المائدة الرمضانية في غزة.. أكلات شعبية تقاوم التغييب والاندثار بعد عامين من الحرب
غزة في 19 فبراير /قنا/ على أنقاض المنازل المدمرة، وبين الخيام المهترئة، يستقبل سكان قطاع غزة شهر رمضان المبارك للمرة الثالثة على التوالي منذ بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع في السابع من أكتوبر 2023، لكن الأمل يحدوهم هذا العام في أن يعم الخير والسلام خلال الشهر الكريم بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، رغم أن الظروف على الأرض لم تتغير كثيرا بسبب استمرار المعاناة الإنسانية جراء الحصار الإسرائيلي وعدم السماح بإدخال ما يكفي من المساعدات.
وكغيرهم من المسلمين، يستقبل سكان قطاع غزة شهر رمضان بالعبادات والقربات، مثل الصلوات وتلاوة القرآن الكريم، فيما تحرص النساء الفلسطينيات، وربات البيوت على تنويع المائدة الرمضانية بأشهر الأطباق والمأكولات والمشروبات والحلويات الفلسطينية التي تعبّر عن عراقة وأصالة المطبخ الفلسطيني، يضاف لها ما يستحدث من أطعمة ومأكولات جديدة لتنوع المائدة الرمضانية وكسر الطابع الروتيني لوجبات الأيام العادية.
وللمواطن الغزي عادات غذائية وأطعمة وطبخات لا تغيب عنه ولا يستغني عنها خلال الشهر الفضيل، لكن العدوان الإسرائيلي وتأثيراته، وقلة الأطعمة وارتفاع أسعارها، خاصة تلك التي تكون من مكونات الأطباق الرئيسية كاللحوم والدواجن والأسماك، غيرت كثيرا من العادات الغذائية لسكان قطاع غزة في شهر رمضان، وتسببت في اختفاء بعضها لعدم توفر مكوناته أو ارتفاع سعرها بشكل مضاعف عما كانت عليه قبل العدوان.
وفي هذا السياق، قالت السيدة أم بلال محيسن "50 عاما"، وهي تقف على باب خيمتها في مدينة غزة حيث تقيم مع عائلتها بعد هدم منزلهم خلال الحرب، إن كثيرا من الأسر الفلسطينية لديها موروث ثقافي، وتفضل أن يكون إفطارها في اليوم الأول من رمضان الملوخية ومعها الأرز الأبيض إلى جانب الدجاج المحشي، لكن هذا التقليد تلاشى إلى حد كبير بسبب حالة النزوح والغلاء والفقر الذي يعيشه الناس وقلة الإمكانات .
وأضافت، متحدثة لمراسل وكالة الأنباء القطرية "قنا" في غزة، أن المائدة الغزية تزخر في العادة بالأكلات الدسمة المعروفة فلسطينيا، ومنها الأكلة الأكثر شهرة فلسطينيا وهي المقلوبة، والفتة الغزاوية، والتي تتكون من خبز الصاج المغمور بالمرق، والأرز الأبيض مع الدجاج أو لحم البقر، والمحاشي بمختلف أنواعها، إلى جانب الأكلات الأكثر عراقة مثل المفتول وأنواع لا تنحصر من الطبخات؛ أشهرها البامية والزهرة والفاصولياء والمغشي "كوسا محشية باللحم المفروم"، والسماقية وغيرها من الأكلات التراثية.
وأشارت أم بلال محيسن إلى أطباق أخرى لا تغيب عن المائدة الغزية خلال شهر رمضان، منها طبق المسخن، وهو من الأكلات التراثية، ويتكون من الدجاج المحمر الذي يوضع على خبز الطابون ومعه الكثير من زيت الزيتون والبصل المطبوخ مع السماق البلدي، حيث يصنف من الأطباق الثابتة خلال الشهر الفضيل، يضاف لها وجبة القدرة، وهي التي توصف على أنها من الأكلات التراثية الفاخرة، حيث يتم طبخها على النار أو في أفران الغاز بقدر مصنوع من الفخار، وتتكون من الأرز الأصفر المبهر بنوعية خاصة من البهارات الفلسطينية، والبصل والحمص مع اللحم البقري أو لحم الضأن والكثير من السمن البلدي.
واستدركت السيدة أم بلال وهي تشرح أهم الوصفات والأكلات الرمضانية في غزة، قائلة إن كل ذلك أصبح مرهونا بالحالة الاقتصادية الصعبة والنقص الغذائي الذي يعيشه أهل غزة بسبب الحرب، والتي نسفت كل هذه الأطعمة والعادات الغذائية، كما نسفت المنازل والمدن والأحياء السكنية.
وقالت إن العائلات الآن تعتمد على القليل من الأطعمة والمشروبات الرمضانية، حيث تعاني الأسر من الفقر وقلة الموارد، وليس لديها القدرة على شراء كميات وأصناف الأطعمة المطلوبة لمائدة الشهر الفضيل.
من جانبه، تحدث الشيف معتز عبدو، صاحب أحد المطاعم الشعبية الشهيرة بالأكلات الشرقية والغربية في مدينة غزة، عن أن الحرب غيرت الكثير من العادات الغذائية الرمضانية وطقوس الطعام والشراب التي كانت متأصلة في قطاع غزة، موضحا أن أحد أبرز المظاهر الرمضانية في مطعمه كانت قبل الحرب "الولائم الجماعية"، واللمات العائلية التي تتميز بالبوفيهات المفتوحة والأطباق المتنوعة، التي كان يشتهر بها، غير أن كل ذلك تأثر في رمضان الماضي بسبب الحرب، وتراجعت تلك الظاهرة مع الحالة الصعبة التي يعيشها أهل القطاع، وانعدام مصادر الدخل لدى الأسر الفلسطينية، وبالتالي تراجع إقبال الناس على الوجبات والأطعمة التي تقدمها المطاعم، والاكتفاء بما لديهم في المنازل أو ما يوزع على النازحين من الجمعيات والمساعدات.
وأضاف في حديث لوكالة الأنباء القطرية "قنا": إن المائدة الغزية الرمضانية سواء في المنازل أو المطاعم كانت زاخرة بأشكال وأنواع كثيرة من الأطعمة الشرقية والغربية، و أهم ما يتم تقديمه خلال شهر رمضان هو وجبات الأرز بالدجاج المشوي، و المشاوي بأشكالها المتنوعة، ومعها قائمة من السلطات والمقبلات مثل الكبة المحشوة باللحم المفروم، وورق العنب والمحاشي والتبولة، والحمص والعصائر المتنوعة، وأهمها على المائدة الغزية الخروب، والكركاديه والتمر الهندي وقمر الدين، إضافة للعصائر الطبيعية حسب توفر الفاكهة الموسمية في الأسواق.
ونوه عبدو إلى أن المائدة الغزية في رمضان لا تخلو من أصناف متعددة من الحلويات، أبرزها القطايف والكنافة النابلسية بالجبن والكنافة العربية، وهي أحد أنواع الحلويات التي يتم صناعتها حصرا في غزة، والكولاج وحلاوة الجبن والبسبوسة والنمورة المحشية بالمكسرات والسمن البلدي، وهي من الحلويات العريقة والقديمة التي تعرف وتشتهر بها غزة.
وتابع: "ليس كل العائلات لديها القدرة على تناول أو شراء مثل هذه الأطعمة التي تعتبر مرتفعة الثمن، لذلك نجد إقبالا كبيرا على الأكلات الشعبية في رمضان، خاصة مع انتشار المطاعم التي تقدم الأكل الشعبي، وأبرزها وجبات الحمص والفول والفلافل، وفتة الحمص، والمعجنات والمناقيش، وهي التي تعتبر منخفضة السعر وفي متناول اليد نسبيا في ظل الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها قطاع غزة بسبب الحرب وتداعياتها علينا جميعا".
في السياق ذاته، رأت نهى عودة، الأخصائية النفسية والاجتماعية، أن العادات والتقاليد الغذائية الرمضانية في غزة تأثرت بشكل كبير بالحرب وما آلت إليه أوضاع الأسر الفلسطينية من فقر وبطالة وقلة موارد، وهو ما انعكس مباشرة على الحالة الغذائية التي يعيشها أهل قطاع غزة في رمضان.
وقالت في حديث لوكالة الأنباء القطرية "قنا": "عادة ما يتميز شهر رمضان في غزة بأجواء إيمانية وعائلية وأخرى غذائية تتعلق بالطعام والشراب، حيث تمتلئ الشوارع والأسواق بأنواع لا حصر لها من الأطعمة، والتي تجد طريقها إلى المائدة الغزية في البيوت، وتتحول إلى أكلات تقليدية وأخرى مستحدثة أو غربية بما يتناسب مع حالة التطوير والتحديث على المطبخ الفلسطيني، لكن هذا العام، وما سبقه من عامين أمضينا فيهما رمضان تحت القتل والنزوح والجوع والخوف، غابت معها كل تلك المظاهر وأولها العادات الغذائية وأنواع الأطعمة والمشروبات التي تضعها العائلة الغزية على مائدتها".
وأشارت إلى أن التغيير الإجباري الذي فرضته الحرب طال كل شيء في غزة، بما فيها العادات الغذائية والمناسبات الرمضانية، موضحة أنه مثلا على صعيد موائد الإفطار الجماعية والتي كانت أحد أبرز مظاهر التكافل والتعاون الاجتماعي في رمضان بغزة، فإنها تراجعت واختفت تقريبا، ولم يعد بمقدور العائلات والأسر تنظيم الولائم والإفطارات الجماعية العائلية في منازلها أو بيوتها، حيث فرضت الحرب واقعا صعبا ومختلفا، وفقدت الكثير من العائلات منازلها وتحولت فكرة الإفطارات الجماعية إلى تحد فردي لدى معيل كل أسرة كيف يستطيع تأمين وجبة الإفطار أو السحور لأسرته، فيما يتناول عشرات الآلاف من النازحين إفطارهم في مراكز الإيواء أو وسط أنقاض بيوتهم المهدمة".
وبينت أن الإفطار في العادة مناسبة اجتماعية، لكنه لدى سكان قطاع غزة والنازحين لم يعد كذلك، وتحول لكابوس وتحد يومي تعيشه آلاف العائلات التي تعاني من نقص الغذاء ونقص المقدرات، وتعتمد في كثير من أمورها الغذائية على المساعدات التي تقدمها الجمعيات الخيرية، وهي قليلة ولا تكفي ولا تسد حاجة الصائم الذي يحتاج إلى غذاء متكامل ومتوازن يشمل كافة الأنواع، لتساعد الصائمين على تحمل ساعات الصيام ومشقته.
وختمت بالقول: إن شهر رمضان وعاداته الغذائية من طعام وشراب وحلويات لم يعد في غزة كما كان في السابق، بل يعيش كثير من العائلات التي كانت ميسورة الحال في ألم وحزن، فقد تحولت إلى عائلات نازحة، وتحول الفرح إلى معاناة، والعادات الرمضانية تغيرت بسبب الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، مؤكدة أنه رغم كل ما يعيشه الفلسطينيون في غزة، لكنهم يتمسكون بإيمانهم وصبرهم، ويواصلون التمسك بتقاليدهم الرمضانية قدر المستطاع.
English
Français
Deutsch
Español