كلية الدراسات الدينية الإسلامية.. رسالة اجتماعية لتعزيز التسامح والحوار في ألمانيا
برلين في 08 أكتوبر /قنا/ جاء الإعلان عن مزاولة أول كلية مستقلة للدراسات الدينية الإسلامية في ألمانيا عملها الأكاديمي بجامعة مونستر، ليبعث برسالة اجتماعية تتعلق بتعزيز التسامح والحوار، وتتجاوز أصداؤها حدود الجامعة والدراسة والتخصص الأكاديمي.
فمع انطلاق الفصل الدراسي الشتوي 2026 - 2027 في الجامعات الألمانية، يشكل انتظام الطلاب والطالبات على مقاعد الدراسة بالكلية الجديدة خطوة تعزز حضور هذا التخصص ضمن الإطار الأكاديمي، وتوسع مجالات البحث والتدريس وإعداد الكوادر المتخصصة.
وأقيمت فعاليات تدشين الكلية الشهر الماضي بعد استيفاء متطلبات تأسيسها من جانب الهيئات الجامعية، وبموافقة وإشراف وزارة الثقافة والعلوم في ولاية شمال الراين-وستفاليا، التي تحتضن مقر الكلية.
وقال يوهانس فيسلز رئيس جامعة مونستر، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن إنشاء الكلية محطة مهمة للجامعة، وجاء نتيجة عملية إعداد امتدت لسنوات، مؤكدا أن اتساع استقلالها الأكاديمي يقترن بزيادة مسؤولياتها.
ومن المقرر أن يصبح الحرم الجامعي المشترك مركزا للنقاش والتواصل بين أتباع الديانات، فيما تمول الولاية ثمانية مناصب أستاذية في الكلية الجديدة، تشمل تخصصات التاريخ الإسلامي والأخلاق والفلسفة.
ويعود المسار المؤدي إلى إنشاء الكلية إلى عام 2012، عندما تأسس مركز للدراسات الدينية الإسلامية في جامعة مونستر، قبل أن تتخذ الجامعة عام 2019 قرارا بتحويل المركز إلى كلية مستقلة، شريطة توفير التمويل اللازم لثمانية مناصب أستاذية.
وعن الأهداف المرتبطة بهذا التطور، قال متحدث باسم وزارة الثقافة والعلوم في ولاية شمال الراين، لوكالة الأنباء القطرية "قنا": "يشكل المسلمون، الذين يتراوح عددهم بين مليون و300 ألف ومليون و500 ألف شخص، أكبر أقلية دينية في شمال الراين وستفاليا. ويهدف إنشاء كلية للدراسات الدينية الإسلامية إلى تعميق التواصل وتعزيز التفاهم المتبادل مع الآخر.
وأضاف: "يشمل ذلك تأهيل الأئمة باللغة الألمانية على أيدي مدرسين تلقوا تنشئتهم الاجتماعية في ألمانيا، وتربوا على القيم الأساسية للمجتمع الذي يعيشون فيه، حيث إنه وحتى الآن، ما زال ينحدر جميع الأئمة العاملين في المساجد تقريبا من الخارج، وقد تلقوا تأهيلهم في بلاد أخرى".
وأوضح أن كلية الدراسات الإسلامية بجامعة مونستر، إلى جانب كليات الدراسات الدينية الأخرى، ستشكل أحد المكونات الرئيسية للحرم الجامعي الجديد لدراسات وعلوم الأديان. وأعرب عن تطلعه إلى أن يتطور الحرم الجامعي إلى مكان فريد للتفاهم بين العلم والسياسة والدين والإعلام والثقافة والفنون. ونوه بأنه بالتزامن مع إنشاء الكلية الإسلامية، يتم إنشاء إحدى أكبر المكتبات البحثية في العالم، المتخصصة في العلوم الدينية.
وأضاف: "بناء تخصص الدراسات الدينية الإسلامية في مؤسسات التعليم العالي يهدف إلى دعم الأجيال الجديدة من الباحثين، وإعداد معلمات ومعلمي التربية الدينية الإسلامية، وإتاحة تأهيل لعلماء الدين يستند إلى أسس علمية ضمن منظومة التعليم العالي. وقد أصبحت البرامج الدراسية المعنية مكونا راسخا ومعترفا به في منظومة التعليم العالي".
وأشار في هذا الصدد إلى وجود معهد للدراسات الدينية الإسلامية تابع لكلية العلوم الثقافية في جامعة بادربورن والذي بدأت الدراسة فيه منذ الفصل الدراسي الشتوي عام 2022 - 2023، لتلحق به كلية الدراسات الدينية الإسلامية بجامعة مونستر في العام الجاري.
وبخصوص المحتوى التعليمي، أكد المتحدث أنه وفقا لإطار الاستقلالية الجامعية المعمول به في ولاية شمال الراين وستفاليا، ستقوم مؤسسات التعليم العالي بنفسها بتقرير البرامج الدراسية التي تقدمها للدارسين.
ويمنح الوضع الاستقلالي للكلية صلاحيات تطوير التوجهات البحثية والبرامج الدراسية ولوائح الامتحانات، وإدارة إجراءات الدكتوراه والتأهيل للأستاذية، والمشاركة الأساسية في تعيين الأكاديميين. وتقابل ذلك مسؤوليات ضمان انتظام التدريس واكتماله واعتماد البرامج والإرشاد الدراسي والاتفاق مع رئاسة الجامعة على الأهداف، ضمن قوانين التعليم العالي والجامعة وضوابط الموازنة والتوظيف والمساواة وحماية البيانات.
ووفقا لبيانات جامعة مونستر، صاحب هذا التطور الأكاديمي من مركز للدراسات الإسلامية إلى كلية مستقلة، توسعا في كثافة الدارسين والعاملين، إذ ارتفع عدد الطلاب من 13 إلى أكثر من 450 طالبا، وزاد عدد العاملين من ثلاثة إلى نحو 80 موظفا وعاملا.
ويضم التشكيل الأكاديمي للكلية أربع أستاذات من النساء وأربعة أساتذة من الرجال، في مجالات تشمل الفلسفة الإسلامية والإسلام في العمل الاجتماعي. ومن المقرر إجراء أول انتخابات لمجلس الكلية في الفصل الدراسي الصيفي لعام 2027، ليحدد مدة ولاية العميد.
من جانبه، أكد مهند خورشيد العميد المؤسس لكلية الدراسات الدينية الإسلامية بجامعة مونستر، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الكلية الجديدة بما لها من استقلالية تمثل اعترافا مهما بالمسلمين في ألمانيا وتدعم تنوع الدراسات الدينية في الجامعة.
وأوضح أنه يسعى إلى تقديم نموذج للإسلام الحقيقي المنفتح على التنوع والتعايش، وقال إنه يعول على الأئمة والمربين لنقل هذا الفهم إلى المجتمع الألماني، ويعول على الكلية ككيان في تطوير دراسات دينية تتحمل مسؤوليتها تجاه قضايا المجتمع، ويصل أثرها إلى ما وراء ألمانيا وأوروبا. كما أكد اهتمامه بتنوع الأنشطة داخل الحرم الجامعي وباستثمار التكنولوجيا الحديثة بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق أهداف الكلية.
ووفقا لبيانات الجامعة، تبدأ المحاضرات في الكلية في الثاني عشر من أكتوبر الجاري، حيث يدرس نحو 450 طالبا وطالبة في برامج إعداد معلمي التربية الدينية لمختلف أنواع المدارس، إلى جانب درجات البكالوريوس والماجستير.
وحددت الجامعة ربيع العام المقبل 2027 موعدا لنقل كلية الدراسات الإسلامية إلى حرم جامعي مشترك يضم كل كليات الدراسات الدينية، بالإضافة إلى مكتبة تضم أكثر من نصف مليون مجلد.
وتتضمن المبادئ المعلنة للكلية دراسة المصادر الدينية بمنهج علمي يراعي سياقاتها، وتشجيع استقلال التفكير وطرح الأسئلة ومراجعة التراث نقديا، وإعداد المعلمين والعاملين الاجتماعيين والكوادر الدينية لمجتمع تعددي. كما تنص على مواجهة التطرف وتعزيز قدرة الدارسين على تمييز التضليل والتشويه في الوسائط الرقمية.
من جانبه، يرى عيسى الأحمدي المتخصص في شؤون الجاليات المسلمة أن وجود كلية مستقلة للدراسات الدينية الإسلامية يتيح للمسلمين مساحة لطرح المعارف الدينية ومناقشتها داخل المؤسسات التعليمية، ويساعد الأجيال الشابة على الشعور بأن انتماءها الديني يمكن أن يجد صوتا أكاديميا في البلد الذي تعيش فيه.
وتوقع الأحمدي، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن تشجع الكلية مزيدا من شباب الجاليات المسلمة على دراسة العلوم الدينية في ألمانيا، وأن تقلل حاجة بعض الراغبين في التخصص أو التعمق إلى السفر لدول أخرى طلبا لفرص تناسب اهتماماتهم. ورأى أن تطوير المسار الجامعي المحلي يتيح لهم الجمع بين الدراسة والارتباط ببيئتهم الأسرية والاجتماعية، ويعزز صلة تكوينهم بالقضايا التي يواجهها المسلمون في المجتمع الألماني.
وقال إن الكلية قد تجذب طلابا من دول أوروبية أخرى، إذا نجحت في بناء سمعة علمية وبرامج تستجيب لاحتياجاتهم، مع استيفائهم متطلبات اللغة والقبول، متوقعا أن يثري الإقبال المحتمل النقاش داخل القاعات بتجارب متنوعة، ويدعم تكوين باحثين ومربين يفهمون اختلاف أوضاع المجتمعات المسلمة في أوروبا.
وأضاف أن إعداد أئمة ومعلمين يجمعون بين التكوين الديني وإتقان الألمانية وفهم السياق الاجتماعي يساعد على التواصل مع الشباب في مسائل الهوية والانتماء والأسرة والمدرسة، مشددا على أهمية التعاون المنتظم مع المساجد والمدارس والمؤسسات الاجتماعية، وتوفير التدريب العملي ومسارات مهنية واضحة، حتى تتصل الدراسة باحتياجات الميدان دون المساس باستقلال البحث العلمي.
واقترح تطوير مقررات وأبحاث ومبادرات تجمع الطلاب والباحثين حول قضايا التعليم والأسرة والرعاية الاجتماعية والمسؤولية الأخلاقية، معتبرا أن التعاون في مسائل عملية مشتركة يمنح الحوار بين الأديان استمرارية، ويقربه من حياة الناس، إلى جانب ما يوفره من فرص للتعلم المتبادل بين التخصصات.
وأكد أن تقييم التجربة ينبغي أن يستند إلى جودة التعليم والبحث، وكفاءة الخريجين، واستمرار الشراكات المجتمعية، مشيرا إلى أن نجاح الكلية يتعزز عندما تجد المعرفة التي تنتجها والكوادر التي تؤهلها مجالا للإسهام الفعلي في المؤسسات والمجتمع.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو