كيف استبقت قطر نتائج دراسة عالمية عن تمكين "كبار القدر"؟
الدوحة في 28 أكتوبر /قنا/ كشفت دراسة مركبة واسعة حديثة عن ارتباط وثيق ومباشر بين الأنشطة الاجتماعية في مرحلة الشيخوخة، وتحسن القدرات الإدراكية وتقليل التراجع العقلي، وذلك وفق نتائج الدراسة التي نُشرت في المجلة العلمية "دورية علم الأوبئة والصحة المجتمعية".
وخلُص تحليل بيانات 5 دراسات كبيرة طويلة الأمد، شملت إجمالي 57 ألفا و793 مشاركا من كبار السن من الجنسين في 24 دولة، أن زيادة الأنشطة الاجتماعية التي يمارسها كبار السن، ترتبط بتأثيرات إيجابية أكبر على الذاكرة والوظائف التنفيذية، مثل إجراء العمليات الحسابية، أو استدعاء أسماء الحيوانات.
وتتقاطع هذه النتائج مع تجربة دولة قطر في تمكين كبار القدر وتعزيز مشاركتهم الفاعلة في المجتمع، من خلال منظومة من البرامج والمبادرات التي تتجاوز مفهوم الرعاية التقليدية إلى الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم، وترسيخ مكانتهم شركاء في التنمية ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.
وتتمتع دولة قطر بتجربة رائدة، وسابقة زمانيا على هذه الدراسة، من خلال نهج عام تتبناه الدولة في التعامل مع كبار السن الذين انتقلت العناية بهم في قطر، إلى مستوى أرفع من التكريم، تتمثل في إدماجهم في سياق التنمية المجتمعية، عن طريق الاستفادة من خبراتهم، وبذلك انتقلت قطر في تعاملها مع كبار السن من مفهوم الرعاية والدعم التقليدي، إلى مستوى التمكين الشامل، والإدماج المجتمعي الفاعل والمؤثر، استنادا إلى نهج رسمي مُستمد من رؤية 2030، ومن القيم الدينية والاجتماعية العليا في المجتمع القطري.
وقد راعت دولة قطر في التعامل مع كبار السن، النواحي النفسية والأدبية، إذ أطلقت عليهم كبار القدر بدلا من كبار السن، وتعد هذه التسمية استجابة طبيعية للمكانة التي تحظى بها هذه الفئة العمرية.
وقد أنشأت دولة قطر "مركز تمكين ورعاية كبار السن (إحسان)" عام 2002، للعمل الاجتماعي، وإعطاء كبار القدر المكانة الاجتماعية التي تليق بهم، وذلك تحت مظلة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، فضلا عن إنشاء أندية إحسان أخرى موزعة جغرافيا في مناطق عدة مثل "أزغوى"، و"الوكرة"، و"الشمال"، تعمل على استغلال أوقات فراغ المسنين، وتقديم الاستشارات الاجتماعية والنفسية لهم ولعائلاتهم.
وفي هذا السياق، قالت منال أحمد المناعي المدير التنفيذي لمركز تمكين ورعاية كبار السن (إحسان)، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن الاهتمام بكبار القدر في دولة قطر ليس أمرا جديدا، بل هو امتداد لقيمنا القطرية الأصيلة، التي تقوم على احترام الكبير وتقديره ورعايته، باعتباره مصدر الحكمة، والخبرة، والبركة في الأسرة والمجتمع.
وأضافت أنه مع تطور الدولة، انتقل هذا الاهتمام من الإطار الأسري والمجتمعي إلى العمل المؤسسي المنظم، من خلال إنشاء الجهات المتخصصة في تقديم الرعاية والخدمات الاجتماعية لكبار القدر.
ونوهت إلى أن مركز تمكين ورعاية كبار السن إحسان، يعمل على تعزيز مكانة كبار القدر وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع، انطلاقا من إيمان المركز بأن دوره لا يتوقف عند مرحلة عمرية معينة، بل يتعداه إلى كبار القدر بما يمتلكونه من خبرات وتجارب تسهم في بناء الأجيال.
وعن تبني مصطلح "كبار القدر" ودلالته المجتمعية، أوضحت منال أحمد المناعي أن هذا المصطلح يحمل رسالة مهمة، وهي "أننا لا ننظر إلى هذه الفئة من زاوية العمر فقط، وإنما من زاوية المكانة، والقيمة، والخبرة التي تمثلها في المجتمع"، مشيرة إلى أن هذا التحول لا يقتصر على تغيير المسمى، وإنما يعكس توجها نحو الانتقال من مفهوم الرعاية فقط إلى مفهوم التمكين والمشاركة. فكبار القدر ليسوا مجرد متلقين للخدمات، بل هم شركاء في التنمية، وأصحاب خبرات وتجارب يمكن للأجيال الجديدة الاستفادة منها، ولذلك نعمل على تعزيز هذه النظرة من خلال البرامج والمبادرات التي تبرز إسهامات كبار القدر، وتشجع مشاركتهم في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والتوعوية.
وبشأن الآليات التي يعتمدها مركز إحسان لإيجاد التفاعل بين الأجيال الشابة مع كبار القدر، قالت المناعي "لا نكتفي بالزيارات والمناسبات، بل نحرص على علاقة مستدامة بين الأجيال الجديدة وكبار القدر، لتبادل المعرفة، وذلك من خلال تعزيز البرامج والمبادرات التي تتيح للشباب الاستماع إلى تجارب الكبار والتعلم منها. كما نهتم بإبراز قصص كبار القدر وتجاربهم في مختلف المجالات، سواء في التراث، أو التعليم، أو العمل، أو الحياة الاجتماعية، لأن هذه التجارب تمثل جزءا مهما من ذاكرة المجتمع القطري".
وتطرقت منال أحمد المناعي إلى حزم الدعم والتأهيل المقدمة للأسر لضمان استدامة الرعاية المنزلية لكبار القدر دون أعباء نفسية أو جسدية، قائلة "إننا في مركز إحسان نركز على نشر الوعي بأساليب التعامل مع كبار القدر، وفهم احتياجاتهم النفسية والاجتماعية، وتعزيز التواصل الإيجابي معهم. ومن الموضوعات التي نحرص على التوعية بها تهيئة البيئة المنزلية الآمنة، وتشجيع كبار القدر على الاستقلالية، وتجنب العزلة الاجتماعية، وأهمية توزيع مسؤوليات الرعاية بين أفراد الأسرة".
وأضافت "كما نؤكد أن الرعاية لا تعني القيام بكل شيء نيابة عن كبير القدر، بل مساعدته عند الحاجة، مع احترام قدراته، وقراراته، وخصوصيته. ومن المهم أيضا الاهتمام بمقدم الرعاية نفسه، لأن استدامة الرعاية تتطلب التوازن بين احتياجات كبير القدر، وصحة أفراد الأسرة النفسية والجسدية، فكلما كانت الأسرة أكثر وعيا واستعدادا، كانت الرعاية أكثر جودة واستدامة، وكان كبير القدر أكثر راحة واستقلالية".
ووفقا المدير التنفيذي لمركز تمكين ورعاية كبار السن (إحسان)، فإنهم في مركز إحسان يمتلكون رؤية خاصة لحماية كبار القدر من العزلة الرقمية، تقوم على اعتبارهم جزءا من التحول الرقمي في الحياة الحديثة، ولذلك فإنهم يقدمون لهم التوعية الرقمية، ويعززون مهاراتهم في استخدام الهواتف الذكية، والتطبيقات، والخدمات الإلكترونية.
وقالت "كما نركز على جانب الأمان الرقمي، من خلال توعيتهم بمخاطر الاحتيال الإلكتروني، وأهمية حماية المعلومات الشخصية، وعدم مشاركة الرموز السرية أو البيانات البنكية مع الآخرين. ونرى أيضا أن للشباب دورا مهما في هذا المجال، من خلال مساعدة الآباء والأجداد على تعلم المهارات الرقمية بطريقة تشجعهم على الاعتماد على أنفسهم. ونحن نفعل ذلك وهدفنا ليس فقط أن يستخدم كبار القدر التكنولوجيا، بل أن يستخدموها باستقلالية وثقة وأمان، وأن تكون وسيلة لتعزيز تواصلهم مع المجتمع لا سببا في عزلتهم".
لكن بالرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها المركز، فإن عمله لا يخلو من مواجهة تحديات مستقبلية، لخّصتها منال أحمد المناعي في أربعة تحديات أساسية هي "مواكبة التغيرات الديموغرافية، وتنوع احتياجات كبار القدر، والتطور السريع في التكنولوجيا، والخدمات الصحية والاجتماعية".
وأكدت أن احتياجات كبار القدر ليست متشابهة، فهناك من يحتاج إلى الرعاية والمساندة، وهناك من يمتلك القدرة والرغبة في العمل والتطوع والمشاركة المجتمعية، ولذلك فإن التوجه المستقبلي يجب أن يقوم على تقديم خدمات أكثر مرونة وتخصصا، تراعي احتياجات كل فرد، وتعزز استقلاليته وجودة حياته.
وختمت منال أحمد المناعي المدير التنفيذي لمركز تمكين ورعاية كبار السن (إحسان) تصريحها لـ"قنا"، قائلة "إننا في مركز إحسان نؤمن بأهمية تطوير البرامج الاجتماعية، وتعزيز الشراكات مع الجهات الصحية والمجتمعية، والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات في فهم الاحتياجات المستقبلية والتخطيط الباكر لها"، مضيفة أن "التوعية، والوقاية، والتمكين، تمثل عناصر أساسية في الاستعداد للمستقبل، لأن الهدف ليس انتظار ظهور التحديات، بل العمل على الحد منها قبل حدوثها. وطموحنا أن ننتقل من الاستجابة للاحتياجات إلى استشرافها، ومن تقديم الرعاية فقط إلى بناء منظومة متكاملة تضمن لكبار القدر حياة كريمة وآمنة ومشاركة فاعلة في المجتمع".
وفي المحصلة، فإنه في وقت توضع فيه الدراسات والأبحاث لبيان ضرورة وأهمية التعامل مع كبار السن كشريحة من شرائح المجتمع، أخذت دولة قطر خطوات إلى الأمام في هذا المضمار، وحولت كبار السن في المجتمع إلى طاقة مساهمة في تحقيق رؤية 2030 الاستراتيجية التي تهدف لتحويل قطر إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، وتأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد آخر.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو