بمنحها للقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي.. جائزة نوبل للسلام تعيد الاعتبار للقانون الدولي
الدوحة في 11 أكتوبر /قنا/ جاءت جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لتعيد الاعتبار للقانون الدولي، كونه ركيزة أساسية للاستقرار والنظام العالمي، فقد منحت اللجنة النرويجية الجائزة، للقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، تقديرا لمسيرتها الطويلة في الدفاع عن سيادة القانون ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وقالت اللجنة إنها منحت الجائزة "لشخصية قادت الطريق، بشجاعة ونزاهة، نحو نظام قانوني عالمي أكثر شمولا، وذلك تقديرا لدورها الممتد عبر عقود في تطوير آليات المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. ولم يكن اختيار بيلاي، البالغة من العمر خمسة وثمانين عاما، تكريما لمسيرة شخصية استثنائية فحسب، بل جاء في لحظة يواجه فيها النظام القانوني الدولي، اختبارا صعبا، وسط تصاعد النزاعات المسلحة والاتهامات بازدواجية المعايير وتزايد الضغوط على المحاكم والمؤسسات المكلفة بحماية حقوق الإنسان.
ويرى المراقبون أن لجنة جائزة نوبل، اختارت للتكريم هذا العام، المرأة التي جعلت القانون سلاحا للضعفاء، وأمضت حياتها في مواجهة الظلم بسلاح القانون، وكأنها أرادت أن توجه رسالة إلى عالم يموج بالصراعات والحروب والمظالم ملخصها، أن السلام لا تصنعه الاتفاقيات وحدها، وإنما تحميه العدالة، وأن قوة القانون يجب أن تسود على قانون القوة، وأن العدالة الدولية ستبقى مهما طال الزمن، الملاذ الذي يمكن أن يحتمي به الضعفاء، في وجه ممارسات العدوان والظلم في أي مكان من العالم.
فالمحاكم الدولية، باتت تلعب في هذا العصر، دورا محوريا في ترسيخ سيادة القانون على المستوى العالمي، فهي الحارس الأخير للعدالة حين تعجز الأنظمة الوطنية أو تتواطأ، وهذه المحاكم، ومنها المحكمة الجنائية الدولية التي تطارد مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومحكمة العدل الدولية التي تفصل في النزاعات بين الدول وتصدر آراء استشارية حول قضايا الإبادة والتطهير العرقي، لا يقتصر دورها على إصدار الأحكام فحسب، بل ترسم حدودا أخلاقية وقانونية تحول دون تحول استخدام القوة العسكرية والعدوان، إلى ممارسات مقبولة، وتمنح الضحايا أملا في المساءلة ولو بعد عقود من الصمت والنسيان.
لكن حكاية المرأة التي وصلت إلى أرفع تكريم عالمي للسلام لم تبدأ في قاعات الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية، وإنما في مدينة ديربان بجنوب إفريقيا، حيث ولدت عام 1941، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي كان يقسم البشر وفق ألوانهم وأصولهم، ويمنح الحقوق والامتيازات على أساس الانتماء العرقي.
هناك عرفت بيلاي منذ طفولتها معنى أن يتحول القانون، الذي يفترض أن يحمي الناس، إلى أداة للتمييز بينهم، فقد كانت القواعد العنصرية تتحكم في التعليم والعمل والإقامة والحركة، وتحدد فرص الإنسان قبل أن يتمكن من إثبات قدراته، وفي تلك البيئة تشكل وعيها المبكر بالعلاقة بين العدالة والكرامة الإنسانية، وبدأت رحلة طويلة لتحويل القانون من وسيلة للإقصاء إلى أداة للدفاع عن الحقوق.
وامتد عملها إلى الدفاع عن حقوق السجناء في جزيرة روبن، حيث كان نيلسون مانديلا وعدد من أبرز قادة النضال ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، يقضون سنوات طويلة خلف القضبان، وأسهمت جهودها القانونية في كشف ممارسات التعذيب والدفاع عن الحقوق الأساسية للمعتقلين، في وقت كانت فيه مواجهة النظام العنصري من داخل مؤسساته القضائية تنطوي على مخاطر سياسية ومهنية كبيرة.
وبعد انتهاء نظام الفصل العنصري وانتقال جنوب إفريقيا إلى الديمقراطية، عينت بيلاي عام 1995 قاضية في المحكمة العليا لبلادها، لتصبح أول امرأة غير بيضاء تتولى هذا المنصب. وفي العام نفسه انتخبتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، قاضية في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، التي أنشئت لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الإبادة الجماعية عام 1994.
ومن رواندا انتقلت بيلاي إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث عملت قاضية في المؤسسة القضائية الدائمة التي أنشئت لملاحقة الأفراد المتهمين بأشد الجرائم الدولية خطورة عندما تتوافر شروط اختصاصها. وفي عام 2008 تولت بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، واستمرت فيه حتى عام 2014، لتصبح مسؤولة عن قيادة جهود أممية واسعة لرصد الانتهاكات والدفاع عن المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وفي هذا الموقع لم تعد تتعامل مع الجرائم من مقعد القاضي وحده، بل أصبحت مطالبة بمخاطبة الحكومات ومواجهة الانتهاكات في مناطق النزاع، والدفاع عن استقلالية المؤسسات الحقوقية في مواجهة الضغوط السياسية.
وقد تولت بيلاي فيما بعد رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، خلال الفترة من عام 2021 إلى عام 2025. وأصدرت اللجنة تقارير تناولت الانتهاكات المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وخلصت عام 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، وقد أعاد هذا الملف اسم بيلاي إلى قلب واحدة من أكثر القضايا الدولية حساسية، وأبرز مجددا الصراع بين المؤسسات التي تسعى إلى تطبيق قواعد القانون الدولي والدول التي تعترض على اختصاص تلك المؤسسات أو استنتاجاتها. وتشارك بيلاي أيضا بوصفها قاضية مخصصة في محكمة العدل الدولية، في القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار بشأن اتهامات الإبادة الجماعية بحق أقلية الروهينغا، في امتداد لمسيرتها المرتبطة بالمساءلة عن الجرائم الجماعية.
ويجمع المراقبون على أن منح القاضية بيلاي جائزة نوبل للسلام في هذا التوقيت بالذات، يظهر بين أمور أخرى، أن العالم لا يعاني نقصا في المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وإنما يواجه فجوة متزايدة بين القواعد القانونية المكتوبة والقدرة على تطبيقها عندما تتورط في الانتهاكات دول قوية أو أطراف تتمتع بحماية سياسية، وتتضح صورة هذه الفجوة في الحروب التي يسقط فيها المدنيون، وفي الخلافات بشأن اختصاص المحاكم الدولية، وفي عجز بعض المؤسسات عن تنفيذ قراراتها، وفي الاتهامات المتبادلة باستخدام القانون الدولي بصورة انتقائية.
ويشير المراقبون إلى أن المحكمة الجنائية الدولية نفسها أصبحت محورا لصدامات سياسية حادة، ولا سيما بعد إصدارها أوامر قبض تتعلق بالحرب في غزة شملت بنيامين نتنياهو رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وفرض الولايات المتحدة عقوبات على المحكمة ومسؤولين فيها، ويضيف هؤلاء المراقبون أن العدالة الدولية حققت خلال العقود الماضية تقدما مهما في توثيق الجرائم وملاحقة بعض مرتكبيها والمسؤولين عنها، لكنها لم تنجح في القضاء على الإفلات من العقاب، ولم تستطع منع اندلاع الحروب أو حماية جميع المدنيين من الانتهاكات، وقالوا إن القيمة الحقيقية لجائزة نوبل التي حصلت عليها بيلاي، لا تكمن في الإيحاء بأن العدالة انتصرت بالفعل، بل في التذكير بأن المعركة ما زالت مستمرة، دفاعا عن العدالة والمساءلة باعتبارهما شرطين أساسيين لمنع تكرار النكبات والمآسي، وأن الحفاظ على المؤسسات القانونية الدولية يتطلب أكثر من الاحتفاء بمبادئها والإشادة بقراراتها.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو