اقتصاد المعرفة في قطر.. استراتيجية التحول وتعزيز التنافسية العالمية
الدوحة في 25 فبراير /قنا/ يشهد اقتصاد دولة قطر تحولا استراتيجيا متسارعا من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى نموذج اقتصادي قائم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا، في انسجام واضح مع أهداف رؤية قطر الوطنية 2030، التي تضع التنويع الاقتصادي وتعزيز التنافسية العالمية في صدارة أولوياتها.
ويعكس هذا التحول إدراكا متناميا لأهمية رأس المال البشري والتقدم العلمي بوصفهما محركين رئيسيين للنمو المستدام في عالم يشهد تغيرات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة.
ويقوم اقتصاد المعرفة على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وتطوير المهارات الوطنية، وبناء بنية تحتية رقمية متقدمة، إلى جانب دعم الابتكار وريادة الأعمال، بما يسهم في خلق قيمة اقتصادية مضافة تتجاوز الموارد التقليدية.
وفي هذا الإطار، عملت قطر على إطلاق سياسات وبرامج تهدف إلى تمكين الكفاءات الوطنية، واستقطاب التقنيات الحديثة، وتعزيز الشراكات الدولية مع كبرى الشركات العالمية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
وقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر بوضوح من خلال تحسن مؤشرات الأداء الدولية، لا سيما في مجالات الحكومة الرقمية والابتكار، ما يعكس تقدم الدولة في بناء اقتصاد معرفي متكامل يدعم التنمية الشاملة، ويعزز مكانة قطر على الخريطة الاقتصادية العالمية.
وتأكيدا على ما سبق، جاءت دولة قطر ضمن الدول العشرين الأوائل عالميا في مؤشر التنافسية الرقمية العالمي لعام 2025 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية.
وبذلك تقدمت قطر من المركز السادس والعشرين في عام 2024 إلى المركز العشرين في عام 2025، ليؤكد على التطور المتواصل الذي تشهده الدولة في ظل رؤية قطر الوطنية 2030، واستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة (2024 - 2030)، اللتين تضعان التحول الرقمي والابتكار في صميم التنمية المستدامة للدولة.
ويعكس هذا التقدم المستمر التزام الدولة بمسيرتها نحو بناء اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة والابتكار.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور هاشم السيد الخبير المالي والاقتصادي، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية " قنا"، أن دولة قطر تعتمد على أربع ركائز أساسية في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وهي: رأس المال البشري، والبنية التحتية الرقمية، والبيئة التنظيمية الداعمة، وتوفر عدد كاف من حاضنات ومسرعات المشاريع الابتكارية.
ولفت إلى أن دولة قطر بذلت جهودا كبيرة لإرساء تلك الركائز في إطار مساعيها لبناء اقتصاد قوي قادر على دعم المسيرة التنموية لمختلف الصناعات مستقبلا.
ونوه بتكامل نظام التعليم في قطر مع أهداف اقتصاد المعرفة عبر تحديث المناهج لتركز على المهارات الحديثة مثل: البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني.
كما أشار السيد إلى أن وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي تهدف إلى تحويل المدارس لمختبرات ابتكار وتعزيز جودة التعليم العالي من خلال الجامعات الوطنية واستقطاب مجموعة من الجامعات العالمية المرموقة التي تشكل إضافة قوية لمسيرة التعليم في دولة قطر، فضلا عن مراكز ومعاهد البحوث، مما يؤهل أجيالا قادرة على قيادة اقتصاد متنوع ومستدام.
وأوضح أن حاضنات ومسرعات الأعمال تعد محركات أساسية في اقتصاد المعرفة؛ إذ تهيئ بيئة مثالية لرواد الأعمال لتحقيق طموحاتهم، حيث تمهد الطريق لتحويل الأفكار إلى مشروعات ناجحة قادرة على النمو والاستدامة، وذلك من خلال توفير حزمة من الخدمات للشركات الناشئة مثل الدعم الفني والإداري، والتمويل وشبكات الاستثمار، وتسريع الوصول إلى السوق، ونشر ثقافة ريادة الأعمال، والإرشاد لتحويل الأفكار المبتكرة إلى مشاريع مستدامة.
وبين الخبير المالي والاقتصادي أن هذه الكيانات تساهم في تقليل المخاطر، وتسريع النمو، وربط المبتكرين بالموارد، مما يعزز التنافسية والابتكار التكنولوجي داخل الاقتصاد، الأمر الذي يجعل الحاضنات منصة فريدة لنجاح المشروعات وتهيئ بيئة مثالية لرواد الأعمال لتحقيق طموحاتهم.
وشدد على أن دولة قطر تعمل على مواكبة كل التطورات الحاصلة في المجال الرقمي، حيث عززت قطر في السنوات الأخيرة مكانتها كمركز عالمي للتكنولوجيا الناشئة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، من خلال دفع عجلة الابتكار الرقمي في مختلف القطاعات.
وأضاف أن أعمال النسخة الثالثة من قمة الويب قطر 2026 شهدت مشاركة قياسية في عدد المشاركين من أنحاء العالم، تجاوزت 30 ألف شخص من 127 دولة، بزيادة نحو 18 في المئة عن عدد المشاركين في النسخة الماضية، ومشاركة قرابة ألف مستثمر، و1637 شركة ناشئة، 38 بالمئة منها أسستها سيدات.
وسجلت نسخة هذا العام زيادة قدرها 27 بالمئة في عدد المستثمرين المشاركين في فعاليات الحدث العالمي.
وبلغ عدد مذكرات التفاهم التي جرى توقيعها خلال القمة 77 مذكرة تفاهم، بين المؤسسات القطرية وأبرز شركات التكنولوجيا العالمية؛ بهدف تعزيز الابتكار وريادة الأعمال في قطر، مما يعكس مدى تقدم منظومة ريادة الأعمال الوطنية، وقدرتها على تقديم حلول مبتكرة ذات بعد عالمي، مستندة في ذلك على التشريعات الداعمة، والبنية التحتية الرقمية المتقدمة، والتكامل بين القطاعين العام والخاص، بما يترجم مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 إلى فرص نمو مستدامة.
وتابع السيد قوله: إن برنامج " ابدأ من قطر - Startup Qatar" الاستثماري، الذي أطلقته وكالة ترويج الاستثمار عام 2024، له دور كبير في استقطاب الشركات الناشئة والعالمية، وتقديم نموذج متقدم لبيئة أعمال تجمع بين المرونة التشريعية والحوافز الاستثمارية، والدعم المؤسسي تحت مظلة واحدة، كما يعد إحدى المبادرات الاستراتيجية لدعم مساعي الدولة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة.
وحول أهمية البنية التحتية الرقمية في تعزيز تنافسية قطر على المستوى الدولي، رأى الدكتور هاشم السيد، الخبير المالي والاقتصادي، أن دولة قطر تحتل مكانة متقدمة في مجموعة الدول المتجهة نحو التحول الرقمي، وتستند قطر في ذلك إلى بنية تحتية رقمية قوية تجعل منها مركزا تكنولوجيا عالميا رائدا وتحقيق التميز في عصر الابتكار الرقمي.
وقال: إن قطر تفخر اليوم بتطور كبير في البنية التحتية الرقمية، حيث تغطي تقنيات الجيل الخامس (5G) ما يزيد عن 96% من السكان، وتمتد شبكات الألياف الضوئية لتشمل قرابة 99% منهم. وينعكس ذلك في استقطاب العديد من الشركات التكنولوجية الكبرى على الصعيد العالمي. ورأينا كيف تستضيف دولة قطر الفعاليات الدولية الكبيرة ومنها بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022 لكرة القدم التي أبهرت العالم بتقدمها التكنولوجي وتحدياتها الرقمية.
وأشار إلى أن قطر تعمل على معالجة التحديات التي تواجه تطوير البنية التحتية الرقمية لمواكبة التقنيات الحديثة، وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي وعالمي سريع النمو في مجالي التكنولوجيا والابتكار، وبيئة جاذبة ورائدة في تكنولوجيا الأمن السيبراني، بدعم من رؤية قطر الوطنية 2030، واستثمارات كبيرة، وبنية تحتية رقمية متقدمة.
كما تستقطب قطر الشركات العالمية عبر مناطق حرة توفر طاقة بأسعار تنافسية، إلى جانب استثمارات واسعة لدعم الشركات الناشئة وتسريع التحول الرقمي.
وحول السياسات أو الإصلاحات المطلوبة لتعزيز الابتكار وتحقيق المزيد من التنويع الاقتصادي، قال السيد: يتطلب تعزيز الابتكار ترسيخ ثقافة الإبداع، وتطوير التعليم والبحث العلمي والتدريب، وتحديث الأطر القانونية لجذب الاستثمار، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، التوسع في الاستثمار بالبحث والتطوير، والاستدامة في إدارة الموارد الطبيعية.
