قمة إفريقية منتظرة ترفع شعار ضمان استدامة المياه وسط تحديات أمنية وسياسية واقتصادية
الدوحة في 12 فبراير /قنا/ وسط أجندات مثقلة بالملفات الشائكة سياسياً واقتصادياً وأمنياً انطلقت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أعمال الدورة الـ48 للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، التي تتواصل على مدار يومين، بمشاركة وزراء خارجية ومسؤولين من الدول الإفريقية، تمهيداً لأعمال القمة الـ39 التي تعقد يومي 14-15 من فبراير الجاري.
وكان علي محمود يوسف رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي قد أكد خلال افتتاح الدورة العادية الـ51 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الإفريقي الأهمية الاستراتيجية للقمة الـ39، مشيراً إلى أن القارة الإفريقية تمر بمرحلة دقيقة في ظل التحديات الراهنة في مجال السلم والأمن، وأن العمل الإفريقي المشترك وتوحيد الصوت القاري يمثلان مفتاح مواجهة التحديات المحلية والإقليمية والدولية.
وأكد رئيس المفوضية أن خطة الإصلاح للفترة 2024–2028 تشهد تقدما في مجالات هيكل السلام والأمن، والتمويل المستدام، وتقوية مؤسسات الاتحاد، مشدداً على أهمية تنفيذ الخطة العشرية الثانية لأجندة 2063، وتعزيز العمل المناخي ودعم التجارة البينية الإفريقية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
ورحب يوسف بعودة دولتي غينيا كوناكري والغابون إلى عضوية الاتحاد عقب عمليتي انتقال سياسي وانتخابي وصفهما بأنهما ناجحتان، بينما أوضح قلقه إزاء ما شهدته دولتا مدغشقر وغينيا بيساو خلال العام 2025 من تغييرات غير دستورية، مؤكدا التزام المفوضية الإفريقية بمتابعة المسارين الانتقاليين فيهما.
كما حذر رئيس المفوضية من استمرار التهديدات الإرهابية في منطقتي الساحل والقرن الإفريقي، مشيرا إلى أن الخطر لا يزال قائما في بيئة أمنية معقدة تتداخل فيها الكيانات المسلحة والتنظيمات الإرهابية وتدخلات غير مشروعة من أطراف محلية وإقليمية ودولية.
من جانبه، جدد جيديون تيموثيوس وزير الشؤون الخارجية الإثيوبي، التزام بلاده بدعم جهود الاتحاد الإفريقي ومؤسساته، مؤكدًا أن تظافر جهود كافة الفاعلين يمثل أولوية قصوى لبناء مستقبل القارة، انسجاماً مع شعار القمة الإفريقية الحالية: "ضمان استدامة المياه والصرف الصحي"، باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وتطرق وزير الخارجية الإثيوبي إلى استمرار الانقلابات العسكرية وتصاعد التنافس الدولي على الموارد الإفريقية، معتبرا أن ذلك يهدد الاستقرار والسيادة، ومؤكدا ضرورة تعزيز الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية، كما جدد الدعوة إلى إصلاحات مالية عالمية تشمل تخفيف أعباء الديون وتوفير تمويل مناخي عادل، معتبرا أن استضافة إثيوبيا المرتقبة لمؤتمر المناخ (كوب 32) تمثل فرصة لتعزيز الصوت الإفريقي في قضايا العدالة المناخية والتنمية المستدامة.
ويبحث وزراء الخارجية من 54 دولة إفريقية مزيجاً من القضايا والتحديات السياسية والأمنية والتنموية التي تواجه القارة، أبرزها دراسة تقرير الدورة العادية الـ51 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الإفريقي التي عقدت في الفترة ما بين 12 و30 يناير الماضي، ومراجعة تقرير مشاركة الاتحاد الإفريقي في مجموعة دول الـ20 التي انعقدت في دولة جنوب إفريقيا، فضلاً عن انتخاب 10 أعضاء في مجلس السلم والأمن الإفريقي بالإضافة إلى انتخاب وتعيين ثلاثة أعضاء في اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وانتخاب وتعيين سبعة أعضاء في اللجنة الإفريقية للخبراء المعنية بحقوق ورفاهية الطفل.
وتبرز أمام أعمال القمة العديد من التحديات الداخلية والإقليمية والدولية، أبرزها إعادة بناء هياكل الاتحاد الإفريقي وبحث آلية الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا (النيباد)، ودعم مجموعة العشرة لإصلاح مجلس الأمن الأممي، وضرورة الاستثمار في البنية التحتية المائية، وتحسينها، وتعزيز سياسات الاستخدام الرشيد للمياه في ظل التغيرات المناخية وتزايد الطلب السكاني لوصول عادل وآمن لخدمات المياه والصرف الصحي لكافة المواطنين، وما يرتبط باعتماد تقارير اللجان الرئاسية الخاصة بالمركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها.
وحذر كلافر جاتيل الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا من أن أزمة المياه والصرف الصحي أصبحت تشكل عائقا مباشرا أمام النمو الاقتصادي والتصنيع في القارة، موضحاً أن أكثر من 300 مليون شخص في إفريقيا يفتقرون إلى مياه شرب آمنة، وأن نحو 780 مليونا يفتقرون إلى خدمات الصرف الصحي، مما يؤدي إلى انتشار أمراض يمكن الوقاية منها، ويكبّد الدول خسائر صحية واقتصادية جسيمة.
ورغم تركيز الشعار على قضايا المياه والمتغيرات المناخية، فإن ملفات الأمن والنزاعات تحتل صدارة جدول الأعمال، في ظل تصاعد الأعمال الإرهابية في الساحل والقرن الإفريقي، إلى جانب تداعيات الانقلابات العسكرية في السنوات الأخيرة والتغييرات غير الدستورية للحكومات، وهو ما ينعكس على مقاربة القادة الأفارقة في رؤيتها لمواجهة جذور الصراعات وتعزيز الاستقرار الحكومي.
فقد شهد العقد الأخير 10 محاولات انقلابية، ما تسبب بانتكاسة للديمقراطية في إفريقيا، وخصوصاً في دول غرب القارة، بدءاً من انقلاب مالي عام 2020، ثم غينيا، وبوركينا فاسو، والنيجر، وساحل العاج، والغابون، كما أدى الخلاف في السودان إلى تعليق عضويته في الاتحاد الإفريقي، ورغم أن عام 2024 شهد تنظيم 20 منافسة انتخابية، فإن بعض نماذج الديمقراطية تعتبر بنظر الخبراء مجرد ديمقراطيات شكلية.
وفي سياق وقف النزاعات، يأتي على رأس أولويات القمة الوصول إلى توافقات بشأن الوضع في السودان والحاجة الإنسانية الماسة لتوفير مساعدات كافية للمتضررين من الحروب والنزاعات وما تبعها من تشريد وأعمال عنف في مناطق دارفور وكردفان، حيث يتوقع وصول علي صادق علي وزير الخارجية السوداني إلى أديس أبابا للمشاركة في الجلسة غير الرسمية التي تسبق الاجتماع الرسمي للمجلس، وطلب الخرطوم إيقاف تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي بالنظر إلى المتغيرات الأخيرة على الميدان والدعم الإقليمي المتزايد لحكومة الخرطوم.
وفي ليبيا، ثمة قلق يعتري القادة الأفارقة من الفوضى والانقسام، وسط دعاوى ملحة لدعم الاستقرار والتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين لدفع العملية السياسية ومراجعة تنفيذ القرارات الصادرة بشأن ليبيا وسيادتها وتوحيد القرارات السياسية والأمنية فيها.
وهناك دول أخرى تعاني من الحرب والنزاعات الداخلية مثل الصومال والكونغو الديمقراطية، وتصاعد الجماعات المسلحة في عدد من الدول جنوب الصحراء، وسط دعوات لتعزيز أمن القارة والتصدي لأي محاولات تستهدف استقرارها الداخلي.
على صعيد المتغيرات المناخية، ستكون مهمة رئيس المفوضية الجديدة صعبة في تنفيذ استراتيجية وخُطة عمل الاتحاد الإفريقي بشأن تغير المناخ، والتنمية المرنة للفترة من 2022-2032، في ظل السعي الحثيث للحصول على تمويل لجهود التصدي للتغيرات المناخية في ظل التطرف المناخي وما يرافقه من هطول أمطار غزيرة وموجات انحباس التساقطات وما تتسبب به من جفاف يؤثر على سلسلة الأمن الغذائي.
ليس بعيداً عن ذلك، تواجه القارة الإفريقية تحديات تنموية واقتصادية هائلة، وقد كشف تقرير المخاطر العالمية لعام 2024 الصادر عن منتدى دافوس المنعقد في يناير 2024، أن بعض الدول الإفريقية النامية ستعاني من فجوات تكنولوجية متزايدة، لا سيما بعد صعود الذكاء الاصطناعي، وانعكاسات تغير المناخ، وارتفاع تكاليف الطاقة، وغيرها من مستويات التفاوت التي ستؤدي إلى تخلف الدول الإفريقية عن الركب، وسط تنازع دولي على الوصول إلى مناطق النفوذ في القارة.
English
Français
Deutsch
Español