رمضان في الأردن.. أجواء استثنائية بطقوس دينية واجتماعية فردية توارثتها الأجيال
عمان في 20 فبراير /قنا/ أجواء استثنائية يعيشها الأردن مع حلول شهر رمضان المبارك، تتداخل فيها الطقوس الدينية مع العادات الاجتماعية المتوارثة، في مشهد يعكس خصوصية الشهر الفضيل كما عرفه الأردنيون جيلا بعد جيل.
ومع بدء تعليق زينة رمضان، وتلألؤ أنوار الفوانيس على شرفات بيوت عمان القديمة، يدخل الشهر الكريم المشهد اليومي للأردنيين بوصفه حكاية لقاء متجددة، تمتزج فيها ملامح الماضي بروح الحاضر، في صورة تعكس استمرارية الذاكرة الجماعية رغم تغير الزمن.
وخلال الشهر الفضيل، لا تبقى الطقوس الرمضانية مجرد عادات موروثة، بل تتحول إلى مساحة تفاعل حي بين الأجيال، يروي فيها كل جيل قصته بلغته الخاصة، ويجتمع الجميع عند لحظة واحدة يختزلها صوت المدفع، قبل أن يلتفوا حول مائدة الإفطار في طقس يجمع بين البساطة والدفء.
وتستعيد الحاجة أمينة العايد ذكريات رمضان أيام زمان، وهي تحكي لأحفادها الذين تجمعوا حولها قائلة: "كان رمضان مدرسة كاملة"، مؤكدة أن الصوم لم يكن امتناعا عن الطعام والشراب فحسب، بل كان صوما عن الضجيج أيضا، حيث كانت السكينة تخيم على الحارة قبل أذان المغرب بساعة كاملة، ولا يسمع سوى أصوات الصبية وهم يعدون موائد إفطار بسيطة لنقلها إلى الصائمين في المسجد.
وأضافت الحاجة أمينة العايد أن المدفع القديم غاب وحلت مكانه نغمة الهاتف، كما اختفت جلسات السمر بعد صلاة التراويح تحت السماء المرصعة بالنجوم، لتحل محلها الشاشات، إلا أن صوت الأذان بقي كما هو، وبقيت فرحة الطفل بالفانوس كما كانت، إلى جانب كثير من التفاصيل التي لم تتغير رغم تبدل الوسائل.
وأكدت حرصها على إشراك حفيداتها الصغيرات في إعداد خبز الرقاق على الصاج القديم، وصناعة القطايف المحشوة بالجوز، وتحضير قهوة ما بعد الإفطار، مشيرة إلى أن جميع أنواع الطعام باتت متاحة للطلب عبر الهواتف الذكية، غير أن مذاق الأطعمة المعدة في المنزل يظل مختلفا، لأنه يحمل روح المشاركة والذاكرة.
من جهته، قال الشاب وسام الحسن إن شكل المجالس قد تغير، لكن جوهرها ما زال قائما، وإنه بات بحاجة إلى وسيط جديد، الأمر الذي دفعه إلى تصميم تطبيق تفاعلي لختمة قرآنية رمضانية جماعية تحت اسم «ختمة عمان»، يربط بين مئات المستخدمين لختم القرآن معا، ويتضمن محاضرة قصيرة يومية حول المعاني، موضحا: "نستخدم التكنولوجيا لصناعة مساحة هادئة نعيد فيها مركزية الروح".
وأشار وسام الحسن إلى أن التبرعات أصبحت أسرع وأكثر شفافية عبر منصات التحويل الإلكتروني، ما يتيح وصول زكاة الفطر وصدقات السر إلى مستحقيها بوقت قياسي، مؤكدا أن الحداثة ليست نقيضا للموروث، بل يمكن أن تكون وسيلة للحفاظ عليه ونقله.
بدورها، قالت الشابة ليان الشريف إنها بدأت بإعداد قائمة "تحديات رمضان" الخاصة بها، موضحة أنها تستقبل الشهر الفضيل بكل حماسة، في ظل إيقاع حياة سريع يمتلئ بالواجبات العائلية والأنشطة الاجتماعية وجلسات الأصدقاء.
ولفتت ليان، التي تعمل معلمة، إلى مشاركتها في تنظيم مبادرة "إفطار صائم"، حيث يتوجه المشاركون إلى مراكز الأيتام لإقامة ورشات رسم وقراءة للأطفال، في محاولة لإضفاء بعد إنساني إضافي على الشهر الكريم.
وأكدت أن صورة رمضان في الأردن تتجلى بوضوح في قلب العاصمة عمان، فبالقرب من المسجد الحسيني تتعالى أصوات المصلين بالتهليل، فيما تدار عبر التطبيقات حملات إغاثية واسعة تصل إلى أبعد مخيم وأقصى قرية نائية، لتكتمل بذلك ملامح طقس رمضاني أردني خاص، يجمع بين الأصالة والتجدد.
English
Français
Deutsch
Español