عمرة رمضان.. موسم لتعزيز التوازن النفسي والبناء الروحي
الدوحة في 25 فبراير /قنا/ بعد عودته من حجته، سأل النبي صلى الله عليه وسلم أم سنان الأنصارية عن سبب عدم حجها، فأجابته بأن لزوجها ناضحين (جملين لسقيا الماء) حج على أحدهما، وترك الآخر يسقي أرضا لهما، فقال النبي: "العمرة في رمضان تقضي حجة معي".
شقّ هذا الحديث، الذي يعظم ثواب العمرة في رمضان، طريقا معبدا بالأمل في جني الثواب والأجر، لدى من حرمته الظروف من أداء فريضة الحج، دون أن يسقط ذلك فريضة الحج على المكلف.
وعلى مدى قرون في مختلف الحقب الإسلامية، في حالتي القوة والضعف، دأب المسلمون على شد الرحال إلى مكة المكرمة لأداء عمرة رمضان، بحثا عما فيها من الثواب، وعملا بمقتضى الحديث النبوي لأم سنان.
وقد مثلت هذه العمرة، في هذا الزمن المخصوص، فرصة لأن يعيد جموع المعتمرين ضبط حياتهم النفسية والروحية والأخلاقية، وفق مقتضيات هذه الشعيرة، والمقاصد التي توزعها في النفس.
وفي هذا السياق، يقول د. نواف بن فهد العتيبي، الأخصائي الشرعي بمعهد الدعوة والعلوم الإسلامية في إدارة الدعوة والإرشاد الديني في وزارة الأوقاف، في حديث لوكالة الأنباء القطرية" قنا" ، إن للعمرة في رمضان فضيلة خاصة، وهي تكتنز بالثواب والأجر، كما أنها بغية كل مؤمن ومؤمنة.
ويلفت العتيبي إلى امتياز عمرة رمضان باجتماع قيمتي الزمان ممثلا بشهر الصيام، والمكان وهو الحرم، وهي خصيصة تضفي مزيدا من المهابة على هذه الشعيرة التي يتزاحم المسلمون لأدائها.
ويضيف الأخصائي الشرعي أن العمرة تقتضي من المعتمر حضوره القلبي، ونقاءه النفسي، بحيث يخلو عمله من الرياء أو المفاخرة.
ويرى أن العمرة قد تتحول، بين لحظة وأخرى، من مجلبة للثواب إلى ممحقة للعمل، من خلال دخول حب الشهرة أو المفاخرة في أثناء أدائها، مشيرا إلى أن ظاهرة التصوير والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي لأعمال العمرة، تُدخل الكثيرين في مظاهر الرياء، لأن هذا العمل يقتضي التجرد والخلوص للخالق، والرياء من معاول هدم واحدة من أعظم غايات هذه الشعيرة وهي تهذيب النفس وتقواها.
وجريا على نهج معرفة الشر والإشارة إليه طلبا لاتقائه، يركز العتيبي في حديثه على بعض الظواهر السلبية في العمرة، التي قد تفرغ هذه الشعيرة من مضمونها الشرعي والروحي وحتى الأخلاقي، إذ يشير إلى ظاهرة المزاحمة المؤذية في أثناء أداء الشعائر، وكذلك إلى الغضب الذي لا يتوافق مع ما ينبغي أن يكون عليه المعتمر في تلك البقاع المقدسة من إفراغ القلب من متعلقات الحياة وما تسببه من ميل أو شهوة أو غضب في غير مواضعها.
ووفق العتيبي، لا تحديد زماني دقيق في شهر رمضان يستحسن أداء العمرة فيه، ولكنه يستنتج من خلال فضل العشر الأواخر من هذا الشهر، أن العمرة فيها قد تفضل عما قبلها من الشهر نفسه، وذلك لفضل الليالي الأواخر.
ويرى الأخصائي الشرعي في وزارة الأوقاف، أن العمرة الحقيقية ليست حدثا زمانيا عابرا، بل هي تحول إيماني يورث المعتمر استقامة ظاهرا وباطنا، وتلهمه إعادة ضبط بوصلته في حياة ما بعد العمرة.
