تعديل سعر الصرف في العراق.. بين حماية الاستقرار وضغوط كلفة المعيشة
بغداد في 08 أكتوبر /قنا/ أعاد قرار تعديل سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار إلى الواجهة أسئلة أوسع بشأن قدرة السياسة النقدية والمالية على احتواء الضغوط التي يواجهها الاقتصاد العراقي، في ظل اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية وتعرض موارده من النقد الأجنبي لتقلبات الأسواق والتطورات الإقليمية والدولية. وبينما تنظر السلطات إلى الإجراء باعتباره خطوة احترازية تستهدف حماية الاستقرار المالي والنقدي، تبرز مخاوف من انعكاساته على الأسعار وكلفة المعيشة والنشاط الاقتصادي.
ويأتي تعديل سعر الصرف في وقت تتقاطع فيه تحديات متعددة، من تذبذب الإيرادات النفطية وحاجة الحكومة إلى تمويل الإنفاق العام، إلى ارتفاع كلفة الاستيراد واعتماد السوق المحلية بدرجة كبيرة على السلع والمنتجات المستوردة. ويضع ذلك القرار أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على استقرار سوق الصرف وتوفير العملة الأجنبية من جهة، والحد من انتقال آثار التعديل إلى المستهلك والقطاعات الإنتاجية من جهة أخرى.
وفيما تتباين القراءات بشأن دوافع القرار ونتائجه المحتملة، يرى اقتصاديون ومصرفيون في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن تداعيات القرار لن تتوقف عند سعر صرف الدينار، بل قد تمتد إلى الموازنة العامة، والقطاع المصرفي، وكلفة الاستيراد، ومستويات الأسعار، بما يعيد طرح الحاجة إلى معالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد وتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط، باعتبارها عوامل أساسية لتعزيز قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الصدمات والحفاظ على استقراره.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور مظهر محمد صالح مستشار رئيس الوزراء العراقي للسياسة المالية، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن سعر صرف الدينار العراقي إزاء الدولار والعملات الأجنبية يمثل القيمة الخارجية للدينار، وأن استقراره يرتبط بصورة وثيقة بتوافر العملة الأجنبية وقدرة الاقتصاد على تمويل احتياجات التجارة الخارجية.
وأضاف صالح أن تداعيات الأزمات الإقليمية والدولية، ولا سيما الاضطرابات التي قد تؤثر في حركة تصدير النفط عبر مضيق هرمز، يمكن أن تنعكس على الإيرادات النفطية والموازنة العامة وتدفقات النقد الأجنبي، الأمر الذي يستوجب التعامل معها بمنهج احترازي ومدروس، مؤكدا أن التدابير التي يجرى اتخاذها لا تعني وجود اختلال في الوضع الاقتصادي، وإنما تأتي في إطار التحوط المسبق وحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، تحسبا لأي تطورات قد تؤثر في موارد الدولة من العملة الأجنبية أو قدرتها على تمويل التجارة الخارجية والإنفاق العام.
وبين أن السياسة النقدية تعمل على إدارة سوق الصرف والحفاظ على انسيابية توفير العملة الأجنبية، بما يضمن استمرار تمويل التجارة الخارجية بصورة منتظمة، كما تعمل السياسة المالية على امتصاص جانب من آثار الصدمات الخارجية من خلال إدارة الإنفاق العام والإيرادات والرسوم والضرائب والدعم الحكومي بصورة متوازنة.
وأشار إلى أن التدابير الجمركية والضريبية تأتي ضمن المنظومة الاحترازية لتنظيم حركة الاستيراد وتعزيز الإيرادات العامة وترشيد استخدام النقد الأجنبي، مع مراعاة عدم انتقال أثرها المالي بصورة كاملة إلى المستهلك.
وأوضح أن الموازنة العامة تمتلك أدوات مهمة لحماية الاستقرار الداخلي من خلال استمرار الإنفاق على الغذاء والدواء والوقود والخدمات الأساسية، معتبرا أن الدعم الحكومي في مثل هذه الظروف لا يؤدي وظيفة اجتماعية فحسب، بل يمثل أيضا أداة اقتصادية لامتصاص الصدمات والمحافظة على استقرار الأسعار والطلب المحلي.
بدوره، قال عبد العزيز الحسون، الرئيس السابق لرابطة المصارف العراقية الخاصة، "إن زيادة سعر الدولار التي أقرها مجلس الوزراء وتنفذ من خلال البنك المركزي العراقي جاءت من دون أسباب اقتصادية موجبة كافية، مشيرا إلى أن حاجة الحكومة إلى السيولة بالدينار لتغطية الرواتب والأجور والمنافع تمثل أحد أبرز دوافعها".
وأوضح في تصريح مماثل لـ"قنا"، "أن هذه الالتزامات تستنزف أكثر من 70 في المئة من إجمالي النفقات، فيما يذهب الجزء المتبقي إلى الإنفاق على البناء والخدمات، مشيرا إلى أن التأثير الأكبر للقرار سينعكس على المواطن من خلال زيادة كلفة المعيشة وارتفاع أسعار السلع، في ظل اعتماد السوق العراقي بدرجة كبيرة على المنتجات المستوردة."
وشدد على ضرورة أن يترافق أي إجراء لمعالجة الاختلال الاقتصادي مع خطة إصلاح اقتصادي واضحة، من شأنها الحد من الحاجة إلى اللجوء إلى مثل هذه الإجراءات مستقبلا.
