الصورة الفلسطينية.. ذاكرة تقاوم النسيان وتحفظ حكاية المكان
باريس في 01 أكتوبر /قنا/ يتزامن الاحتفاء في فرنسا بمرور 200 عام على ظهور التصوير الفوتوغرافي، مع معرض «فلسطين مصورة بعدسة جوس دراي» الذي يحتضنه معهد العالم العربي في باريس، مستعيدا جانبا من الحياة الفلسطينية كما وثقتها المصورة والكاتبة الفرنسية جوس دراي على مدى سنوات، في تجربة تجعل الصورة مساحة للتأمل في التاريخ والإنسان والذاكرة.
ويأتي المعرض، إلى جانب لقاء مخصص لذاكرة اللاجئين الفلسطينيين، وعرض المجموعة الفوتوغرافية التراثية للمعهد، ليعيد طرح دور الصورة في توثيق الحياة الفلسطينية وحفظ تفاصيلها، بما تتضمنه من مشاهد يومية وحكايات إنسانية تبقى شاهدة على مراحل مختلفة من التاريخ.
ويقترب المعرض، الذي يستمر حتى الأول من نوفمبر المقبل، من التجربة الفلسطينية من خلال صور التقطتها جوس دراي بين عامي 1987 و2001، بينها صور نادرة تنشر للمرة الأولى، توثق تفاصيل الحياة اليومية في الأرض المحتلة ومخيمات اللجوء، من جنين وجباليا وقلنديا والدهيشة، إلى مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، إلى جانب صور من تحقيق فوتوغرافي كلفها المعهد بإنجازه عام 2001.
ويستعيد المعرض مشاهد من مراحل مختلفة، بينها تظاهرات الأطفال خلال الانتفاضة الأولى، وشوارع وأزقة وأسواق غزة وبحرها، وحدود رفح، وتعبيرات «الجرافيتي» والرسوم الحائطية التي أعقبت اتفاقيات أوسلو، بما يتيح قراءة الصورة بوصفها أكثر من مجرد تسجيل للحظة، فهي تحفظ تفاصيل الحياة اليومية وتصون الذاكرة الفردية والجماعية، وتبقي حكايات الفلسطينيين حاضرة.
وحول هذه المناسبة، أكد عدد من الكتاب والمثقفين والمصورين والرسامين والمبدعين أن الصورة تمثل أداة أساسية في حفظ الذاكرة الفلسطينية وتوثيق التاريخ ونقل الرواية من جيل إلى آخر، لما تكشفه من تفاصيل الحياة اليومية وحكايات الناس وثقافتهم.
وشددوا، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية «قنا»، على أن الصورة تكتسب أهمية خاصة في الحفاظ على ذاكرة النكبة واللجوء والنزوح، ومواجهة محاولات محو الهوية والتاريخ والثقافة الفلسطينية، مؤكدين أنها توثق حياة شعب متجذر في أرضه، وتحافظ على حضوره وذاكرته عبر الأجيال.
وأشاروا إلى أن الصورة لا تقتصر على التوثيق، بل تشكل وسيلة للمقاومة وحفظ الرواية الشفاهية، كما يتيح الأرشيف الفوتوغرافي استعادة تفاصيل التاريخ والحياة الفلسطينية، وإعادة تقديم الماضي عبر أعمال فنية جديدة، بما يبقي هذه الذاكرة حاضرة ومتوارثة.
وبذلك، يتحول الأرشيف الفوتوغرافي إلى مساحة تلتقي فيها الصورة بالتاريخ والذاكرة؛ إذ لا تستعيد الصور وجوها وأماكن ومشاهد من الماضي فحسب، وإنما تحفظ أيضا تفاصيل الحياة التي عاشها الفلسطينيون، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة للتعرف على تلك التجربة من خلال ما تركته العدسة من شهادات بصرية.
وفي هذا الصدد، أشارت جوس دراي الكاتبة والمصورة الفوتوغرافية الفرنسية، لـ"قنا"، إلى أنها لم تدرك عندما بدأت بتصوير الشعب الفلسطيني أنها كانت تصنع أرشيفا يتيح إعادة بناء تاريخ الفلسطينيين، موضحة أنها ذهبت إلى فلسطين للقاء الفلسطينيين؛ لأن التصوير الفوتوغرافي بالنسبة إليها يمثل لقاء وتبادلا بين الناس وبينها، سواء في الضواحي أو في أي مكان آخر.
وقالت: "إن علاقة حقيقية نشأت بينها وبين جزء كبير من الفلسطينيين الذين عاشت بينهم في المخيمات والقرى، مشيرة إلى أنها كانت تمضي أسبوعا كاملا تحت حظر التجول، ثم تنتقل إلى قرية أخرى خلال الانتفاضة الأولى، وهكذا"، مضيفة: "أنه بعد أربعين عاما من التصوير، أصبح ما التقطته أرشيفا، وأصبح أيضا رؤية للشعب الفلسطيني الحي، معتبرة أن هذه الرؤية بالغة الأهمية، وأنه يجب الاستمرار في نقلها وإيصالها، لأن كل ما يحدث اليوم يستهدف هذا الشعب".
وأوضحت دراي أن ما وصفته بالمحو والتدمير يجري على المستوى الجسدي، إلى جانب محاولة للقضاء بشكل كامل على المجتمع وعلى الناس والأفراد من قبل الكيان الإسرائيلي، مؤكدة أن الصور التي التقطتها خلال أربعين عاما تتيح القول إن هناك شعبا موجودا، وإن هناك مجتمعا وجد، شعبا حيا وواقفا على قدميه، وقد ظل دائما كذلك، لافتة إلى أن صورا تنشر اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي من غزة تظهر مدى تعلق وتجذر هذا الشعب في أرضه، وكفاحه اليومي من أجل مقاومة كل محاولات الترحيل والتهجير القسري.
وتابعت أنها اكتشفت هذا التجذر عندما وصلت إلى فلسطين للمرة الأولى عام 1987، موضحة أنها كانت تريد إحياء ذكرى النكبة في وقت كان الحديث فيه عن مرور أربعين عاما على قيام دولة الكيان الإسرائيلي، وكانت تريد بأي ثمن أن تتحدث عن الفلسطينيين، وعن حقيقتهم وما كانوا عليه، مضيفه أنها أدركت فورا أن هذا شعب متأصل في أرضه، وأن له شرعية في أن يكون موجودا فيها، ومنذ ذلك الحين كرست كل هذه السنوات من حياتها لإظهار مدى تجذره في أرضه، حتى في مخيمات اللاجئين، مبينة أن الناس يكونون متعلقين بأرضهم وقريتهم، ليظل هذا التعلق وهذه الذاكرة حاضرة وحية حتى في مخيمات اللاجئين.
وقالت الكاتبة والمصورة الفوتوغرافية الفرنسية، في ختام تصريحاتها لـ" قنا"، إن الأهم من ذلك أن الفلسطينيين بنوا أيضا في مخيمات اللاجئين مجتمعا حيا وسياسيا، يتيح لهم ليس فقط الحفاظ على الذاكرة، بل كذلك الحفاظ على وجودهم كشعب، سواء في لبنان أو في مخيمات اللاجئين التي يعيش فيها هؤلاء الناس، مشيرة إلى أن جزءا من اللاجئين يعيشون على أرضهم الأصلية؛ لأن هذا الشعب جزء من هذه الأرض، مؤكدة أن هذا هو أكثر ما أرادت إظهاره من خلال صورها ومعرضها.
ومن جهتها، أكدت أمل خليفة الكاتبة والباحثة والرسامة الأردنية الفلسطينية، أن الصورة تؤدي دورا أساسيا في حفظ الذاكرة، لا سيما الذاكرة الفلسطينية، وفي صون الرواية الشفاهية الفلسطينية، معتبرة أن الصورة تمثل سلاحا من أسلحة المقاومة، وجزءا من الصمود الفلسطيني؛ لأنها تبتعد تماما عن الخطابات السياسية والدبلوماسية، وتظل مفتوحة أمام الجميع، من الأطفال والشباب إلى الكبار، موضحة أن الصورة تتحدث عن نفسها، وأن الحديث عن الصورة يعني أيضا الحديث عن القصة المصورة، التي توفر مساحة ومكانا للاجئ الفلسطيني كي يعبر عن ذاته.
وذكرت، في تصريح مماثل لـ"قنا"، أنها تسعى دائما، من خلال أعمالها البحثية ورسوماتها، إلى الحديث عن اللاجئين وعن ظروف معيشتهم وأماكن حياتهم، لكن الصورة والقصة المصورة تنقلان ذاكرة اللاجئ بكلامه وأقواله وحركاته وإيماءاته، وكذلك بما يوجد في منزله من تفاصيل وذكريات، مضيفة أن من بين ذلك ما يظهر في القصة المصورة عن ذاكرة أحد اللاجئين، والتي تتحدث عن الغرابيل المعلقة على حائط منزل أبي إياد، لافتة كذلك إلى أسماء الشوارع والأماكن، مثل اسم شارع مرتبط بقرية البريج والقدس.
وأشارت إلى أن تجسيد أسماء الأماكن من خلال الصورة يمثل محاولة وسعيا للمحافظة على الذاكرة من الزوال، ومنعها من الانتقال من لجوء إلى لجوء، مؤكدة أن اللاجئ الفلسطيني لا ينتظر المساعدات الإنسانية فحسب، بل يمتلك وعيا سياسيا كافيا للحفاظ على هويته ونقلها عبر الأجيال، مؤكدة أن الصورة تظل، لذلك، أداة مقاومة أساسية لحفظ الرواية الشفاهية الفلسطينية.
وبدورها، قالت هالة أبو حصيرة، سفيرة فلسطين في فرنسا، إن الصورة كانت دائما، ولا تزال اليوم أكثر من أي وقت مضى، وسيلة الشعب الفلسطيني لتوثيق نكبته ولجوئه ونزوحه، وكذلك لتوثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من قبل قوات الكيان الإسرائيلي.
وأوضحت، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الأساليب قد تتغير وتتطور الأدوات، لكن الصورة تبقى وسيلة أساسية للتوثيق ولنقل الرواية من جيل إلى آخر، ونشر الرواية الفلسطينية، سواء إلى المواطن الفلسطيني واللاجئ الفلسطيني والنازح الفلسطيني، أو إلى العالم أجمع.
ومن ناحيته، أكد سمير سلامة، الرسام والكاتب الفلسطيني، أن الصورة تلعب دورا كبيرا ومهما في حفظ الذاكرة والتاريخ، موضحا أنه خلال العمل على مشروع كتاب "من ذاكرة لاجئ"، استطاع اكتشاف تفاصيل لا تكون واضحة من الوهلة الأولى، وهي تفاصيل تحكي حكايات مخبأة وقصصا للناس لم تكتب.
وأوضح، في تصريحات مماثلة لـ"قنا"، أن الصورة عمليا هي لحظة يتوقف فيها الزمن، ويمكن من خلالها رؤية التفاعل والتفاصيل، خصوصا في صور الأرشيف، والاطلاع على قصص الناس وحكاياتهم التي لم تخضع لمجرد الأرشفة أو التوثيق، بل يمكن أن تحفظ سجل جريمة، وسجل مكان وثقافة، وتكشف ثقافة الناس وطريقة حياتهم، لافتا إلى أن تراكمات الصور تكشف أيضا الكثير عن قضايا مثل تفاصيل الحياة وطبيعة العلاقات بين البشر، مستشهدا بصورة عمل عليها في الكتاب لمجموعة من الفلسطينيين المعتقلين وهم محاطون خلف سياج.
وقال: "إنه عندما اقترب أكثر من الصورة ورسم تفاصيلها، لاحظ أن أحد المعتقلين يضع يده على كتف أخيه، وكأنه يحاول أن يواسيه ويصبره، بينما ينظر شخص آخر إلى العسكري، مشيرا إلى أن الصورة تكشف أيضا وجود أشخاص آخرين خلف المشهد، بما يعني أن وراء الصورة حكايات أخرى مخبأة".
وأشار إلى أن الصورة تختزن، عمليا، ذاكرة مؤقتة، وهو أمر مهم جدا، موضحا أن العمل على الصور وإعادة النظر فيها، خصوصا صور الأرشيف، ومقارنتها بالحدث المعاصر أو الراهن، يتيح اكتشاف التاريخ والتعلم منه.
وأكد الرسام والكاتب الفلسطيني أن للصورة أهمية وقيمة تاريخية، كما أن لها أهمية كبيرة في علاقتها بالذاكرة، موضحا أنه بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، حاول العدوان الإسرائيلي على مدار السنين محو الذاكرة الفلسطينية والثقافة الفلسطينية، ولذلك تلعب الصور دورا كبيرا ومهما في الحفاظ على هذه الذاكرة وعلى التاريخ.
ولفت إلى أن العمل على الذاكرة، وعلى الصورة، وعلى الفكرة، وعلى التاريخ الذي حدث، يصبح عاملا أساسيا في مقاومة هذا المحو، من خلال أرشفة الحقائق وتسجيل التاريخ وتوثيق الجرائم التي وقعت بحق الشعب الفلسطيني.
بدوره، قال فؤاد مردم بك، المؤرخ الفرنسي من أصول سورية، إن الصورة تبقى حاضرة كذاكرة للأجيال، لأن كل جيل يصور حياته، ثم يتوارث الجيل الذي يليه هذه الصور التي وثق بها الجيل السابق حياته.
وأوضح، في تصريحات لـ"قنا"، أن هذا الأمر مهم جدا بالنسبة إلى فلسطين، كما هو مهم بالنسبة إلى جميع البلدان العربية، لكنه يكتسب أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، لأنه يساهم في حفظ الذاكرة، وخصوصا ذاكرة فلسطين قبل النكبة، ثم ذاكرة النكبة والنزوح الفلسطيني.
وأشار إلى أن فلسطين كانت من أوائل المناطق في العالم التي صورت في القرن التاسع عشر، أي في بدايات التصوير، موضحا أن تلك الصور كانت، في كثير من الأحيان، تقدم فلسطين كما لو أنها المكان الذي يريد المصورون أن يروا فيه فلسطين القديمة، كما كانت في العصور القديمة، وليس فلسطين الحية التي نعرفها.
وأضاف أن الأمر تطور لاحقا، وأصبح لدينا أرشيف ضخم جدا يوثق حياة الفلسطينيين خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
ولفت إلى أن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت تحتفظ بمجموعة مهمة من هذه الصور، التقطها مصورون فلسطينيون ووثقوا من خلالها الحياة اليومية في فلسطين، مشيرا إلى أن المرحوم الأستاذ وليد الخالدي استخلص منها كتابا بعنوان "قبل الشتات"، صدر باللغات الإنجليزية والفرنسية والعربية.
وقال إن الكتاب يروي حياة الفلسطينيين ويقدم فلسطين بوصفها بلدا عامرا بالحياة، فيها مزارعون وفنانون وكتاب، وفيها أغنياء وفقراء، أي مجتمع حي قائم بذاته.
وأشار إلى وجود مجموعات كبيرة اليوم من أرشيفات الصور، ومن بينها أرشيف ضخم اكتشف وسيستخدم قريبا، وهو أرشيف الأونروا، الذي يوثق حياة الفلسطينيين في المخيمات منذ نكبة عام 1948.
وأوضح أن هذا الأرشيف يتيح، سنة بعد سنة، متابعة تطور حياة الفلسطينيين، سواء في المخيمات داخل فلسطين أو خارجها، في الضفة الغربية وقطاع غزة أو في البلدان الأخرى التي لجؤوا إليها.
واختتم المؤرخ تصريحاته لـ"قنا" بالقول: هناك اليوم موضوع آخر يتمثل في استخدام الصورة في الفن، وظهور أشكال فنية جديدة تعتمد عليها، ومنها الصور المتحركة وغيرها، معتبرا أن هذا العمل جميل جدا، ويمثل بداية مشجعة جدا لفنانين آخرين للدخول في هذا المجال والاستفادة من الصورة والأرشيف في إنتاج أعمال فنية جديدة تستعيد الماضي وتعيد تقديمه من خلال الصورة.
وهكذا، لا تبدو الصورة الفلسطينية مجرد وثيقة بصرية لمرحلة من التاريخ، وإنما تتحول إلى ذاكرة مفتوحة على الزمن، تحفظ وجوه الناس وأماكنهم وتفاصيل حياتهم، وتستعيد ما قد تغفله الوثائق الرسمية أو لا تستطيع الكلمات وحدها نقله. ومن خلال تراكم الصور والأرشيفات، تتشكل رواية بصرية تمتد من فلسطين قبل النكبة إلى مخيمات اللجوء ومراحل التحولات التي عاشها الفلسطينيون، لتبقى شاهدة على مجتمع وحياة وثقافة لا تختزلها صور الحرب أو مشاهد النزوح.
وفي زمن تتسارع فيه الصور وتتعدد مصادرها، تزداد أهمية الأرشيف الفوتوغرافي بوصفه مساحة للتحقق من الذاكرة وإعادة قراءتها، لا سيما حين تعاد الصور إلى سياقاتها وتُقارن بما يرويه أصحابها وما تحفظه الوثائق. وبين الصورة القديمة والصورة المعاصرة، تظل الحكاية الفلسطينية قابلة لإعادة الاكتشاف، لتنتقل من جيل إلى آخر، لا باعتبارها ماضيا محفوظا في الأرشيف فحسب، بل ذاكرة حية تعيد الصورة إضاءتها كلما أعيد النظر إليها.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو