الجامع العمري الكبير.. ذاكرة بيروت الإيمانية عبر العصور
بيروت في 23 فبراير /قنا/ في قلب بيروت، حيث تتعانق الأزقة القديمة مع نبض المدينة الحديثة، ويرتفع الأذان ممتزجا بأصوات الحياة اليومية، ينتصب الجامع العمري الكبير شامخا كصفحة مفتوحة من كتاب التاريخ، تفوح من أروقته روحانية المكان، وتنبض في جدرانه حكايات قرون تعاقبت عليها حضارات وأمم، ليبقى شاهدا حيا على هوية العاصمة الدينية والحضارية، ومعلما راسخا في وجدان أهلها.
هذا الصرح العريق الذي تشير المصادر التاريخية إلى أنه بني عام 14 هـ الموافق 635 م، في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء تأسيسه عقب الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام، حين دخل المسلمون هذه الديار فأنشأوا المسجد ليكون مركزا للعبادة والعلم والدعوة.
ولم يكن الموقع عاديا في تاريخه؛ فقد أقيم المسجد على أنقاض معبد روماني قديم، كان مخصصا لعبادة الشمس، في دلالة على التحول الحضاري والعقائدي الذي شهدته المنطقة مع بزوغ فجر الإسلام.
ومع تعاقب العصور، عرف الجامع تحولات جسدت مسيرة التاريخ في لبنان. ففي زمن الحملة الصليبية الأولى في القرن الثاني عشر، حول المسجد إلى كاتدرائية، قبل أن يسترده المسلمون في العهد المملوكي عام 1291م بعد تحرير بلاد الشام، ليعود مسجدا تقام فيه الشعائر الإسلامية. ومنذ ذلك الحين، ظل الجامع العمري الكبير يؤدي رسالته الدينية، رغم ما مر به من أحداث جسام وتقلبات سياسية وعسكرية.
ومع حلول شهر رمضان المبارك، يستعيد الجامع دوره الروحي بأبهى صوره، فتتزين أروقته بالمصلين، وتصدح جنباته بتلاوة القرآن الكريم، وتقام فيه صلاة التراويح والدروس الدينية والندوات الروحية. وفي ليالي الشهر الفضيل، يتحول المسجد إلى ملتقى إيماني جامع، يجتمع فيه الكبار والصغار، وتتعانق فيه الدعوات في أجواء تعبق بالسكينة والخشوع.
وفي تصريح خاص، أكد الشيخ محمود العكاوي إمام وخطيب الجامع العمري الكبير أن شهر رمضان شهر عظيم مبارك، يصوم فيه المسلمون نهاره ويقومون ليله، مستشهدا بقوله تعالى ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان))، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم "أحب البقاع إلى الله المساجد".
وأضاف أن هذا المسجد المبارك، الذي سمي تيمنا بسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ظل عبر العصور منارة للعبادة والعلم، تقام فيه الصلوات الخمس وخطبة الجمعة والمناسبات الدينية، ويشهد خلال رمضان نشاطا واسعا يعكس عمق ارتباط أهل بيروت بمساجدهم وتراثهم.
وأوضح الشيخ العكاوي أن المسجد بني عقب الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام، وأنه مر بمراحل تاريخية متعددة، إلا أنه بقي بفضل الله تعالى صامدا تقام فيه الشعائر الإسلامية حتى يومنا هذا. وأشار إلى أن الجامع شهد تحويله من معبد روماني إلى مسجد، ثم إلى كاتدرائية في زمن الصليبيين، قبل أن يستعيده المسلمون في العهد المملوكي، ليبقى رمزا لاستمرارية الهوية الإسلامية في المدينة.
ويعد الجامع العمري الكبير من أقدم دور العبادة في لبنان، بل من أعرق الأبنية الأثرية القائمة في بيروت حتى اليوم. وقد تعاقبت عليه أسماء عدة؛ ففي العهد المملوكي عرف باسم "جامع فتوح الإسلام"، وفي العهد العثماني سمي "جامع النبي يحيى"، نسبة إلى المقام المنسوب للنبي يحيى عليه السلام داخل المسجد، إلى أن استقر اسمه الحالي تكريما للخليفة عمر بن الخطاب.
وشهد الجامع مراحل عمرانية متعاقبة تعكس اهتمام الحكام عبر العصور به. فقد بني مدخل الجامع وأضيفت إليه مئذنة على الطراز المملوكي عام 1350م، كما أنشأ موسى ابن الزيني المئذنة في عهد الأمير الناصر محمد بن الحنش عام 914هـ. وفي عهد حاكم بيروت أحمد باشا الجزار عام 1183هـ، أنشئ الصحن الخارجي، بينما أنشأ السلطان عبد الحميد الغازي القفص الحديدي داخل الجامع المنسوب لمقام النبي يحيى، وأنشأ المنبر القديم عام 1305هـ.
وخلال فترة الانتداب الفرنسي على لبنان، أعيد تصميم واجهة المسجد بإضافة رواق معمد، ودمج مدخله الرئيسي مع الصف الجديد لشارع المعرض، في خطوة عمرانية عكست التحولات التي شهدتها المدينة آنذاك. كما شهدت أعوام 1952 و1954 و1960 أعمال تجديد شملت السقوف وترميما عاما ونقوشا أندلسية، بإشراف مديرية الأوقاف الإسلامية العامة في بيروت وبمساهمة دار الآثار اللبنانية.
ولم يسلم الجامع من أضرار الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، إذ تضرر ضررا بالغا، قبل أن يعاد ترميمه عام 2004 بأسلوب حافظ على أصوله التاريخية، مع بناء مئذنة ثانية في الزاوية الشمالية الغربية، وإنشاء فناء جديد مدعم بالأعمدة تحت المسجد، ليعود أكثر إشراقا محافظا على هويته المعمارية والتاريخية.
وما يميز جدران الجامع نقوش بيزنطية وأخرى عربية، تروي فصولا من تاريخه الطويل، وتكشف عن تداخل الفنون والحضارات في بنائه. وكان في المسجد مكتبة عرفت بالمكتبة العمرية، شكلت مركزا للعلم والمعرفة، وأسهمت في تخريج مئات العلماء والفقهاء الذين كان لهم دور بارز في نشر العلم في بيروت ومحيطها.
ويلي الجامع العمري الكبير في القدم جامع الإمام الأوزاعي، ما يعزز مكانته كأحد أقدم المعالم الإسلامية في العاصمة. ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن هذا الجامع يعد من أقدم الأبنية الأثرية التي ما تزال قائمة على حالها في بيروت حتى اليوم.
وهكذا، يبقى الجامع العمري الكبير، خاصة في ليالي رمضان، محرابا عامرا بالذكر، ومنارة للعلم، وملتقى للأجيال، يحمل في حجارته ذاكرة المدينة، وفي ساحاته روح الإيمان. وبين جدرانه التي شهدت تحولات القرون، يستمر صوت الأذان شاهدا على أن بيروت، رغم ما مرت به من عواصف، ما زالت تحتفظ بقلب نابض بالإيمان والتاريخ.
English
Français
Deutsch
Español