعينيات القرن الماضي. كما أظهرت حوالي 70 بالمئة من طبقات المياه الجوفية الرئيسية انخفاضا مستمرا على المدى الطويل.
وفي تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أوضح الدكتور حامد التجاني علي، أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة بمعهد الدوحة للدراسات العليا، أن تصنيف مناطق معينة على أنها غير آمنة مائيا يترتب عليه تداعيات ديموغرافية وأمنية خطيرة.
وأضاف أن هذه التصنيفات تدفع السكان إلى الهجرة القسرية نحو مناطق توفر فيها المياه، ما يزيد الضغط على الموارد المحدودة في مناطق الاستقبال. وغالبا ما تسهم هذه الضغوط في تصاعد النزاعات حول الموارد الطبيعية، وقد تتطور في بعض الحالات الهشة إلى نزاعات مسلحة أو حروب أهلية، خاصة في الدول التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة وآليات إدارة الموارد.
وأكد الدكتور التجاني أن شح المياه ينذر بحدوث موجات واسعة من المجاعات، لا سيما في أقاليم حزام السافانا وشبه السافانا التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة المطرية والرعي. ومن المتوقع أن يؤدي تراجع الموارد المائية في هذه المناطق إلى انهيار الإنتاج الزراعي ونفوق الثروة الحيوانية، مما يفاقم انعدام الأمن الغذائي ويزيد من هشاشة سبل العيش. كما يضع المجتمعات في حلقة مفرغة من الفقر والنزوح وعدم الاستقرار.
وأشار إلى أن نقص الإمدادات المائية في العديد من الأقاليم الجغرافية يعود إلى النظام الرأسمالي وآليات السوق وأنماط الاستهلاك الحديثة، التي زادت الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة الموارد المائية، وأسهمت في استنزاف المخزون المائي نتيجة الارتفاع المتسارع في الطلب.
وأضاف أن النمو السكاني والتوسع الحضري أدى إلى زيادة وتيرة استخدام المياه، فضلا عن الهدر في بعض المجتمعات، وساهم التدهور البيئي والتغير المناخي في انخفاض معدلات هطول الأمطار وزيادة الكوارث الطبيعية.
كما أصبحت الأراضي المتأثرة بالجفاف أقل قدرة على الاحتفاظ بالرطوبة أو استيعاب مياه الأمطار، ما يؤدي إلى انجراف التربة وفقدان خصوبتها.
ونتيجة لهذه العوامل، تواجه العديد من الدول حالة من انعدام الأمن المائي، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية وبيئية جسيمة.
وأشار الدكتور التجاني إلى أن التغير المناخي أدى إلى اضطراب كبير في الخرائط الهيدرولوجية، سواء فيما يتعلق بتوزيع المياه الجوفية أو كميات ومواسم هطول الأمطار، وهو ما أسفر عن حالة متزايدة من الإجهاد المائي في العديد من الأقاليم، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة. أصبحت الموارد المائية أقل قابلية للتنبؤ وأكثر هشاشة أمام التقلبات المناخية، مع ازدياد مساحات الإجهاد المائي.
ولفت الدكتور حامد التجاني علي، أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة بمعهد الدوحة للدراسات العليا إلى أن استنزاف الموارد المائية لا يقتصر أثره على الأبعاد البيئية والاقتصادية فحسب، بل يشكل أحد أخطر محفزات النزاعات المسلحة سواء بين الدول أو داخلها.
وأوضح أنه في حال تحول شح المياه إلى صراع مفتوح، فإن تكلفة المواجهة ستتضاعف عشرات المرات مقارنة بتكاليف الوقاية والإدارة الرشيدة للموارد. وقد تصل التكاليف إلى أرقام فلكية لا يمكن حصرها في الخسائر المادية وحدها، والأخطر فقدان الأرواح وسبل العيش وتدمير النسيج الاجتماعي.
وهذه خسائر تراكمية وطويلة الأمد، تقود في كثير من الحالات إلى دمار مستدام يصعب تعويضه ويقوض فرص التنمية والاستقرار لعدة أجيال.
وأكد الدكتور التجاني على الحلول الممكنة لمعالجة تحديات الأمن المائي على المستوى العالمي، وضرورة تطوير بروتوكولات واتفاقيات دولية تحت رعاية الأمم المتحدة لتنظيم الاستفادة من الموارد المائية المشتركة، خصوصا مياه الأنهار العابرة للحدود، بما يحد من النزاعات ويضمن الاستخدام العادل والمنصف للمياه.
كما شدد على أن إدارة الموارد المائية المتكاملة تشكل أداة محورية تشمل بناء الخزانات والسدود، وتحسين كفاءة التخزين، وترشيد استخدام المياه في القطاعات المختلفة، بهدف تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد والحفاظ على استدامتها للأجيال القادمة.
وأضاف أن ذلك يتطلب التصدي لتحديات التصحر واختلال التوازن البيئي من خلال جهود دولية منسقة توفر الموارد المالية والفنية للدول النامية، بما يمكنها من تنفيذ سياسات فعالة في إدارة الأراضي والمياه واستعادة النظم البيئية المتدهورة.
وأشار إلى أهمية المساعدة في تطوير ونقل التقنيات الزراعية الحديثة، ولا سيما البذور المحصنة المقاومة للجفاف والملوحة، لتعزيز القدرة على التكيف مع التغير المناخي وتحقيق الأمن الغذائي.
كما نوه إلى أن هذه الجهود مجتمعة تدعم الاستدامة البيئية، وتحد من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وتعزز قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة المخاطر البيئية المتزايدة.
وبين أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة أن هذه التحديات تتطلب الانتقال العاجل من الاستجابات القصيرة الأمد إلى استراتيجيات مدروسة تمنع المزيد من الأضرار التي لا رجعة فيها، وتقلل الطلب على المياه، وتعيد توزيعه، وتحول القطاعات كثيفة الاستخدام للمياه إلى قطاعات منتجة. كما يجب التصدي للتلوث وعمليات السحب غير القانونية، وضمان انتقالات عادلة لأولئك الذين يتغير أسلوب حياتهم.
وتعد التحذيرات الأممية دعوة عاجلة لإعادة النظر في السياسات المائية العالمية، والانتقال من إدارة الأزمات إلى نهج وقائي قائم على حماية النظم البيئية وتعزيز التعاون الدولي، قبل أن يتحول الإفلاس المائي من إنذار علمي إلى واقع لا يمكن تداركه.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الأمن المائي لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح مرتبطا بجميع قطاعات الحياة، مما يستدعي تحركا عالميا عاجلا لإدارة الموارد المائية بشكل أكثر استدامة.
كما أن خطورة الإفلاس المائي لا تكمن فقط في نقص المياه بحد ذاته، بل في سلسلة الأزمات المتشابكة التي يولدها، من تفاقم الفقر والنزاعات والهجرة القسرية إلى تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي وتهديد قدرة الدول على تلبية احتياجات شعوبها الأساسية.
English
Français
Deutsch
Español