دخلت حيز التنفيذ السبت الماضي.. معاهدة أعالي البحار اتفاق عالمي ملزم للمحافظة على المحيطات
الدوحة في 19 يناير /قنا/ بعد حصولها على تصديق أكثر من 60 دولة دخلت "معاهدة أعالي البحار" حيز التنفيذ فعليًا، أمس الأول السبت، لتصبح أول اتفاق عالمي ملزم قانونيًا لحماية الحياة البحرية في المياه الدولية أوما يعرف بأعالي البحار، ما يتيح إنشاء مناطق محمية والتعامل مع تهديدات مثل الصيد الجائر، بهدف حماية 30% من المحيطات بحلول عام 2030.
وتستمح المعاهدة، الذي تمت الموافقة عليه من حيث المبدأ في مارس الماضي، بإنشاء مناطق بحرية محمية ــ ملاذات آمنة للأسماك والنباتات وغيرها من الأنواع المعرضة للخطر ــ واستخدام ما يسمى "أدوات الإدارة القائمة على المناطق" لإدارة موارد المحيطات بشكل أكثر استدامة.
تُعد المعاهدة أول صك دولي ملزم قانوناً يركز على حماية التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية، وتستند في جوهرها إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تُعتبر "دستور المحيطات" والتي وضعت القواعد لاستغلال البحار وقاعها وحماية البيئة البحرية منذ دخولها حيز التنفيذ عام 1994.
وتفتح المعاهدة عهداً جديداً لحماية المحيطات العالمية، وتمثل خطوة تاريخية في جهود الحفاظ عليها، كونها توفر إطارًا قانونيًا ملزمًا لمواجهة التهديدات البيئية ومعالجة ما يُسمى بـ "أزمة الكوكب الثلاثية" المتمثلة في تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث. فالأنشطة البشرية في أعالي البحار مثل ممارسات الصيد المدمرة وجرّ الشباك القاعية والصيد غير القانوني باتت تشكل مشكلة متنامية، تضرّ بحياة أعالي البحار، وإلى جانب ذلك تضع الملوثات البلاستيكية والكيميائية، والأنشطة الناشئة مثل تعدين قاع البحر، وحموضة المياه الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة، أعالي البحار تحت تهديد شديد.
وكانت مفاوضات المعاهدة قد بدأت عام 2004، مع تركيز على سد الثغرات في الحوكمة البحرية للمناطق خارج الولاية الوطنية، وتم تبني النص النهائي للاتفاقية في 19 يونيو 2023، بعد سنوات من المناقشات الدولية، وكان شرط دخولها حيز التنفيذ هو الحصول على 60 تصديقًا رسميًا، وتحقق ذلك في 19 سبتمبر 2025، ما حدد تاريخ التنفيذ الفعلي في 17 يناير 2026 أي بعد 120 يومًا.
ومن أبرز ما تهدف إليه المعاهدة، إنشاء شبكة من المناطق المحمية في أعالي البحار، بهدف حماية 30% من المحيطات بحلول عام 2030، وتقييم الأثر البيئي للأنشطة البشرية في أعالي البحار، وتسهيل تقاسم منافع الاقتصاد الأزرق بطريقة عادلة ومستدامة.
ومن المتوقع أن يؤدي دخول المعاهدة حيز التنفيذ إلى تعزيز الاستدامة البيئية، حيث ستساعد في الحفاظ على التنوع البيولوجي الذي يدعم 50 % من الأكسجين على الأرض ويخزن الكربون، وقد يحد من الاستغلال غير المنظم، مما يحمي مصالح الصيد والسياحة البحرية، مع فتح فرص للابتكار في التكنولوجيا الخضراء، وستكون المعاهدة خطوة هامة نحو تنفيذ اتفاقيات أخرى مثل اتفاقية باريس للمناخ.
صادقت العديد من الدول الكبرى على المعاهدة، منها الصين وألمانيا واليابان وفرنسا والبرازيل، حيث تؤثر الصين بشكل خاص على الصناعات المرتبطة بالمحيطات، مثل بناء السفن وتربية الأحياء المائية ومصايد الأسماك والنفط والغاز البحري، حيث صدرت سلعا مرتبطة بالمحيطات بقيمة 155 مليار دولار عام 2023.
وتشمل قائمة الدول التي لم تصدق على المعاهدة الولايات المتحدة والهند والمملكة المتحدة وروسيا. وتعد الولايات المتحدة من بين أكبر خمس دول مصدرة للسلع المرتبطة بالمحيطات، ورغم اعتمادها المعاهدة عام 2023، إلا أنها لم تصدق عليها بعد، أما الهند وهي من بين أكبر الدول النامية المصدرة المرتبطة بالمحيطات فقد اعتمدت الاتفاق عام 2024، لكن التشريعات المحلية المتعلقة بالتصديق لا تزال قيد الانتظار. بينما قدمت المملكة المتحدة تشريعا بشأن هذه المسألة عام 2025، إلا أن البرلمان لم يصدق عليه بعد، ولا تزال روسيا من بين قلة من الدول التي لم تعتمد الاتفاق أوتصدق عليه، معبرة عن رغبتها في الحفاظ على أطر الحوكمة القائمة، وضمان حرية الملاحة والشحن في المياه الدولية.
ووفق المراقبين فإن انضمام هذه الدول أمر بالغ الأهمية لضمان شمولية المعاهدة وفعاليتها، خاصة وأن أعالي البحار هي مناطق مشتركة تتطلب تعاوناً عالمياً.
ويؤكد خبراء الأمم المتحدة أن مفتاح نجاح المعاهدة يكمن في قدرة المجتمع الدولي على تنفيذ أحكامها بصرامة، بما في ذلك فرض الرقابة على الأنشطة التي قد تضر بالتنوع البيولوجي البحري وهو ما يتطلب آليات تمويل قوية، ونقل فعال للتكنولوجيا، وتعاوناً دولياً غير مسبوق.
تشير معاهدة أعالي البحار إلى "حقبة جديدة من حوكمة المحيطات العالمية"، لكن خبراء يحذرون من أنها لن توقف الأضرار التي لا رجعة فيها، وعلى الرغم من إشادة الخبراء الدوليين بالمعاهدة بوصفها "نقطة تحول" في التعاون متعدد الأطراف وحوكمة المحيطات، تبقى هناك مخاوف من ثغرات محتملة.
تغمر المحيطات أكثر من 70% من سطح الكوكب، وهي جزء حيوي لا يُستغنى عنه في النسيج الحيوي للأرض، وتنتج ما لا يقل عن خمسين بالمئة من الأوكسجين الذي نتنفسه، وتأوي معظم التنوع الحيوي في العالم، وتُعد مصدرا رئيسا للبروتين لأكثر من مليار نسمة في مختلف أرجاء الأرض، فضلا عن ذلك تعد المحيطات ركيزة أساسية لاقتصاد العالم، إذ يُتوقع أن يبلغ عدد العاملين في الصناعات المرتبطة به قرابة 40 مليون شخص بحلول عام 2030.
وينظر العلماء إلى أعالي البحار بوصفها أحد أكبر خزانات التنوع البيولوجي على الأرض، وتؤدي دورا مهما في تنظيم المناخ ودعم دورات الكربون والمياه، وتقدر القيمة الاقتصادية للكربون المخزّن في أعالي البحار بما يصل إلى أكثر من مائتي مليار دولار سنويا، وعلى الرغم مما تزخر به من فوائد جمة، فإن المحيطات لازالت في أمسّ الحاجة إلى العون والرعاية من خلال التعاون الدولي.
English
Français
Deutsch
Español