ومن ناحية مصرفية، قال أحمد يوسف كاظم، عضو مجلس إدارة المصرف الإسلامي، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية، إن قرار مجلس الوزراء يمثل متغيرا جوهريا في البيئة المصرفية، وستنعكس آثاره بصورة مباشرة على أداء القطاع المصرفي، موضحا أن تأثير القرار لا يقتصر على مخاطر سعر الصرف، بل يمتد إلى مخاطر السوق نتيجة إعادة تقييم المراكز والموجودات والمطلوبات بالعملة الأجنبية، فضلا عن مخاطر الائتمان، ولا سيما بالنسبة للمستوردين الذين قد ترتفع تكاليف أعمالهم وتتراجع قدرتهم على السداد.
وأضاف كاظم أن ارتفاع الطلب على الدولار قد يزيد مخاطر السيولة، إلى جانب ارتفاع مخاطر التركز في القطاعات الأكثر اعتمادا على الاستيراد، مشيرا إلى أن الأثر النهائي على المركز المالي لكل مصرف سيختلف بحسب حجم وطبيعة مركزه الصافي بالعملة الأجنبية، لافتا إلى أن القرار حدد فارقا قدره عشرة دنانير بين سعر بيع الدولار للمصارف وسعر بيعه للمستفيد النهائي، وهو ما قد يدفع المصارف إلى الاعتماد بصورة أكبر على حجم التعاملات وكفاءة إدارة تكاليفها التشغيلية.
ورأى أن تغير السعر قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تنشيط التعامل عبر القنوات المصرفية الرسمية، خصوصا مع توجه المستوردين للحصول على الدولار من خلال النظام المصرفي، في وقت ستزداد فيه مسؤوليات المصارف في مجالات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتدقيق التحويلات الخارجية وضمان سلامة استخدام الدولار المباع بالسعر الرسمي.
وأكد أن التنسيق بين السياسة المالية، ممثلة بوزارة المالية، والسياسة النقدية، ممثلة بالبنك المركزي العراقي، في إدارة تدفقات الدولار والعمل على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي وتحسين البيئة التي تعمل فيها المصارف.
من جهتها، قالت لبنى أنور، عضو مجلس محافظي سوق العراق للأوراق المالية، إن الانتقال في سعر الصرف إلى 1520 دينارا للدولار يمثل تغيرا نقديا يعيد تشكيل حركة السيولة وتقييم الأصول داخل السوق المالي.
وأوضحت في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن القطاع المصرفي سيكون من أكثر القطاعات تأثرا، إذ يمكن أن تستفيد المصارف التي تمتلك صافي أصول بالدولار من فروقات إعادة التقييم، في حين قد ترتفع مخاطر الائتمان نتيجة زيادة كلفة الدولار على التجار والمقترضين، بما قد يؤدي إلى ارتفاع احتمالات التعثر.
وأضافت أن الشركات الصناعية والزراعية التي تعتمد على استيراد المواد الأولية بالدولار ستواجه ضغوطا على هوامش أرباحها، لصعوبة تمرير كامل الزيادة في التكاليف إلى المستهلك، في حين قد تحصل الشركات ذات المدخلات المحلية على ميزة تنافسية أمام السلع المستوردة.
وأشارت إلى أن شركات الاتصالات والخدمات التي تتحمل تكاليف استثمارية وتشغيلية بالعملة الأجنبية قد تواجه ضغوطا إضافية، ما لم تتمكن من تعديل إيراداتها بما يتناسب مع ارتفاع التكاليف، مبينة أن انخفاض القوة الشرائية للدينار قد يدفع بعض المستثمرين إلى البحث عن أصول حقيقية، مثل العقارات والأراضي والمصانع، للتحوط من التضخم، في حين قد يواجه المستثمر الأجنبي انخفاضا في القيمة الدولارية لمحافظه الاستثمارية نتيجة تغير سعر الصرف.
وخلصت أنور في حديثها، إلى أن تحرك سعر الصرف إلى 1520 دينارا لا يمثل بالضرورة تأثيرا سلبيا موحدا على جميع القطاعات، وإنما يمكن أن يؤدي إلى عملية إعادة تقييم واسعة للأصول والاستثمارات، مشيرة إلى أن أداء الشركات مستقبلا سيعتمد بدرجة كبيرة على قوة أصولها ومراكزها المالية وقدرتها على تحويل ارتفاع الأسعار إلى نمو فعلي في الأرباح والتدفقات النقدية.
يذكر أن البنك المركزي العراقي طمأن المواطنين والقطاعات الاقتصادية في بيان صحفي، إلى متانة الوضع النقدي، مؤكدا كفاية وقوة احتياطياته الأجنبية لتلبية الطلب على العملة الأجنبية، وأن تعديل سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار اعتبارا من 7 أكتوبر 2026 جاء في إطار التزام البنك والحكومة الاتحادية بتحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام وضمان التنمية الشاملة، وبناء على التنسيق المشترك مع مجلس الوزراء واستنادا إلى قانون البنك المركزي العراقي.
وأكد البنك المركزي أن احتياطياته الأجنبية كافية وقوية وتضمن التلبية الكاملة والفورية لجميع طلبات التحويل الخارجي لتمويل التجارة وتسوية البطاقات المصرفية، والبيع النقدي للمسافرين، من دون قيود، مشيرا إلى أن تعديل سعر الصرف يأتي وفق رؤيته لفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الوطني، من خلال دعم المنتج الوطني والصناعة المحلية، وتعزيز قدرة السلع العراقية على المنافسة أمام المنتجات المستوردة، بما يشجع على توسيع المصانع والشركات الوطنية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية غير النفطية، وخلق فرص عمل جديدة، ولا سيما في المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو