من الابتكار إلى الأمن الغذائي.. العالم يبحث عن حلول لغذاء المستقبل
الدوحة في 15 أكتوبر /قنا/ يحتفي العالم في السادس عشر من أكتوبر من كل عام بيوم الأغذية العالمي، الذي يمثل مناسبة عالمية للتوعية بقضايا الجوع والأمن الغذائي، وتسليط الضوء على أهمية بناء نظم زراعية وغذائية قادرة على توفير أطعمة كافية وآمنة ومغذية وميسورة الكلفة للجميع.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة " الفاو"، فإن مناسبة هذا العام تأتي تحت شعار "ابتكار اليوم، غذاء الغد"، في دعوة إلى توظيف الابتكار والعلم والتكنولوجيا والمعارف التقليدية والنهج الشامل في بناء مستقبل غذائي أكثر أمنا واستدامة.
ويؤكد التوجه العالمي المعلن للمناسبة على أن الابتكار في مجال الغذاء لا يقتصر على التقنيات الحديثة أو الذكاء الاصطناعي والآلات والروبوتات، وإنما يشمل كذلك الأفكار الجديدة، وتحسين أساليب الإنتاج والتخزين والنقل والتسويق، وتطوير طرق تبادل المعرفة، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى المزارعين والصيادين ومربي الماشية وغيرهم من العاملين في النظم الزراعية والغذائية.
وتشير منظمة " الفاو" إلى أن العالم ينتج بالفعل ما يكفي من الأغذية لإطعام الجميع، إلا أن 645 مليون شخص ما زالوا يعانون من الجوع، بينما يعجز 2.69 مليار شخص عن تحمل كلفة نمط غذائي صحي، وهو ما يعكس أن تحدي الأمن الغذائي لا يرتبط بالإنتاج وحده، وإنما أيضا بإمكانية الوصول إلى الغذاء والقدرة على تحمل تكلفته وجودته وقيمته الغذائية، حيث تضع هذه المعطيات مسألة تحويل النظم الزراعية والغذائية في مقدمة الأولويات الدولية، بما يضمن وصول الأغذية إلى مختلف الفئات والمناطق، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة، مع حماية الموارد الطبيعية والبيئة للأجيال المقبلة.
ووفقا للمنظمة الأممية، فإن مجالات الابتكار تشمل مختلف مراحل السلسلة الغذائية، بدءا من الزراعة والإنتاج، مرورا بالتخزين والنقل والتصنيع والتسويق، وصولا إلى الحد من الفاقد والمهدر من الأغذية وتحسين وصول المنتجات إلى المستهلكين.
وفي السياق، فإنه يمكن للبيانات والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أن تؤدي دورا متناميا في تحسين إدارة الموارد الزراعية، ورصد المحاصيل والظروف المناخية، والتنبؤ بالإنتاج، وتحسين استخدام المياه والأسمدة، ودعم المزارعين في اتخاذ القرارات، إلى جانب تطوير سلاسل توريد أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة الصدمات.
وتشدد " الفاو" على أن الابتكار الفعال لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بقدرته على الوصول إلى الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليه، وأن يكون ميسور التكلفة، وعمليا وقابلا للتكيف مع مختلف المجتمعات والبيئات المحلية.
وتطالب المنظمة الحكومات بوضع سياسات قائمة على الأدلة والعلوم، وصون الحق في الغذاء، وتعزيز نظم الرصد والتقييم، ودعم الأسواق الزراعية والغذائية المستدامة والنمو الاقتصادي الشامل.
وفي المقابل، يمكن للقطاع الخاص أن يسهم في توسيع نطاق الابتكارات وتحويلها إلى حلول قابلة للتطبيق، ولا تضع " الفاو" مسؤولية تطوير النظم الغذائية على الحكومات وحدها، بل تدعو إلى شراكة واسعة تشمل القطاع الخاص والمزارعين والباحثين والأوساط الأكاديمية، والمجتمع المدني، والأفراد، وتؤدي الجامعات ومراكز البحث دورا محوريا في إنتاج المعرفة وتطوير التقنيات، بينما يمثل المزارعون والصيادون ومربو الحيوانات وغيرهم من المنتجين حلقة أساسية في اختبار الحلول وتكييفها مع الواقع المحلي، في الوقت ذاته الذي تؤكد فيه المنظمة أهمية إشراك الشباب باعتبارهم من صناع التغيير في مستقبل النظم الغذائية، وتعزيز وعيهم بقضايا الغذاء والاستدامة، وتشجيعهم على تطوير حلول مبتكرة للتحديات القائمة.
وحول دور الابتكار في تأمين الغذاء، قال السيد حمد هادي الهاجري مدير إدارة الأمن الغذائي بوزارة البلدية، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية " قنا "، إن دولة قطر تترجم شعار يوم الأغذية العالمي 2026 "ابتكار اليوم، غذاء الغد" من خلال الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2030، وتماشيا مع أهداف استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، التي تسعى إلى بناء نظام غذائي يتسم بالمرونة والاستدامة، ويضمن توفير إمدادات غذائية آمنة وعالية الجودة وبأسعار معقولة في جميع الأوقات، حيث ترتكز الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية، تتكامل فيما بينها لتعزيز الأمن الغذائي الوطني، ورفع قدرة الدولة على التكيف مع التحديات المستقبلية المحتملة، وتتمثل هذه المحاور في: الإنتاج المحلي والأسواق، من خلال تعزيز الإنتاج المحلي من الخضراوات واللحوم الحمراء، وتطوير الأسواق المحلية، والمحافظة على مستوى مستدام للصيد البحري، والاستفادة من الاستزراع السمكي، وتعزيز مرونة إنتاج الألبان.
وأضاف أن هذه المبادرات تسهم في تنمية الإنتاج المحلي وتعزيز استدامته، بما يدعم توافر المنتجات الغذائية في الأسواق، بالإضافة للمخزون الاستراتيجي الاحتياطي ونظم الإنذار، من خلال تحسين المخزون الاستراتيجي الاحتياطي وتوسيع نطاقه، وإنشاء نظام إنذار متكامل للأمن الغذائي، وإدارة المخزون الاستراتيجي للمدخلات الزراعية، كما أن المبادرات تهدف إلى تعزيز جاهزية الدولة للتعامل مع الأزمات، والاستجابة للتغيرات التي قد تؤثر في توافر الغذاء واستمرارية الإمدادات، بينما يتمثل المحور الثالث في التجارة الدولية والاستثمار، من خلال مجموعة من المبادرات، تشمل تعزيز تدابير التجارة المباشرة لحماية المنتجين المحليين من المنتجات المستوردة، وتطوير وتحفيز مصادر التجارة الدولية، بما يسهم في تنويع مصادر الإمدادات الغذائية وتعزيز مرونة منظومة الأمن الغذائي.
وأكد أنه ومن خلال هذه المحاور الثلاثة، تعمل دولة قطر على تحقيق التكامل بين تنمية الإنتاج المحلي، وتعزيز الجاهزية للأزمات، وتنويع مصادر الإمدادات الغذائية، بما يدعم بناء منظومة غذائية أكثر مرونة واستدامة، كما يمثل دعم البحث والتطوير والابتكار أحد عوامل التمكين لتنفيذ مبادرات الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2030.
وأوضح أن الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2030 تهدف إلى تعزيز الاستدامة الزراعية والزراعة الذكية مناخيا عبر مجموعة من المستهدفات والمبادرات العملية؛ أبرزها: ترشيد استهلاك المياه عبر استهداف تقليل استخدام المياه الجوفية في الزراعة بنسبة 70%، وتعزيز استخدام المياه المعالجة في إنتاج الأعلاف الخضراء، مع استهداف تحقيق اكتفاء ذاتي منها بنسبة 18%، وذلك من خلال رفع كفاءة استهلاك الموارد الطبيعية وكفاء الإنتاج، وتعزيز استخدام الزراعة الذكية واستخدام المستشعرات وأنظمة المراقبة الرقمية لقياس رطوبة التربة واحتياجات المحاصيل، وتحديد كميات الري والأسمدة المناسبة، بما يرفع الإنتاجية ويقلل الهدر، إلى جانب التوسع في الزراعة المحمية بوقف زراعة الخضراوات التي تناسب البيوت المحمية في الحقول المكشوفة، وتشجيع المزارعين على التحول إلى البيوت المحمية المتطورة والتقنيات الزراعية المستدامة.
ولفت إلى أن من المبادرات العملية لإنفاذ الاستراتيجية الوطنية 2030، تحفيز الابتكار الزراعي بتعزيز التعاون بين المؤسسات البحثية والمزارعين لتوظيف الاستثمارات والتقنيات الحديثة ورفع الإنتاجية، كما أن أننا نتبع استخدام الطاقة النظيفة بتشجيع الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يسهم في خفض الانبعاثات والتلوث، بالإضافة لانتهاج تحسين الممارسات الزراعية بترشيد استخدام المبيدات والأسمدة، بما فيها العضوية، والمحافظة على جودة التربة، وتطبيق الإدارة المتكاملة للآفات وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية، فضلا عن تطوير خدمات الدعم والإرشاد الزراعي بتوفير التدريب والخدمات الفنية للمزارعين لمساعدتهم على تبني التقنيات الحديثة وتحسين كفاءة الإنتاج.
وكشف مدير إدارة الأمن الغذائي بوزارة البلدية، عن أن دولة قطر حققت تقدما ملحوظا في تعزيز الإنتاج الغذائي المحلي، بفضل الاستثمارات الوطنية ودعم المزارعين وتطوير التقنيات الزراعية والحيوانية والسمكية، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز المخزون الاستراتيجي، انطلاقا من أهداف الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2030، التي ترمي إلى تعزيز الإنتاج المحلي للمنتجات الطازجة التي تتطلب إمدادات مستمرة.
ومن أبرز الإمدادات الخضراوات الاستراتيجية برفع الاكتفاء الذاتي المستهدف إلى 55%، مع تطوير الزراعة المحمية والتقنيات الحديثة وزيادة الإنتاج على مدار العام، وفي مجال الأسماك الطازجة بالوصول إلى 80% من الاكتفاء الذاتي، عبر التوسع في الاستزراع السمكي مع المحافظة على المخزون السمكي الطبيعي، كما تم رفع الاكتفاء الذاتي إلى 70% في مجال بيض المائدة من خلال تطوير المشروعات الإنتاجية المحلية، أما في مجال اللحوم الحمراء الطازجة فقد تم الوصول إلى 30% من الاكتفاء الذاتي، عبر تنمية إنتاج الأغنام والماعز وتحسين الخدمات البيطرية، وفي قطاع الألبان والدواجن الطازجة عملنا علي المحافظة على مستويات الاكتفاء الذاتي المرتفعة، التي تقترب من تلبية كامل احتياجات السوق المحلي.
وقال: إن الاستثمار في البحث العلمي والابتكار والتقنيات الزراعية الحديثة يثمل ركيزة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي في دولة قطر، وفرصة لبناء قطاع زراعي أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على مواجهة التحديات المناخية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، بما يتماشى مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2030.
وشدد السيد حمد هادي الهاجري مدير إدارة الأمن الغذائي بوزارة البلدية، على أهمية الاستثمار في البحث العلمي في زيادة الإنتاج المحلي من خلال الزراعة الذكية والمحمية، وترشيد استهلاك المياه، وتطوير أصناف تتحمل الظروف المناخية، وتحسين جودة المنتجات وخفض تكاليف إنتاجها. وأنه يسهم في تطوير الإنتاج الحيواني والسمكي، وتعزيز التعاون بين المؤسسات البحثية والمزارعين والقطاع الخاص لتحويل الابتكارات إلى حلول عملية.
وقال في ختام تصريحاته لـ" قنا" أن هذه الجهود لا تقتصر على زيادة الإنتاج، بل تعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وتدعم بناء اقتصاد زراعي قائم على المعرفة والابتكار وأكثر قدرة على تحقيق الاستدامة على المدى الطويل، ودعم مسيرة التنمية الوطنية بما يتماشى مع الأهداف الشاملة للتنمية المستدامة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وذلك بالاعتماد على التحول الرقمي في رصد وإدارة البيانات وتحليلها، وتسهيل الحصول على خدمات الدعم الزراعي من خلال استخدام الحلول الرقمية، إضافة إلى تطوير أنظمة الإنذار المركزي للأمن الغذائي للتعامل مع الطوارئ والأزمات.