واعتبر العتيبي أن أي غياب لآثار العمرة في حياة المسلم بعد رجوعه من هذه الشعيرة، يعكس خللا في الإخلاص أوالحضور القلبي أوفي فهم الغاية التي شرعت من أجلها هذه الشعيرة.
ويعكس تزاحم المسلمين على أداء العمرة في شهر رمضان، استمرار نزعة التدين، واحتفاظ المسلمين بزخم العلاقة بالسماء، بما يضبط ميزان الأقوال والأعمال وفق المقاصد الشرعية المستنبطة من النصوص.
وعن هذا التزاحم على شعيرة العمرة، يتحدث عبدالعزيز المالكي صاحب إحدى حملات الحج في تصريح مماثل لـ/قنا/ ، قائلا إن العشر الأواخر من رمضان تشهد إقبالا على العمرة منقطع النظير، بسبب فضل هذه الليالي أولا، ولحصول كثير من الموظفين، فضلا عن طلاب المدارس، على إجازات ممتدة إلى ما بعد العيد ثانيا.
ويبين المالكي أن المعتمرين المسجلين في حملات العمرة في رمضان يغلب عليهم الطابع العائلي، إذ ينفر الأبوان مصطحبين معهم جميع أفراد الأسرة إلى مكة المكرمة لأداء هذه الشعيرة.
ويشير المالكي إلى أن الازدحام بشكل عام، صار سمة لازمة طوال أيام العام، قبل أن يستدرك بشأن المشاكل اللوجستية، وما يتعلق بكيفية تدفق الناس في المناسك بسلاسة، قائلا إن التنظيم لشعيرة العمرة بات محكما مع قرار منع دخول الحرم إلا للمعتمرين، لافتا إلى أن هذا الإجراء وفر مساحات داخل الحرم يمكن للمعتمرين أن يجدوا فيها مكانا لأداء الصلاة بشكل مريح.
ومن واقع خبرته في إدارة حملات العمرة، يؤكد المالكي على ضرورة اختيار أوائل أيام رمضان للاعتمار لمن يريد تجنب الازدحام، كما ينصح من نوى العمرة في الشهر الفضيل، أن يوطن نفسه على تحمل مشاق السفر، مستحضرا في ذهنه أن الأجر يكون على قدر المشقة.
ويقف العالم، في كل عام، مذهولا وهو يشاهد نفرة المسلمين فرادى وجماعات إلى مكة لأداء العمرة، ويتابع بحرا بشريا يتدفق في أروقة الحرم، متسائلا، ولا شك، عن سر هذه الطاقة الروحية العجيبة التي تدفع هذه الأعداد الغفيرة إلى تلك البقعة.
وقد أعلنت السعودية أن أكثر من 16 مليونا اعتمروا في رمضان العام 2025، وأن مجموع المعتمرين في العام كله فاق 122 مليون قاصد وزائر إلى الحرمين الشريفين.
وتهمس عمرة رمضان، من خلال هذه الجموع البشرية الكبيرة، في أذن العالم بحقيقة صلابة العلاقة بين الإنسان والسماء، علاقة يضبطها تشوف النفس الإنسانية لتحقيق الكمال الأخلاقي، عبر خريطة شعائرية ترسخ في النفس الانضباط، وتعزز الجانب الروحي بما يعين صاحبها على مواجهة أعباء النزعة المادية التي يتميز بها العصر الحديث.
في رمضان ينفر ملايين المسلمين من أصقاع المعمورة، ليلتقوا في واد غير زرع، فتشحن القلوب والنفوس برقائق إيمانية، لتحيل المعتمر إلى إنسان أكثر توازنا نفسيا، وأوفر طمأنينة في داخله، وهي محصلة تصب في خدمة المجتمع المسلم الذي يتغذى أمنه وطمأنينته من نبع الأحكام والشعائر، ومن تحقق مقاصدها الشرعية واقعا معاشا.
English
Français
Deutsch
Español