الإسراف في رمضان.. بين روحانية العبادة والمسؤولية الاقتصادية والبيئة
الدوحة في 23 فبراير /قنا/ يعد شهر رمضان المبارك فرصة لتعزيز قيم الاعتدال والتوازن والتكافل وضبط النفس، غير أن هذا الشهر يشهد تبايننا لافتا على أكثر من صعيد، حيث يشهد ارتفاع معدلات الاستهلاك في مختلف المجالات، خاصة في المواد الغذائية، والطاقة، والمياه، فبدل أن يكون رمضان شهر الاقتصاد والاعتدال، يتحول لدى بعض الأسر إلى موسم للإفراط والإنفاق الزائد.
ويتنافى الإسراف في الاستهلاك خلال شهر رمضان مع جوهر الصيام القائم على تهذيب النفس وتعزيز قيم التضامن أما من الناحية البيئية، فإن هذا الاستهلاك المفرط يفاقم مشكلات النفايات، ويزيد من الضغط على الموارد الطبيعية، ويسهم في ارتفاع البصمة الكربونية، مما ينعكس سلبا على البيئة والمجتمع.
وفي هذا السياق حذر خبراء من العواقب السلبية لارتفاع فاتورة الاستهلاك غير الرشيد على الأسر وموازناتها خلال شهر رمضان الفضيل، مشيرين إلى ضرورة التقييد بسلوكيات تساهم في تحقيق المقاصد الحقيقية من فرض شعيرة الصيام.
وأشار خبراء استطلعت وكالة الأنباء القطرية "قنا" آراءهم إلى أن الاستهلاك المرتفع في شهر رمضان المبارك لم يعد مقتصرا على الغذاء فحسب، بل بات ظاهرة شاملة تمتد إلى مختلف أنماط الحياة اليومية، من استهلاك الطاقة والمياه، إلى الإقبال المتزايد على الشراء، والإنفاق غير المخطط، في مفارقة لافتة مع القيم الروحية التي يفترض أن يكرسها الشهر الفضيل.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور سيف بن علي الحجري رئيس مركز حماة الطبيعة تحول رمضان لدى شريحة من المجتمع إلى موسم استهلاك مكثف بدل أن يكون محطة للمراجعة والترشيد، موضحا أن التركيز على هدر الطعام رغم أهميته لا يعكس الصورة الكاملة لحجم المشكلة.
ونوه إلى تضاعف الاستهلاك في رمضان في أكثر من جانب، والطعام ليس سوى الجزء الأكثر وضوحا من ظاهرة أوسع تشمل الطاقة والمياه والسلع وحتى الوقت، معتبرا الغذاء المؤشر الأكثر وضوحا على تفاقم الاستهلاك خلال الشهر الفضيل، حيث تشير الأرقام إلى أن نسب هدر الطعام تتراوح بين 30 و50 بالمئة من إجمالي الطعام المعد في المنازل والفنادق والمطاعم.
وأشار الدكتور الحجري إلى أن متوسط الهدر الفردي في قطر خلال رمضان يفوق المعدلات العالمية، مؤكدا أن هذه الأرقام تعكس خللا في ثقافة الاستهلاك والتخطيط الغذائي، لا سيما مع التوسع في الولائم والعزائم الرمضانية، وارتفاع الطلب على الوجبات الجاهزة.
وأبرز رئيس مركز حماة الطبيعة، أن استهلاك الطاقة والمياه خلال شهر رمضان لا يقل أهمية عن هدر الغذاء، حيث تشهد المنازل ارتفاعا في معدلات استخدام الكهرباء بسبب كثرة الطهي، وتشغيل الأجهزة المنزلية لساعات أطول، إلى جانب زيادة استهلاك المياه المرتبطة بإعداد الطعام والتنظيف.
وأوضح أن هذه الزيادة غالبا ما تمر دون إدراك حقيقي لتأثيراتها رغم انعكاسها المباشر على الضغط على الموارد الطبيعية وارتفاع البصمة البيئية، مشددا على أن ترشيد الطاقة والمياه لا يقل قيمة دينية وأخلاقية عن ترشيد الطعام.
كما بين أن الاستهلاك في رمضان يمتد ليشمل السلع غير الغذائية، حيث تشهد الأسواق والمجمعات التجارية إقبالا متزايدا على الشراء، مدفوعا بالعروض الترويجية والمواسم الاستهلاكية المرتبطة بالشهر الفضيل، حيث يعكس هذا النمط من الإنفاق ثقافة استهلاكية موسمية لا تستند إلى الحاجة الفعلية بل إلى دوافع اجتماعية ونفسية، محذرا من آثاره الاقتصادية على الأسر، خاصة مع تزايد الالتزامات المالية خلال رمضان وما يليه.
وفي بُعد أقل تداولا، أشار الدكتور سيف بن علي الحجري إلى أن هدر الوقت يعد شكلا آخر من أشكال الاستهلاك غير الرشيد في رمضان، حيث يطغى الانشغال بالتحضير والاستهلاك على حساب جوهر الشهر القائم على العبادة والتأمل والتكافل، مؤكدا أن إدارة الوقت تمثل عنصرا أساسيا في تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة اليومية وروحانية الشهر الكريم.
وحول الأسباب الجذرية لارتفاع الاستهلاك بمختلف أشكاله، اعتبر الحجري أنها تعود إلى ترسخ بعض العادات الاجتماعية التي تربط الوفرة بالمكانة الاجتماعية، وضعف التخطيط على مستوى الأسر والأفراد، والتأثير الإعلاني والتجاري خلال شهر رمضان، ومحدودية الوعي بالآثار البيئية والاقتصادية طويلة المدى.
وأكد الدكتور سيف بن علي الحجري أن دولة قطر تبذل جهودا متواصلة لتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول من خلال استراتيجية قطر الوطنية للأمن الغذائي، وبرامج الحد من الهدر، إلى جانب المبادرات البيئية والمجتمعية التي تستهدف ترسيخ مفاهيم الاستدامة، لافتا إلى أن المبادرات الخيرية والتطبيقات الذكية والشراكات مع القطاع الخاص تمثل نماذج عملية للتعامل مع فائض الاستهلاك، إلا أن نجاحها يظل مرتبطا بتغيير السلوك الفردي.
ودعا إلى إعادة تعريف العلاقة مع الاستهلاك خلال شهر رمضان، مشددا على أن الترشيد لا يعني التقليل من الكرم، بل توجيهه في مساره الصحيح، لاسيما أن "رمضان فرصة لممارسة الوعي لا لمضاعفة الاستهلاك، وكل مورد نحافظ عليه اليوم هو حق للأجيال القادمة".
واعتبر أن بناء مجتمع مستدام يبدأ من قرارات يومية بسيطة تتعلق بما نشتريه وما نستهلكه وما نهدره، مشددا على أن روح رمضان الحقيقية تكمن في التوازن، لا في الإفراط.
بدوره، يرى الدكتور عمر خليف غرايبة أستاذ المالية في كلية الأعمال جامعة آل البيت من الأردن، في تصريحات خاصة لـ"قنا"، أن شهر رمضان تحول إلى ظاهرة استهلاكية موسمية فريدة في المجتمعات الإسلامية، تمتد تأثيراته إلى الموارد الأساسية مثل المياه والطاقة، إضافة إلى السلوك الاستهلاكي للسلع والخدمات، حيث تشير تقديرات ميدانية إلى ارتفاع الطلب على المواد الغذائية بنسبة قد تصل إلى ما بين 50% و100% في بعض الأسواق خلال الشهر، مع تزايد الهدر الغذائي بشكل ملحوظ.
ونوه إلى تقديرات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" بأن نحو 1.3 مليار طن من الطعام يهدر سنويا، ويبرز رمضان كمثال على هذا التحدي الموسمي الذي يعكس فجوة بين القيم الروحية للاقتصاد في الرغبات والواقع العملي للمجتمعات، لافتا إلى تحول الشهر الفضيل أحيانا إلى موسم استهلاكي مدفوع بالعادات الاجتماعية والدعاية والإعلانات، إذ يصبح التسوق هدفا قائما بذاته، ويزداد الإنفاق قبل الإفطار نتيجة للجوع والتحفيز النفسي، هذا التحول النفسي والاجتماعي يعكس المفارقة الأساسية: الصوم شهر ضبط الرغبات، لكنه في الواقع يشهد استفحال الاستهلاك المفرط والهدر، مما يضع ضغوطا على الموارد المنزلية والاقتصاد العام.
وأبرز الهدر الاستهلاكي يرتبط، بالإضافة إلى الأبعاد الاقتصادية، بتحديات بيئية ملحوظة: استنزاف المياه والطاقة، وزيادة المخلفات العضوية، وارتفاع الانبعاثات الكربونية، فضلا عن تأثير الإفراط في الاستهلاك على الصحة الفردية، حيث يحذر خبراء التغذية من الإفراط في الحلويات والمأكولات الدسمة وسوء تنظيم النوم، ما يعكس أن القصور في إدارة الموارد يمتد من المجتمع إلى الجسد نفسه.
وقال غرايبة "يصبح رمضان هنا اختبارا متكاملا لإدارة الذات والموارد، على المستوى الفردي والمجتمعي، وربط القيم الروحية بالمسؤولية الواقعية. من منظور استراتيجي توضح الظاهرة فجوة القيم المعلنة مقابل السلوك الفعلي"، مشددا على ضرورة ألا يكون رمضان مجرد مناسبة للطعام الفاخر أو المباهاة الاجتماعية، بل فرصة لتعزيز الاعتدال والانضباط في الموارد الشخصية والعامة، وإشراك المجتمعات في سلوكيات مستدامة تقلل من الهدر وتدعم الأمن الغذائي، وعندها لا تكون الحلول فردية فقط، بل تتطلب سياسات عامة تشجع الاستهلاك الرشيد وإعادة الاستخدام والتبرع بما لا يستهلك.
إن معالجة ظاهرة الإسراف في رمضان تتطلب وعيا مزدوجا، دينيا يعيد للصيام معناه الحقيقي القائم على القصد والاعتدال، ووعيا اقتصاديا بيئيا يدرك أثر السلوك الفردي على استدامة الموارد. فالتوازن بين البعد الروحي والمسؤولية البيئية هو السبيل لجعل رمضان شهر عبادة حقيقية وتنمية مستدامة في آن واحد.
English
Français
Deutsch
Español