من جانبه، قال الدكتور عبد العزيز الحمادي، خبير اقتصادي، في تصريحات مماثلة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إنه إذا غاب الأمن الغذائي فلن يكون هناك استقرار اقتصادي؛ فهما وجهان لعملة واحدة، فنقص الإمداد من الغذاء يعني اختلال الاستقرار الاجتماعي أو الاقتصادي، فإذا ما ارتفعت أسعار الغذاء أو تعرضت سلاسل الإمداد للاضطراب، فإن ذلك ينعكس على معدلات التضخم، والقوة الشرائية للأسر، وتكاليف الإنتاج.
وأضاف: علينا أن نعلم بأن تعزيز الأمن الغذائي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره استجابة للأزمات فقط، وإنما باعتباره استثمارا طويل الأجل في الاستقرار الاقتصادي والقدرة على الصمود، فكلما كان لدى الدول أمن غذائي من خلال منظومة متكاملة كانت أكثر قدرة على التعامل مع تقلبات الأسعار الغذائية وسلاسل الإمدادات العالمية.
ورأى أن التطور التكنولوجي المرتبط بالأمن الغذائي لا يقتصر على زيادة الإنتاج الزراعي، بل يمتد إلى مجالات أوسع تشمل الزراعة الذكية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والزراعة المائية والعمودية، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، فضلا عن الابتكار في الصناعات الغذائية، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي والحفاظ على البيئة.
وأشار إلى أن هذا التطور قد يتطلب استثمارات كبيرة في الأجل القصير، إلا أن عوائده على المدى الطويل تبرر هذه التكاليف، من خلال فتح آفاق جديدة للاستثمار، ودعم الشركات الناشئة، وتطوير الصناعات والخدمات المرتبطة بالقطاع الغذائي، بما يعزز تنويع مصادر الدخل ويحد من الاعتماد على الواردات.
وشدد على أن الاستثمار في الابتكار والإبداع والتطوير يجعل الأمن الغذائي جزءا من استراتيجية النمو الاقتصادي، بحيث ننتقل من مفهوم "تأمين الغذاء" إلى مفهوم أوسع يتمثل في بناء اقتصاد غذائي مبتكر وتنافسي ومستدام.
ولفت إلى أن الدول في حاجة لبنية تحتية فعالة ومتكاملة للنقل والتخزين والتوزيع؛ لذا فإن الاستثمار في توفير الغذاء والاتجاه للتخطيط لمستقبل مستدام للأجيال القادمة يتطلب وجود سلاسل إمداد، وخدمات لوجستية مثل التبريد والموانئ والخدمات الأخرى، فذلك يمثل جزءا أساسيا من منظومة الأمن الغذائي، فالهدف الاستراتيجي هو تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في جميع المنتجات، وبناء مزيج متوازن بين الإنتاج المحلي، وتنويع الواردات من جهات مختلفة، بما يقلل تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية.
وخلص الدكتور الحمادي إلى القول إن الدول يمكنها أن تلعب دورا مهما وأساسيا ودعما استراتيجيا من خلال المشتريات الحكومية والمساهمة عن طريق الجامعات في مجال البحث والابتكار؛ لأن العلوم والابتكارات والإبداعات العلمية لو ظلت حبيسة الأدراج والعقول ولم تخرج للعلن، فإنها ستبقى وكأنها لم تكن، فالمطلوب بناء منظومة متكاملة تربط البحث العلمي بالتمويل والاستثمار والسوق والمزارع والمستهلك، حيث إن الفعل المبتكر والمبدع سيرفع الإنتاجية ويخفض التكلفة.
ويكتسب يوم الأغذية العالمي أهمية متزايدة في ظل استمرار التحديات التي تواجه النظم الغذائية العالمية، وفي مقدمتها النزاعات وعدم الاستقرار الاقتصادي والصدمات المناخية، إلى جانب ارتفاع تكلفة الغذاء والنظم الغذائية الصحية، وما تفرضه هذه العوامل من ضغوط على قدرة ملايين الأشخاص على الحصول على غذاء كاف ومتنوع.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو