قطر وبروناي.. علاقات راسخة وآفاق واعدة للشراكة
في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية...
الدوحة في 08 نوفمبر /قنا/ تتميز العلاقات الأخوية بين دولة قطر وبروناي دار السلام برسوخها ومتانتها، المستندة إلى الروابط والمصالح المشتركة والرؤى تجاه القضايا الإقليمية والدولية، ودعم الحوار والأمن والسلام الدوليين.
وتأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير المهتدي بالله ولي العهد الوزير الأول بمكتب رئيس وزراء بروناي دار السلام، إلى الدوحة، لتعكس الرغبة المتبادلة في الارتقاء بهذه العلاقات إلى آفاق أكثر تميزا في مختلف المجالات.
كما تشكل الزيارة، وهي الأولى لسموه إلى الدوحة، محطة بارزة لإعطاء دفعة لمسار العلاقات الثنائية بين البلدين، والبحث عن شراكات مبتكرة تلبي طموحاتهما في تحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي.
ومنذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الدوحة وبندر سري بكاوان في الثاني من أكتوبر عام 1991، ظل التعاون الأخوي بين البلدين يشهد تطورا مطردا، فضلا عن الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين فيهما، وتوقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في العديد من المجالات والقطاعات ذات الاهتمام المشترك.
وافتتحت بروناي سفارتها في الدوحة في 20 يونيو 2001 على مستوى القائم بالأعمال، بينما افتتحت دولة قطر سفارتها في بروناي في 11 أكتوبر 2008 على المستوى نفسه. وخلال زيارة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني "طيب الله ثراه" إلى بروناي في 17 يناير 2012، جرى رفع التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفراء.
وتعكس اللقاءات المتكررة بين البلدين على أعلى المستويات، والنشاط الدبلوماسي والتشاور على هامش المحافل الدولية، إرادة سياسية مشتركة لتعزيز العلاقات المبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتطوير روابط الصداقة وفرص التعاون في مختلف المجالات.
وفي سياق هذه اللقاءات، استقبل جلالة السلطان حسن البلقية سلطان بروناي دار السلام، في العاشر من نوفمبر 2025 في بندر سري بكاوان، سعادة السيد سلطان بن سعد المريخي وزير الدولة للشؤون الخارجية، حيث جرى استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتطويرها، بالإضافة إلى عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.
وفي نوفمبر 2024، استقبل معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، بالدوحة، سعادة السيد إيراون بيهين يوسف الوزير الثاني للشؤون الخارجية في بروناي دار السلام. وجرى خلال المقابلة استعراض علاقات التعاون وسبل دعمها وتعزيزها، وأكد الطرفان متانة العلاقات بين البلدين، التي تتميز بالتعاون والتكامل في مختلف المجالات بفضل الرؤى الحكيمة لقيادتيهما.
وفي مجال التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، يتشارك البلدان خصائص اقتصادية متشابهة، بالنظر إلى الدور المحوري لقطاع النفط والغاز في التنمية الوطنية، ما يفتح مجالات واسعة للتكامل والتعاون المشترك.
ويسعى الجانبان في هذا الإطار إلى تفعيل الشراكات الاستثمارية في قطاعات الطاقة المتجددة والبتروكيماويات والصناعات الغذائية، تماشيا مع رؤية قطر الوطنية 2030 ورؤية بروناي 2035.
وتعمل دولة قطر على تطوير قطاعات الصناعة والخدمات والنقل والاستثمار، بينما تسعى بروناي، من خلال رؤيتها الوطنية 2035، إلى تعزيز رأس المال البشري وتنويع النشاط الاقتصادي.
ويرتبط البلدان بجملة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، من بينها اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري والفني، واتفاقية تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب المالي لتعزيز حركة الرساميل، فيما تنظم اتفاقية النقل الجوي حركة الطيران المتبادلة لدعم السياحة والتبادل التجاري بين الخليج وجنوب شرق آسيا.
ولتعزيز تبادل المناهج والطلاب والخبرات الأكاديمية، وقع البلدان مذكرة تفاهم للتعاون التعليمي عام 2012، تتيح تبادل الخبرات والفرص والمنح الأكاديمية والدراسية لطلاب الجامعات وإجراء البحوث العلمية المشتركة، في حين يسهم العامل الديني في تعزيز التبادل الثقافي ومشاركة الرؤى بشأن الاقتصاد والصيرفة الإسلامية والتعاون بين المؤسسات الدينية في البلدين.
وفي مجال العلاقات والتنسيق الدبلوماسي، يتبنى البلدان مواقف متوازنة في المحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، تدعم الحوار والأمن والسلام الدوليين، بما يحقق مصلحة البلدين وشعبيهما وشعوب العالم في الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.
ويؤكد الدكتور أحمد غيث الكواري مستشار قانوني وخبير في العلاقات السياسية الدولية، أهمية الزيارة المرتقبة لصاحب السمو الملكي الأمير المهتدي بالله ولي العهد الوزير الأول بمكتب رئيس وزراء بروناي دار السلام، إلى دولة قطر، ويرى أنه لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد محطة جديدة في سجل الزيارات الرسمية المتبادلة بين البلدين، وإنما بوصفها مناسبة لإعادة قراءة موقعهما في نظام دولي تتغير فيه العلاقة بين الجغرافيا والطاقة والاقتصاد والدبلوماسية بصورة متسارعة.
وأشار الدكتور الكواري، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية " قنا"، إلى خصوصية العلاقات بين البلدين، مضيفا: "نحن أمام دولتين تنتميان إلى فضاءين جغرافيين متباعدين ولكنهما تلتقيان في عناصر جوهرية تتصل بالهوية الإسلامية والسيادة الوطنية والموارد الهيدروكربونية، والانفتاح الاقتصادي والحرص على تطوير علاقات دولية متعددة الاتجاهات".
وقال إنه إذا كانت العلاقات الدولية تقاس تقليديا بحجم التجارة والاستثمار وتواتر الزيارات الرسمية، فإن العلاقات بين الدوحة وبندر سري بكاوان تستدعي معيارا إضافيا، وهو قدرة دولتين على تحويل نقاط التشابه بين تجربتيهما الوطنيتين إلى مصالح استراتيجية قابلة للاستمرار.
ورأى أن محطات تطور التمثيل الدبلوماسي بين البلدين لا تعكس مجرد تطور بروتوكولي، بل تشير إلى انتقال تدريجي من الاعتراف المتبادل إلى بناء قنوات اتصال مؤسسية مستقرة، وأن المدة التي مضت منذ تأسيس العلاقات كافية لمراجعة ما تحقق وتحديد المجالات التي لم تستثمر بعد بالقدر الذي تسمح به الإمكانات المتاحة لدى الجانبين.
وتطرق الكواري إلى اللقاء الذي عقد في نيويورك في سبتمبر 2026، وجمع سعادة السيد سلطان بن سعد المريخي وزير الدولة للشؤون الخارجية وصاحب السمو الملكي الأمير عبد المتين وزير خارجية بروناي، على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث جرى التأكيد على تعزيز الزيارات رفيعة المستوى وتطوير الترابط بين البلدين وتوسيع التعاون داخل المنظمات الدولية، فضلا عن تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والدولية.
وأضاف: "من هنا، يمكن قراءة الزيارة باعتبارها امتدادا لمسار دبلوماسي قائم، لا حدثا منفصلا عنه"، وفرصة للانتقال بعلاقات البلدين إلى مرحلة متقدمة جديدة، وتحديد أولويات مشتركة ووضع آليات عملية لمتابعتها وقياس نتائجها بصورة دورية.
ولفت الدكتور الكواري إلى أن الزيارة تكتسب أهمية إضافية في سياق التحولات التي تشهدها العلاقات بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ورابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، حيث لم تعد آسيا بالنسبة إلى الخليج مجرد سوق واسعة لتصدير النفط والغاز، كما لم يعد الخليج بالنسبة إلى الاقتصادات الآسيوية مجرد مصدر للطاقة أو وجهة لرؤوس الأموال، إذ أصبحت العلاقة بين المنطقتين أكثر تركيبا بفعل تشابك سلاسل الإمداد وتوسع الاستثمارات العابرة للحدود وتزايد الاعتماد المتبادل في قطاعات النقل والخدمات والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
ورأى أن المبادئ التي تربط بين قطر وبروناي تمنحهما أرضية سياسية يمكن البناء عليها لتوسيع التشاور في القضايا الدولية، وأن التعاون بينهما يمكن أن يتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية، ليصبح أحد المسارات الداعمة للحوار بين الخليج وجنوب شرق آسيا بشأن استقرار الطاقة والتجارة.
وتمثل رابطة "آسيان" امتدادا اقتصاديا مهما للعلاقات القطرية مع بروناي ومحيطها الإقليمي. ووفق ما أعلنه رئيس لجنة آسيان في الدوحة في سبتمبر 2026، يقترب حجم التبادل التجاري السنوي بين قطر ودول الرابطة من 15 مليار دولار أمريكي، أي نحو 54.6 مليار ريال قطري.
وأكدت الرابطة حرصها على استمرار تعزيز التعاون السياسي الوثيق مع دولة قطر، مشيرة إلى أن هذه الرغبة المشتركة تجسدت في مشاركة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في القمة الثانية لرابطة آسيان ومجلس التعاون الخليجي، التي استضافتها ماليزيا في مايو 2025.
وذكرت اللجنة أن دولة قطر تعد من أبرز المستثمرين في دول آسيان، حيث تمتلك محفظة استثمارية متنوعة تشمل قطاعات الطاقة والخدمات المالية والعقارات والاتصالات والزراعة والضيافة والرعاية الصحية.
من جهتها، تؤكد الدكتورة مريم الكواري، مدير مركز دراسات الخليج في جامعة قطر، أن زيارة صاحب السمو الملكي الأمير المهتدي بالله إلى دولة قطر تكتسب أهمية استراتيجية إضافية في ضوء التطور المتنامي للعلاقات الثنائية، وكذلك بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية ورابطة "آسيان"، التي تمثل بروناي إحدى دولها الأعضاء.
وقالت الدكتورة الكواري، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية " قنا"، إن العلاقات بين دولة قطر وبروناي لا تقتصر على إطارها الثنائي، وإنما تشكل جزءا من مسار أوسع لتعزيز الشراكات السياسية والاقتصادية بين منطقتين تتمتعان بأهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي والتوازنات الدولية.
واستعرضت مسيرة العلاقات الأخوية بين البلدين منذ تأسيسها عام 1991، وما اكتسبته من زخم ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى اشتراكهما في الهوية الإسلامية، وامتلاكهما موارد مهمة من النفط والغاز الطبيعي، وتبنيهما توجهات تنموية تستهدف تنويع الاقتصاد وتعزيز الشراكات الدولية.
وذكرت أن من شأن توسيع التعاون بين قطر وبروناي أن يسهم في تعزيز التواصل المؤسسي بين مجلس التعاون ورابطة "آسيان"، وفتح آفاق جديدة للتكامل في مجالات الطاقة والاستثمار والأمن الغذائي والتكنولوجيا والتعليم والصناعات الحلال، فضلا عن تنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتقع بروناي على الساحل الشمالي الغربي لجزيرة بورنيو، وتطل شمالا على بحر الصين الجنوبي، بينما تحيط بها الأراضي الماليزية من معظم الجهات البرية. وعلى مساحة لا تتجاوز ستة آلاف كيلومتر مربع، وبسكان يقل عددهم عن نصف مليون نسمة، تمتلك بروناي ثروة نفطية وغازية كبيرة، ومستوى دخل مرتفعا، واقتصادا يسعى إلى تنويع أنشطته الصناعية والتجارية والخدمية.
ويمثل النفط والغاز الطبيعي العمود الفقري لاقتصاد بروناي، فيما تعتمد تجارتها الخارجية على تصدير الطاقة والمنتجات الصناعية المرتبطة بها، مقابل استيراد جانب كبير من احتياجاتها من الآلات والمعدات والسلع الاستهلاكية والمواد الغذائية.
وتسعى بروناي إلى تعزيز إنتاج الأرز والخضراوات والدواجن والأسماك، وتطوير الصناعات الغذائية، بهدف تخفيض الاعتماد على الواردات وتحسين الأمن الغذائي. كما يشكل قطاع الصناعات الغذائية الحلال فرصة إضافية أمامها، مستفيدا من هويتها الإسلامية ومعاييرها الوطنية لإنتاج الأغذية الحلال، بما يتيح فرصا للتوسع في أسواق آسيوية وإسلامية كبرى.
وتمتلك بروناي أيضا مقومات سياحية تشمل الغابات الاستوائية والمحميات الطبيعية والأنهار والشواطئ والعمارة الإسلامية والمواقع التاريخية.
ورأت الدكتورة مريم الكواري أن التطورات الجارية تجعل من تعزيز التكامل الإقليمي والتعاون بين التكتلات الاقتصادية أولوية استراتيجية ملحة، مشددة على أن الزيارة تعكس الرغبة في تعزيز الترابط والتكامل بين الجانبين في مختلف المجالات والقطاعات، ومنها البعدان الاقتصادي والسياحي.
وأشارت إلى أن توسيع العلاقات، إلى جانب مكاسبه الاقتصادية المباشرة، يمثل توجها استراتيجيا نحو توسيع الحراك الدبلوماسي وتنويع الشراكات الدولية، في إطار ما يعرف بسياسة "تعدد الاصطفافات" أو "تعدد الشراكات الاستراتيجية"، التي تتيح للدول بناء علاقات متوازنة مع أطراف دولية متعددة دون الارتهان لمحور دولي واحد، وهو أمر يكتسب أهمية متزايدة في ظل نظام دولي يتسم بالتشرذم وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
وأكدت أن الزيارة تمثل لدولة قطر فرصة إضافية لتوسيع حضورها الاقتصادي والسياسي خارج نطاقها الجغرافي المباشر، فيما تسعى بروناي، في المقابل، إلى توسيع شبكة شراكاتها الدولية وتعزيز خياراتها السياسية والاقتصادية، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
واختتمت تصريحها بالقول: إن زيارة سمو ولي عهد بروناي إلى دولة قطر تمثل فرصة لتعزيز البعد الاستراتيجي للعلاقات الثنائية، وترسيخ دور البلدين في دعم الشراكة الخليجية الآسيوية، بما يسهم في تنويع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية وتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقتين.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو