قضية الروهينغا أمام محكمة العدل الدولية.. لحظة أمل في تحقيق العدالة
الدوحة في 12 يناير /قنا/ تبدأ محكمة العدل الدولية اليوم، جلسات استماع حاسمة في قضية حرب الإبادة بحق أقلية الروهينغا المسلمة، والتي رفعتها غامبيا ضد ميانمار عام 2019.
و ستكون هذه المرة الأولى التي تستمع فيها محكمة دولية إلى بعض ضحايا الروهينغا عن الفظائع والانتهاكات التي تعرضوا لها، ومن المنتظر أن تستمر جلسات الاستماع ثلاثة أسابيع، وستكون مغلقة أمام الجمهور ووسائل الإعلام، فيما يتابع لاجئو الروهينغا في مخيمات النزوح خارج ميانمار هذه الجلسات عن كثب، ويحدوهم الأمل في تحقيق العدالة لقضيتهم بشكل يسمح بمساءلة الجناة وعودتهم الآمنة إلى وطنهم وديارهم.
وقد أكدت غامبيا في مذكرة الدعوى، أن ميانمار انتهكت اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948 فيما يتعلق بمعاملة أقلية الروهينغا المسلمة في ولاية راخين، من خلال هجمات مسلحة عامي 2016 و2017، شملت عمليات قتل جماعي، وعنف جنسي واسع النطاق ضد النساء والفتيات، وحرق وتدمير القرى، والتهجير القسري لأكثر من مليون من الروهينغا، فرّ معظمهم عبر الحدود إلى بنغلاديش.
وتقول غامبيا إن تلك الأعمال لم تكن حوادث معزولة أو نتائج غير مقصودة لعمليات أمنية، بل كانت جزءًا من محاولة منهجية لإبادة الروهينغا كجماعة، كليًا أو جزئيًا، وهو ما يُعد إبادة جماعية بموجب القانون الدولي. وبموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، تُعتبر الإبادة الجماعية جريمة ضد الإنسانية جمعاء، لا ضد المجموعة المتضررة مباشرةً فحسب. ولكل دولة موقعة على الاتفاقية الحق والواجب في اتخاذ إجراءات لمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بغض النظر عن مكان وقوعها، ويتيح هذا المبدأ القانوني لأي دولة طرف رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية.
وقد طعنت ميانمار في اختصاص المحكمة، قائلةً إن غامبيا ليست طرفاً مباشراً في النزاع، وبالتالي لا يحق لها رفع دعوى، علما بأن البلدين موقعان على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، التي وُقعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي عام 2022، رفض القضاة طعن ميانمار، مما سمح باستمرار القضية. وخلصت بعثة لتقصي الحقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أن الهجوم العسكري لقوات ميانمار عام 2017 تضمن "أعمال إبادة جماعية". ورفضت سلطات ميانمار هذا الاتهام، قائلة إن هجومها العسكري كان "حملة مشروعة لمكافحة الإرهاب ردا على هجمات المسلحين المسلمين".
وقد تدخلت إحدى عشرة دولة في القضية، لكنها لن تقدم حججًا شفهية في جلسات الاستماع المتعلقة بجوهرها، وبينما تبقى مذكراتها المكتوبة سرية، فإن إعلانات تدخلها تُفصّل عدة حجج تدعم موقف غامبيا، بما في ذلك مسألة نية الإبادة الجماعية، ونطاق الالتزام بمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، ودور العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي في تحديد ما إذا كانت ميانمار قد ارتكبت إبادة جماعية.
وكانت غامبيا قد تحركت بدعم من منظمة التعاون الإسلامي، مما يعكس موقفاً أخلاقياً وقانونياً جماعياً ضد الإبادة الجماعية.
ويعيش اليوم 1.17 مليون من الروهينغا في مخيمات مكتظة ومتهالكة في كوكس بازار ببنغلاديش، ويرى كثيرون منهم في جلسات المحكمة فرصةً للمجتمع الدولي للاعتراف رسمياً بأن ما حدث للروهينغا لم يكن مجرد صراع أو هجرة، بل نتيجة جرائم دولية خطيرة، ويكتسب هذا الاعتراف أهمية بالغة لدى الضحايا الذين طالما تم إنكار معاناتهم أو التقليل من شأنها، كما ترسل جلسات المحكمة بصيص أمل في أن يؤدي الضغط القانوني المستمر إلى دعم الظروف اللازمة لعودتهم بصورة آمنة وطوعية وكريمة إلى وطنهم، وهو أمر لا يزال ملايين الروهينغا يتوقون إليه بالرغم من مرور نحو عقد من الزمان على محنتهم.
وتُعتبر هذه القضية على نطاق واسع واحدة من أهم الإجراءات القانونية الدولية المتعلقة بالفظائع الجماعية في القرن الحادي والعشرين، وتتجاوز تداعياتها حدود ميانمار وشعب الروهينغا، فهي تختبر مدى قدرة القانون الدولي على حماية الأقليات المستضعفة بشكل فعّال، كما أن هذه القضية وغيرها من القضايا المعروضة أمام محكمة العدل الدولية تشكل تحذيرات قوية للدول المنتهكة للقانون في جميع أنحاء العالم، بأنه قد يُطلب منها يوماً ما أن تُحاسب على أفعالها أمام محكمة قانونية.
وستُحدد نتيجة هذه القضية ليس فقط مستقبل الروهينغا، بل أيضاً المصداقية الأخلاقية للعدالة الدولية نفسها، كما أنها بالنسبة لملايين البشر الذين عانوا من النزوح والفقدان، تُمثل بصيص أمل هشّ ولكنه ذو مغزى بأن العالم يُصغي أخيراً، وأن العدالة، حتى وإن تأخرت، لا تزال ممكنة.
وقال نيكولاس كومجيان رئيس آلية التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة في ميانمار إن من المرجح أن تضع القضية سوابق حاسمة لكيفية تعريف الإبادة الجماعية وكيفية إثباتها، وكيف يمكن معالجة الانتهاكات.
وقد يستغرق القرار النهائي شهوراً أو حتى سنوات، وبينما لا تملك محكمة العدل الدولية أي وسيلة لإنفاذ قراراتها، فإن صدور حكم لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغط السياسي على ميانمار.
وتشهد ميانمار مزيدا من الاضطرابات منذ عام 2021، عندما أطاح الجيش بالحكومة المدنية المنتخبة وقمع بعنف الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية، مما أدى إلى اندلاع تمرد مسلح في جميع أنحاء البلاد. وتجري ميانمار حاليا انتخابات على مراحل انتقدتها الأمم المتحدة وبعض الدول الغربية وجماعات حقوق الإنسان باعتبارها غير حرة وتفتقد للنزاهة.
English
Français
Deutsch
Español