مؤتمر ميونيخ 2026.. العالم يناقش مستقبل الأمن في زمن التحولات الكبرى
الدوحة في 12 فبراير /قنا/ تتجه الأنظار غدا الجمعة إلى مدينة ميونيخ الألمانية، حيث تنطلق أعمال الدورة الثانية والستين لمؤتمر ميونيخ الدولي للأمن، الذي يعد أبرز وأهم منصة عالمية لمناقشة السياسات الأمنية والدفاعية، وذلك في ظل ظرف دولي بالغ التعقيد والحساسية.
وسيستمر المؤتمر حتى 15 فبراير الجاري، بمشاركة غير مسبوقة لنحو 65 من قادة الدول والحكومات، وقرابة 100 وزير خارجية ودفاع، إلى جانب كبار القادة العسكريين وصناع القرار والخبراء الاستراتيجيين، وبتمثيل يقارب 120 دولة، أي ما يعادل نحو ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، الأمر الذي يعكس الثقل السياسي والأمني لهذا الحدث السنوي.
وسيفتتح المؤتمر المستشار الألماني فريدرش ميرتس، فيما يشارك في أعماله عدد من أبرز الشخصيات الدولية، من بينهم ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة وزراء الدنمارك مته فريدريكسن، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي /الناتو/ مارك روته، إلى جانب شخصيات سياسية وأمنية واقتصادية بارزة من مختلف القارات.
وستنعقد دورة هذا العام في سياق توصف فيه الأوضاع الدولية بأنها من الأكثر اضطرابا منذ نهاية الحرب الباردة، مع تصاعد النزاعات المسلحة في أكثر من منطقة، وتآكل منظومة القواعد الدولية، وتزايد الشكوك بشأن مستقبل التحالفات التقليدية، لا سيما الشراكة عبر الأطلسي.
وسيواجه النظام الدولي لحظة اختبار حاسمة، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرته على التكيف مع تحولات جيوسياسية عميقة، في ظل بروز قوى جديدة، وتنامي التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع الثقة في بعض المؤسسات متعددة الأطراف.
ومن المتوقع أن تتصدر ملفات الاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان جدول أعمال المؤتمر، إلى جانب الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على الأمن الأوروبي، وتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، خاصة الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية والأمنية، فضلا عن مناقشة التوترات بين القوى الكبرى، ومستقبل النظام الدولي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، والتحديات المرتبطة بالتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.
وفي قراءة لدلالات انعقاد المؤتمر وأهمية المشاركة القطرية فيه، أكدت الدكتورة نافجة صباح البوعفرة الكواري، أستاذ العلوم السياسية المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر، أن مؤتمر ميونيخ لم يعد مجرد منصة حوار تقليدية حول التحديات العسكرية والأمنية، بل تحول إلى فضاء استراتيجي يعكس طبيعة التحولات في بنية النظام الدولي، حيث تتداخل التهديدات العابرة للحدود مع الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والبيئية للأمن.
وأوضحت أن دور دولة قطر في مؤتمر ميونيخ لا يقتصر على الحضور أوالمشاركة الشكلية، بل يمتد إلى الإسهام الفاعل في تشكيل أجندة النقاشات ذات الأولوية، عبر الدفع بملفات الوساطة وتسوية النزاعات، والأمن الإنساني، وأمن الطاقة، وأمن الممرات البحرية، ومكافحة التطرف، وربط هذه الملفات بأبعاد التنمية المستدامة، مشددة على أن التجربة القطرية في الوساطة الدولية، سواء في أفغانستان أو في عدد من الملفات الإقليمية، منحتها شرعية ومصداقية في طرح مقاربات تقوم على الحوار وبناء الثقة والتسويات التدريجية، بدلا من منطق الاستقطاب الصفري الذي يزيد من تعقيد الأزمات.
وأضافت أن قطر تسعى، في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، إلى ترسيخ نموذج "الدبلوماسية المرنة" أو "الدبلوماسية الذكية"، التي تجمع بين الانفتاح على القوى الكبرى، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وتعزيز التوازن في العلاقات الدولية. وبهذا المعنى، فإن مساهمة قطر في مؤتمر ميونيخ تمثل رسالة مزدوجة؛ إقليميا، تؤكد أن أمن الخليج والشرق الأوسط لا يمكن فصله عن مقاربات الحوار الجماعي وبناء منظومات أمن تعاوني، وإدماج البعد الاقتصادي والبيئي ضمن معادلة الاستقرار، ودوليا، تبرز أن الدول الصغيرة ليست فاعلا هامشيا، بل قادرة على لعب دور الوسيط الموثوق والمساهم في هندسة التفاهمات الدولية، خاصة في ظل تراجع فاعلية بعض المؤسسات متعددة الأطراف.
وفيما يتعلق بمخاوف دول المنطقة، أوضحت الدكتورة الكواري أن قضايا الهجرة والبيئة والاستدامة أصبحت تمثل تحديات أمن قومي بامتياز. ففي ملف الهجرة، تتداخل النزاعات الممتدة والاختلالات التنموية والتغيرات المناخية لتولد موجات نزوح داخلي وخارجي، ما يفرض ضغوطا على البنية التحتية وسوق العمل والخدمات العامة، ويثير مخاوف من استغلال هذه التدفقات من قبل شبكات الجريمة المنظمة أوالجماعات المتطرفة. كما تواجه الدول المستقبلة للعمالة الوافدة تحديات تتعلق بإدارة التوازن الديموغرافي، وحماية الحقوق، وضمان الاستقرار الاجتماعي.
أما في البعد البيئي، فلفتت إلى أن منطقة الشرق الأوسط تعد من أكثر مناطق العالم هشاشة أمام آثار التغير المناخي، من ارتفاع درجات الحرارة إلى ندرة المياه والتصحر وتهديد الأمن الغذائي، مؤكدة أن استمرار هذه التحديات دون حلول هيكلية سيؤدي إلى تفاقم الهجرة البيئية وزيادة احتمالات التوتر الاجتماعي والاقتصادي، معتبرة أن الانتقال نحو الطاقة النظيفة يمثل تحديا وفرصة في آن واحد، إذ يتطلب إعادة هيكلة اقتصادية عميقة، لكنه يتيح أيضا فرصة لإعادة التموضع في الاقتصاد الأخضر العالمي.
من جهته، اعتبر عبد الله المري رئيس تحرير جريدة الراية القطرية، أن دولة قطر تواصل ترسيخ دورها كشريك استراتيجي في مؤتمر ميونيخ للأمن، من خلال رؤية شاملة تتجاوز الحوار الدبلوماسي إلى المساهمة في صياغة حلول أمنية مستدامة، مؤكدا سعي قطر إلى توجيه النقاش العالمي نحو قضايا أمن الطاقة، والوساطة الإقليمية، والأمن السيبراني، باعتبارها أولويات قصوى للاستقرار العالمي في المرحلة الراهنة.
وأوضح أن الدور القطري يرتكز على مبدأ الوساطة الموثوقة، حيث ساهمت الدوحة في حل نزاعات كانت توصف بالمعقدة، لا سيما في ملفات غزة وأفغانستان وإيران، مشيرا إلى أن هذا الدور يعزز مكانة قطر كفاعل مسؤول في النظام الدولي.
كما لفت إلى الدور الحيوي الذي تلعبه قطر كمورد عالمي آمن للغاز الطبيعي المسال، وهو ما يسهم في استقرار الاقتصاد الدولي ومنع الأزمات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة، خاصة في أوقات الأزمات والاضطرابات، مشددا على أهمية المقاربة القطرية التي تربط بين الأمن والاستدامة، من خلال التركيز على معالجة جذور النزاعات والهجرة عبر الاستثمار في التعليم والتنمية ومواجهة التغير المناخي، خاصة أنه لا يمكن تحقيق الأمن عبر الأدوات العسكرية وحدها، بل يتطلب رؤية شاملة تعالج الأسباب البنيوية للأزمات.
بدوره، أكد الدكتور عبدالله بندر العتيبي أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر، أن أهمية مؤتمر هذا العام تتجسد في الظروف الاستثنائية التي تمر بها العلاقات الدولية، خصوصا بين أوروبا والعالم، في ظل تصاعد التحديات الأمنية وإعادة تعريف أولويات التحالفات. وأوضح أن المؤتمر يمثل فرصة مهمة لإعادة تقييم مسارات التعاون الدولي، وتحديد سبل خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار.
وأشار إلى أن دولة قطر تنطلق في مشاركتها من إيمان راسخ بأهمية الدبلوماسية والحوار والوساطات في حل النزاعات، مؤكدا أن هذه المقاربة باتت أكثر إلحاحا في ظل تعقد الأزمات وتداخلها. كما شدد على أن أمن الطاقة يشكل هاجسا كبيرا للدول المستهلكة، خاصة خلال فصل الشتاء وفي ظل التقلبات الاقتصادية العالمية، ما يبرز أهمية الرؤية القطرية القائمة على تعزيز الشراكات الدولية وتأمين إمدادات الطاقة بشكل مستدام، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.
يذكر أن مؤتمر ميونيخ للأمن تأسس عام 1963 على يد الباحث الألماني إيوالد فون كلايست، تحت مسمى "اللقاء الدولي لعلوم الدفاع"، قبل أن يتطور لاحقا إلى "المؤتمر الدولي لعلوم الدفاع"، ثم يستقر اسمه على "مؤتمر ميونيخ للأمن". وعلى مدى أكثر من ستة عقود، تحول المؤتمر من تجمع محدود يركز على قضايا الدفاع في إطار الحرب الباردة، إلى منصة عالمية رفيعة تجمع أهم العقول السياسية والعسكرية والاقتصادية والأكاديمية من مختلف أنحاء العالم.
ويرأس المؤتمر حاليا الدبلوماسي الألماني السابق فولفغانغ إيشينغر، الذي تولى رئاسته عام 2010 بعد مسيرة دبلوماسية حافلة، شملت مناصب رفيعة من بينها سفير ألمانيا في واشنطن. وخلال فترة رئاسته، شهد المؤتمر توسعا ملحوظا في نطاق موضوعاته وعدد المشاركين فيه، ليشمل قضايا الأمن غير التقليدي، مثل الأمن السيبراني، وأمن الطاقة، والتغير المناخي، والأمن الصحي، فضلا عن القضايا الجيوسياسية التقليدية.
ومنذ إطلاقها، عقدت مجموعة الاتصال أكثر من اثني عشر اجتماعا في ثماني دول، هي مصر وألمانيا والهند والأردن وقطر والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة، بهدف تحديد القضايا ذات الأولوية وتعزيز السلام والاستقرار والازدهار طويل الأمد في المنطقة، ما يعكس البعد العملي للمؤتمر في دعم الحوار الإقليمي والدولي.
وفي ضوء ما تشهده الساحة الدولية من تحولات جيوسياسية عميقة، وتحديات أمنية متشابكة، تنعقد الدورة الثانية والستون لمؤتمر ميونيخ للأمن بوصفها محطة مفصلية لإعادة تقييم أسس النظام الأمني العالمي، وبحث سبل تطوير آليات تعاون أكثر مرونة وقدرة على الصمود.
ومع الحضور القياسي لقادة الدول والحكومات، تبدو ميونيخ هذا العام ساحة حوار حاسم حول مستقبل الشراكة عبر الأطلسي، ودور أوروبا في تعزيز استقلاليتها الدفاعية، وموقع القوى الصاعدة، وإمكانية بناء منظومة أمنية أكثر شمولا وتوازنا.
وفي هذا الإطار، يبرز الحضور القطري الفاعل باعتباره نموذجا لدبلوماسية نشطة تسعى إلى ترسيخ الحوار والتسويات السلمية، وتعزيز الربط بين الأمن والتنمية والاستدامة، بما يعكس إدراكا عميقا لطبيعة التحديات المعاصرة وحاجة النظام الدولي إلى مقاربات أكثر تكاملا وتعاونا في مواجهة أزماته المتعددة.
ومن المتوقع أن تسهم المناقشات التي ستدور في ميونيخ في رسم ملامح مسارات السياسة الأمنية العالمية للسنوات القادمة، في وقت يزداد فيه العالم حاجة إلى رؤية مشتركة تعيد الاعتبار للتعددية، وتعزز الثقة، وتفتح آفاقا جديدة للتعاون الدولي البناء.
English
Français
Deutsch
Español