ونوه إلى أن هذه الإجراءات تهدف إلى تقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية، وخلق المزيد من الفرص الاستثمارية وتحقيق الاستدامة والتنوع الاقتصادي.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي المهندس عبد الرحمن اليافعي، في تصريح مماثل لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن دولة قطر تراهن على الإنسان في إطار بناء اقتصاد قائم على المعرفة، معتبرا أن الهدف هو الانتقال من الاعتماد على "ما نملكه في الأرض" من موارد طبيعية إلى "ما نملكه في العقول".
وشدد على أن التعليم هنا لم يعد مجرد شهادات، بل أصبح يركز على مهارات المستقبل، مضيفا أنه من خلال الشراكات مع جامعات عالمية، يتم تدريب الطلاب على التفكير النقدي، وريادة الأعمال، والتكنولوجيا، حتى يتخرج الطالب وهو قادر على خلق فرصة عمل لنفسه ولغيره، وليس فقط انتظار وظيفة تقليدية.
وحول دور حاضنات الأعمال، وهي برامج مصممة لدعم الشركات الناشئة ورواد الأعمال في مراحلهم الأولى، ودورهم في دعم الشركات الناشئة، أوضح أنها توفر للشباب المبدع التمويل، والمكاتب، والأهم من ذلك الخبرة.
وأضاف أنه بدل أن يبدأ صاحب الفكرة من الصفر ويخاطر بالفشل، تأخذ هذه الحاضنات بيده لتقليل المخاطر وتحويل فكرته من مجرد تصميم على ورق إلى شركة حقيقية تنافس في السوق.
ولفت إلى أن دولة قطر تسهم في جذب الاستثمارات الدولية في قطاعات التكنولوجيا، من خلال تقديم باقة مغرية للمستثمر الأجنبي؛ فالمناطق الحرة تسمح بالتملك الكامل بنسبة 100%، وهناك إعفاءات ضريبية طويلة الأمد، وبيئة قانونية آمنة، وهذا يجعل قطر نقطة انطلاق مثالية للشركات العالمية التي تريد التوسع في المنطقة.
وأشار اليافعي إلى أن قطر توفر لشركاتها شبكات إنترنت فائقة السرعة بتقنية الجيل الخامس (5G) وتقنيات سحابية متطورة، ما يتيح للشركات العاملة فيها تقديم خدماتها إلى العالم بسرعة وكفاءة عاليتين، ويجعل من قطر وجهة جاذبة للشركات التقنية الكبرى مقارنة بغيرها.
كما أوضح أن التحدي الأكبر لا يكمن في "الأجهزة" بقدر ما يتمثل في "العنصر البشري"، مؤكدا الحاجة المستمرة إلى تحديث المهارات لمواكبة التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن التكاليف المرتفعة للأمن السيبراني لحماية البنية التحتية من الاختراقات تمثل تحديا دائما يتطلب استثمارات كبيرة ويقظة مستمرة.
وبين أن دولة قطر سجلت تقدما ملحوظا في مؤشرات الحكومة الإلكترونية والابتكار العالمي، ما يعكس نجاحها في تسهيل الخدمات وتعزيز كفاءتها، فعندما تنجز المعاملة عبر الهاتف في دقائق، فإن ذلك يوفر الوقت والجهد ويدعم الاقتصاد.
واعتبر هذا التقدم بمثابة "شهادة ثقة" دولية تعزز ثقة المستثمرين، وتؤكد أن قطر دولة حديثة ومنظمة توفر بيئة آمنة للاستثمار والعمل.
وفيما يتعلق بتأثير هذا الاقتصاد على جودة الحياة، أكد أن الأثر لا يقتصر على المؤشرات المالية، بل يتجلى في إيجاد وظائف جديدة للشباب، وتحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية عبر التكنولوجيا، وزيادة عدد براءات الاختراع. فإذا تحققت هذه الجوانب، فإن اقتصاد المعرفة ينعكس بصورة مباشرة على رفاهية المواطن والمقيم.
وخلص إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في "ثقافة التغيير"، إذ إن الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد قائم على الابتكار يحتاج إلى وقت لتغيير الذهنية الاستثمارية والوظيفية.
كما أشار إلى شدة المنافسة العالمية على استقطاب المواهب، ما يتطلب تعزيز مكانة قطر كوجهة مفضلة للمبدعين، مع ضرورة تشجيع القطاع الخاص على زيادة الإنفاق على البحث والتطوير بدلا من الاعتماد على الحكومة فقط، مؤكدا أهمية استمرار مرونة القوانين التي تتيح استقطاب الكفاءات المتميزة من مختلف أنحاء العالم للعيش والعمل في قطر.
English
Français
Deutsch
Español