في اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب.. تهديدات متجددة ضد الصحفيين حول العالم وتعطيل مستمر للعدالة
الدوحة في 02 نوفمبر /قنا/ في الثاني من نوفمبر من كل عام، يتوقف العالم أمام إحدى أكثر المحطات حرجا في تاريخ حرية التعبير، حيث يحيي "اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين"، الذي اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بشأنه في دورتها الثامنة والستين عام 2013، وذلك اعترافا بالنتائج البالغة الأثر للإفلات من العقاب، ولا سيما في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين.
وقد أدان ذلك القرار التاريخي جميع الهجمات وأعمال العنف ضد الصحفيين والعاملين في وسائط الإعلام، وحث الدول الأعضاء على بذل قصارى جهدها لمنع العنف ضد شهود الحقيقة، وكفالة المساءلة، وتقديم مرتكبي الجرائم إلى العدالة، وضمان حصول الضحايا على سبل الانتصاف المناسبة. وطالب كذلك مختلف دول العالم بالعمل على تهيئة بيئة آمنة وتمكينية للصحفيين لأداء عملهم بصورة مستقلة.
وعلى الرغم من كل النداءات والقرارات، فقد ظل استهداف الصحفيين والإعلاميين أداة ممنهجة تمارسها بعض الجهات والجماعات لإعادة تشكيل الرواية، وطمس الجرائم، وحجب الحقائق عن الرأي العام العالمي.
وتأتي مناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين لتتجاوز التذكير السنوي بالمخاطر التي يواجهها حراس الحقيقة، وتتحول إلى محاسبة صريحة للضمير العالمي والمنظومة القانونية الدولية، في ظل استمرار إفلات الجناة، أفرادا كانوا أم سلطات، من المساءلة والعقاب، الأمر الذي تحول مع مرور السنوات من مجرد ثغرة إجرائية وتقصير قانوني إلى غطاء وحصانة ضمنية تمنح الضوء الأخضر لمرتكبي هذه الجرائم والانتهاكات لتكرارها.
ويسلط إحياء هذه المناسبة هذا العام الضوء على الكيفية التي تغير بها التكنولوجيات والأسلحة المستحدثة طبيعة التهديدات التي يواجهها الصحفيون، ولا سيما في مناطق النزاع.
ففي حين تتغير الأساليب المستخدمة لاستهداف الصحفيين، لا يزال المسؤولون عن قتلهم يفلتون من المساءلة، ومن المقرر أن تطلق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بهذه المناسبة، حملة عالمية للدعوة والمناصرة تحت شعار "التهديدات تتطور والإفلات من العقاب مستمر".
ومنذ عام 1993، قتل أكثر من 1700 صحفي بسبب نقلهم الأخبار وتقديم المعلومات للجمهور، وفي تسع من كل عشر حالات يفلت القتلة من العقاب، كما يشير مرصد اليونسكو للصحفيين المقتولين. ويؤدي الإفلات من العقاب إلى مزيد من عمليات القتل، فضلا عن كونه أحد أعراض تفاقم الصراع وانهيار القانون والأنظمة القضائية.
ووفق بيانات اليونسكو، فقد قتل 189 صحفيا أثناء أداء عملهم خلال الفترة (2024-2025)، بزيادة نسبتها 20 بالمئة مقارنة بالفترة السابقة، ولم تُحل بعد أو تُترك دون متابعة 86 بالمئة من قضايا قتل الصحفيين المسجلة منذ عام 2006.
كما وقع ثلثا حالات قتل الصحفيين خلال الفترة (2024-2025) بسبب النزاعات المسلحة، وكانت الطائرات المسيرة مسؤولة عن 40 بالمئة من تلك الحالات.
وقد أكد أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، أن الصحفيين حول العالم ما زالوا يدفعون ثمنا باهظا لقاء قول الحقيقة، مضيفا في رسالة بهذه المناسبة أن العاملين في ميدان الإعلام يؤدون دورا أساسيا في إبقاء الجمهور على علم بمجريات الأمور ومساءلة من في أيديهم السلطة، بيد أنهم كثيرا ما يتعرضون للمضايقات أو المراقبة، أو تتم مقاضاتهم أو يُعتدى عليهم جسديا أو يُزج بهم في السجون، بل ويُعذبون ويُقتلون في بعض الأحيان، لا لذنب اقترفوه سوى أداء عملهم.
وشدد غوتيريش على أهمية العدالة في هذا المجال وضرورة إنهاء هذا الوضع الشائن، وألا يقف شيء في طريق الصحفيين الساعين إلى أداء عملهم، إذ إن ذلك متطلب لا غنى عنه لإعمال حقوق الإنسان وإرساء الديمقراطية وسيادة القانون.
كما أكد غوتيريش أن التجارب أوضحت أن إحراز التقدم أمر ممكن، مشيرا إلى انخفاض معدل الإفلات من العقاب على هذه الجرائم في البلدان التي لا تشهد نزاعات مسلحة من 94 بالمئة إلى 77 بالمئة منذ إطلاق خطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب عام 2012، مشددا على ضرورة بذل مزيد من الجهود.
وحول تأثير غياب العدالة على الصحفيين وحق الشعوب في معرفة الحقيقة، أعرب السيد نايف النابت، الزميل غير المقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، عن اعتقاده بأن هناك نقطة لا تحظى بالاهتمام الكافي، وهي أن أطراف الحروب لا تتنافس على الأرض فقط، بل على الرواية أيضا، وكل طرف يريد أن يقنع العالم بأن ما يفعله مبرر، وأن خصمه هو المسؤول عن الانتهاكات.
وأكد النابت، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن أهمية الصحفي المستقل تكمن هنا، فهو يستطيع تقديم رواية لا تخضع بالضرورة لحسابات الأطراف المتحاربة.
ونوه إلى أن قتل الصحفيين دون محاسبة يجعل السيطرة على المعلومات أسهل، وهذا ما يجعل القضية أكبر من حرية الإعلام، فالحديث هنا عن قدرة المجتمعات على معرفة ما حدث فعلا، وعن الأدلة التي قد تستخدم لاحقا لمحاسبة المسؤولين.
وحول سبب استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب رغم وجود اتفاقيات وقرارات دولية لحماية الصحفيين، قال النابت إن السبب بسيط، وهو أن القانون الدولي لا يطبق نفسه.
وأوضح أن العالم يعيش في نظام دولي لا توجد فيه سلطة مركزية تستطيع فرض القانون على جميع الدول بالطريقة التي تفرض بها الحكومات قوانينها داخليا.
وكمثال في هذا السياق، أشار إلى قرار مجلس الأمن رقم 2222 بشأن حماية الصحفيين. وعلى الرغم من أهميته، فإنه لا يضمن المحاسبة بمجرد صدوره.
وأضاف أنه إذا كانت الدولة المتهمة ترفض التعاون، أو كانت تتمتع بحماية سياسية من قوة كبرى، يصبح إنفاذ القانون أكثر صعوبة. وهذه ليست مشكلة خاصة بالصحفيين، بل تتجسد في قضايا دولية عديدة، فوجود قاعدة قانونية شيء، ووجود القدرة السياسية والمؤسسية على فرضها شيء آخر.
كما شدد على أن الازدواجية في المعايير الدولية واختلاف المصالح السياسية بين الدول الكبرى يؤديان دورا كبيرا في تهميش هذا الملف، مشيرا، على سبيل المثال، إلى الطريقة التي تتعامل بها القوى الكبرى مع الانتهاكات في أوكرانيا وغزة.
وقال إن هناك اختلافا واضحا في طبيعة الضغوط السياسية والأدوات التي تستعد الدول لاستخدامها، وإن كانت الظروف القانونية والسياسية للقضيتين مختلفة.
وأكد أن هذا يحدث لأن الدول لا تتخذ قراراتها على أساس القانون وحده، وإنما هناك تحالفات ومصالح أمنية وحسابات استراتيجية.
وأضاف أن هذا لا يعني أن القانون الدولي بلا قيمة، لكنه يعني أن تطبيقه يتأثر بعلاقات القوة. فالدول تكون عادة أكثر استعدادا للمطالبة بالمحاسبة عندما لا تتعارض مع مصالحها، والمشكلة أن هذه الانتقائية لا تضر بالضحايا وحدهم، بل تضعف ثقة الدول والمجتمعات في النظام الدولي نفسه.
وعما إذا كانت الأمم المتحدة تمتلك آليات فعالة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، أعرب النابت عن اعتقاده بأنه يجري تحميل الأمم المتحدة أحيانا مسؤوليات تتجاوز السلطات التي منحتها الدول لها أصلا.
وتابع قائلا إن الأمم المتحدة تستطيع التحقيق والتوثيق وإصدار التقارير، لكنها ليست حكومة عالمية، ولا تمتلك جهازا قضائيا جنائيا عاما يستطيع محاكمة كل من يرتكب جريمة.
وبين أن المحكمة الجنائية الدولية، وهي مستقلة عن الأمم المتحدة، تواجه قيودا تتعلق بالاختصاص والتعاون مع الدول وتنفيذ أوامر القبض. لذلك، يجب التعامل مع الموضوع بواقعية، فالمشكلة ليست دائما في أداء المؤسسات الدولية، بل في أن الدول لم تمنحها السلطات اللازمة لفرض المحاسبة بصورة مستقلة.
وبخصوص الخطوات والإجراءات العاجلة المطلوبة لإنهاء الإفلات من العقاب وضمان حماية الصحفيين، دعا النابت إلى التفكير في الحوافز والتكاليف، وليس في القرارات وحدها.
وقال إنه إذا كان مرتكب الجريمة يتوقع ألا يواجه أي عواقب، فما الذي سيردعه عن تكرارها؟ موضحا أن المطلوب هو تحقيقات مستقلة، وتعاون قضائي دولي، وملاحقة المسؤولين عن إصدار الأوامر، وليس المنفذين فقط. ويمكن أيضا استخدام العقوبات الموجهة ضد الأفراد المتورطين، عندما تتوافر الأدلة والأسس القانونية اللازمة.
وأكد أن الأهم هو الاستمرار في متابعة القضايا بعد تراجع الاهتمام الإعلامي بها، فالعدالة تحتاج إلى أدلة ومؤسسات وإرادة سياسية، وفي النهاية، لن تنتهي ظاهرة الإفلات من العقاب ما دام ارتكاب الجريمة أقل تكلفة من الامتناع عنها.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو