الجفاف يفتح جبهة جديدة في معاناة السودان
الدوحة في 01 نوفمبر /قنا/ لم تعد الحرب في السودان وحدها هي ما يشكل تهديدا لحياة السكان؛ فبينما تتواصل المعارك التي مزقت البلاد وأجبرت الملايين على مغادرة منازلهم، يواجه المزارعون هناك عدواً آخر لا تصدر عنه أصوات الرصاص والمدافع، ألا وهو الجفاف الذي قد يدفع السودان مجدداً نحو براثن المجاعة.
وفي بلد أنهكته الحرب والنزوح، لم تعد المأساة تختصر في مشهد أرض متشققة تنتظر المطر، ولا في قوافل نازحين يفرون من المعارك؛ فقد زاد الجفاف قساوة المشهد في بلد ظل يوصف بأنه إحدى السلال الغذائية المحتملة للعالم العربي.
كما يضيف الجفاف وتقلب الأمطار ضغطاً جديداً على ملايين السودانيين، خصوصاً في الأرياف حيث تعتمد الزراعة والرعي فيها على مواسم المطر. ولا تتوقف تبعات نقص المياه عند الحقول، بل تمتد لتشمل الماشية ومصادر الدخل وقدرة الأسر على تأمين الغذاء الأساسي.
ووفق دراسات مناخية، تواجه مناطق زراعية ورعوية في دارفور والنيل الأزرق وسنار والجزيرة تفاوتاً حاداً في الأمطار وتراجعاً في الغطاء النباتي، مما يهدد الإنتاج الزراعي وسبل العيش. وتقول لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (وهي مبادرة مدعومة من الأمم المتحدة) إن جفافاً شديداً مرتبطاً بظاهرة النينيو يطال أكثر من نصف مساحة السودان، مما تسبب في فشل محاصيل محلية وحرمان الأسر من الغذاء والدخل. وكانت تقديرات اللجنة في مايو الماضي قد أشارت إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي أكثر من 40% من السكان، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وفي شمال دارفور، أدى تأخر هطول الأمطار وتراجع المخزونات الغذائية إلى مستويات حرجة لتفاقم الأزمة، أما منطقة غرب كردفان فتشهد واحدة من أسوأ موجات الجفاف منذ عام 2004، بحسب معدلات الأمطار المسجلة.
وأكدت بيانات دولية أن الأمطار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، التي تمثل ذروة موسم الأمطار، كانت الأدنى منذ أكثر من ثلاثة عقود في جميع أنحاء السودان. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن العجز الشديد في الأمطار يزيد حدة الكارثة الإنسانية، خصوصا في دارفور وأجزاء من كردفان، حيث تضع الحرب السكان أمام صعوبات متزايدة للحصول على الغذاء والمياه والخدمات الصحية.
ولا تُعد الزراعة في السودان مجرد قطاع اقتصادي، فقد شكلت عبر أجيال أساساً لحياة ملايين الأسر ومصدراً للغذاء والدخل والاستقرار الاجتماعي. ففي المناطق الريفية، تعتمد عائلات كثيرة على مواسم الأمطار لإنتاج المحاصيل وتوفير العلف للماشية، بينما ترتبط الأسواق المحلية بحركة المزارعين والرعاة والتجار.
وهكذا فقد تحولت الأمطار التي ينتظرها المزارعون كل عام إلى مصدر قلق متزايد؛ فالأرض التي يفترض أن تنبت الغذاء والأعلاف فقدت جانباً كبيراً من ريها الطبيعي، والحقول التي نجت من الدمار والنزوح، أصبحت مهددة بتراجع محاصيلها. وفي السياق ذاته، تتقلص قدرة المنظمات الإنسانية على توفير الغذاء للعائلات التي فقدت مصادر رزقها، الأمر الذي يرسم ملامح أزمة ثلاثية الأبعاد تجمع بين الحرب والجفاف ونقص التمويل، وتهدد بتحويل انعدام الأمن الغذائي إلى كارثة أشد خطورة في بلد يعاني بالفعل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

وفي بيان أصدرته المنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة بالسودان، دينيس براون، في أكتوبر الماضي، حذرت من أن النقص الحاد في الأمطار في بعض المناطق يعمق الأزمة التي يعيشها ملايين السكان. وشددت براون على أن الأطفال الذين تعرضوا بالفعل للنزوح المتكرر يواجهون مخاطر إضافية تتعلق بسوء التغذية والأمراض، وأضافت أن المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة يحتاجون إلى دعم عاجل قبل موسم الزراعة الشتوي.
وتعتمد أكثر من 90% من الأراضي الزراعية السودانية على الأمطار، ويقدر مركز الرصد الزراعي الأوروبي الأراضي الزراعية بنحو 206 آلاف كيلومتر مربع، والمراعي بنحو 405 آلاف كيلومتر مربع، من مجموع مساحة السودان المقدرة بنحو 1.86 مليون كيلومتر مربع. ورصد المركز عجزا مطريا خلال ثلاثة أشهر في نحو 196 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية والمراعي النشطة.
ويؤدي تراجع الأمطار إلى إبطاء تجدد الأعشاب وتقلص المياه السطحية، مما يضطر الرعاة إلى قطع مسافات أطول بحثا عن الكلأ بسبب نقص المراعي.
وقد ينعكس ذلك على إنتاج الألبان واللحوم وأسعار الحيوانات ودخول الأسر، ويزيد التنافس على موارد المياه والمراعي.
لكن المناخ ليس الجبهة الوحيدة؛ فالنزاع يقيد وصول المزارعين إلى أراضيهم ويدفعهم إلى النزوح، كما يعطل البنية التحتية وتوافر المدخلات الزراعية، وعندما يتزامن ذلك مع شح المطر، تتراجع قدرة المجتمعات على تعويض خسائر المحاصيل والماشية ويتفاقم انعدام الأمن الغذائي بشكل خطير.
ولمعالجة هذه الخسائر، تحتاج الاستجابة الإنسانية إلى إغاثة غذائية عاجلة، وبذور مناسبة للمناخ الجاف، وإعادة تأهيل الآبار والخزانات، وتوفير الأعلاف والخدمات البيطرية، ودعم المزارعين الصغار، وتطوير الري التكميلي وحصاد مياه الأمطار. كما أن فتح الطرق والأسواق وتأمين وصول المزارعين إلى أراضيهم والمساعدات إلى المتضررين يمثل شرطا أساسيا لنجاح التعافي.
وقد بلغت الموارد المتاحة لبرنامج الأغذية العالمي لعملياته في السودان نحو 276 مليون دولار حتى 17 أكتوبر 2026، أي أقل من نصف ميزانية العام الماضي، في حين احتاج البرنامج إلى 134 مليون دولار إضافية للتعامل مع الجوع المرتبط بالجفاف، وأدى نقص التمويل إلى خفض الحصص الغذائية التي يوزعها البرنامج في بعض المناطق السودانية إلى النصف تقريبا.
وبين أرض تتشقق عطشا، وحقول تنتظر أمطارا لم تأت في موعدها، وملايين أنهكتهم الحرب والنزوح والجوع، يقف السودان أمام أزمة تتجاوز حدود الطقس؛ فالجفاف يبدد أي أمل في التقاط الأنفاس، ويهدد بتعميق خسائر المزارعين والرعاة وتوسيع رقعة الفقر وزيادة الاعتماد على المساعدات، في بلد يملك فعلا موارد زراعية هائلة قادرة على إطعام الملايين لو توفرت لها ظروف الاستقرار والتعافي.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو