سقوط حكومة فرانسو بايرو.. فرنسا بين أزمة جديدة وحلول معقدة
الدوحة في 09 سبتمبر /قنا/ بعد أقل من تسعة أشهر من توليه منصبه، حجبت أغلبية من نواب الجمعية الوطنية الفرنسية الثقة عن حكومة فرانسوا بايرو الذي سيقدم استقالته للرئيس إيمانويل ماكرون، ليكون ثاني رئيس وزراء يتم إسقاطه بعد ميشال بارنييه منذ قرار حاكم الإليزيه المفاجئ عام 2024 بحل الجمعية الوطنية عقب فوز اليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي.
وتوقع محللون ومراقبون هذا التطور في الحياة السياسية في فرنسا منذ أسابيع، لتدفع البلاد في أزمة سياسية ومالية كبيرة بالنظر إلى أن طلب حصول الثقة على خطة التقشف الحكومية ومعالجة الدين العام استنادا إلى المادة 49.1 من الدستور، كانت الأولى منذ تأسيس الجمهورية الخامسة، وجرت سياسيات بايرو إلى "الفشل" وسقوط حكومته التي عارض غالبية الفرنسيين منهجها الاجتماعي والاقتصادي والأمني منذ بدايات عملها.
وكان حجب الثقة، بحسب المراقبين، حتمياً إزاء افتقار رئيس الوزراء الفرنسي إلى الدعم الكافي لمساندة خطة التقشف التي انتهجها، إذ صوّت النواب ضده بأغلبية تقارب اثنين إلى واحد، وبلغت الأصوات التي وافقت على حجب الثقة 364 نائباً، بينما أبدى 194 فقط تأييدهم لبايرو الذي تحمل عبء مشروع موازنة عام 2026 التي تنص على اقتطاعات بقيمة 44 مليار يورو.
وتبلغ ديون فرنسا نحو 114% من الناتج المحلي الإجمالي، ما جعل البلاد تعاني أعلى نسبة عجز كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو، بسبب خدمة دفع الديون وفروق الأسعار مقابل السندات، ومما زاد الوضع تعقيدا وتأزما مراجعة وكالة "فيتش" الإئتمانية تصنيفها لفرنسا إلى AA- مع نظرة مستقبلية سلبية في 12 سبتمبر الجاري، وستتبعها وكالتا "موديز" و"ستاندرد آند بورز جلوبال" في أكتوبر ونوفمبر المقبلين بحسب الخبراء الماليين.
وقد يعيق تخفيض التصنيف قدرة فرنسا على جمع الأموال بأسعار فائدة منخفضة من المستثمرين، ويعمق مشكلات ديونها، ناهيك عن احتمال الرضوخ لفترة طويلة من انعدام اليقين السياسي والمالي، وبالتالي خطر تقويض نفوذ ماكرون في أوروبا في ظل تحديات التجارة والأمن الأوروبي، مع احتدام الحرب في أوكرانيا، وهذا ما دفع رئيس الوزراء فرانسو بايرو لتحذير النواب قبيل التصويت من أن "بلاده تعمل وتظن أنها تزداد ثراء لكنها في الواقع تزداد فقرا كل عام"، معتبرا أنه "نزيف صامت وباطني غير مرئي لا يحتمل".
كما خاطف رئيس الوزراء نواب البللمان بالقول "لديكم القدرة على إطاحة الحكومة ولكنكم لا تملكون القدرة على محو الواقع"، موضحًا أن فرنسا دفعت في 2020 ما يقارب 20 مليار يورو كفوائد للديون، و60 مليارا في 2024، فيما يتوقع أن تدفع 117 مليار يورو في نهاية هذا القرن، في تحذير منه من صعوبة ودقة الوضع المالي للبلاد، والتي يتطلب نهجها الإصلاحي تضحيات جماعية، وسياسية تقشف حتمية قبل الانحدار إلى واقع أشد قتامة وأكثر صعوبة.
وفي سياق متصل، أعلن قصر الإليزيه أن ماكرون سيُعيّن رئيس وزراء جديدا خلال الأيام المقبلة وفقا لما تنص عليه المادة 50 من الدستوربعد تقديم رئيس الوزارء استقالة حكومته، وهذا سيفتح باب مشاورات معقدة بالنظر إلى ضيق الخيارات التي تكبل يد رئيس البلاد الذي ستنتهي ولايته في عام 2027، ما بين تشكيل حكومة جديدة أو الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة، إذ كشف استطلاع للرأي أن حزب التجمع الوطني (يمين متطرف) بزعامة ماري لوبان مع حلفائه سيتصدرون نتائج الدورة الأولى للانتخابات في حال جرت مع 33% من الأصوات، متقدما بفارق كبير على اليسار والمعسكر الرئاسي.
وتواجه الحياة البرلمانية والحزبية في فرنسا منذ أعوام عجزا حقيقيا عن إنضاج توافقات سياسية تجاه الأزمات المالية وضبط اتجاهات المواقف الأوروبية بسبب غياب التنسيق والحلول الوسط بين الأحزاب السياسية، بجانب ضعف القواعد المؤسسية، إذ أن معظم الأحزاب يمتلك خطوطاً حمراء تجاه الآخرين تجعل من شبه المستحيل تشكيل ائتلاف مستقر يستند إلى غالبية مريحة تواكب خططه الداخلية والخارجية، ويمنع صمود أي ائتلاف تجاه الأزمات المتصاعدة.
واعتبرت زعيمة الحزب مارين لوبان، في تعليقها على الأزمة الحكومية الحالية، أن حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة "ليسا خيارا بل أمرا واجبا" على ماكرون، بينما يطالب الحزب الاشتراكي بتمكينه من فرصة تشكيل الحكومة الجديدة، مبديا استعداده" لتولي السلطة ولكن في إطار حكومة يسارية بدون ما يعرف بكتلة "الماكرونيين" القريبين من توجهات الرئيس الفرنسي.
وقد اقترح الحزب الإشتراكي ميزانية مضادة لخطة بايرو تتركز على فرض ضريبة باثنين بالمئة على الأقل على الثروة الشخصية التي تزيد عن 100 مليون يورو، ما سيحقق وفرة بـ 22 مليار يورو، وهو اقتراح لا يلقى قبولاً مع بنود الإصلاحات المؤيدة لقطاع الأعمال في رئاسة ماكرون.
أما حزب اليسار "فرنسا الأبية"، الذي يتزعمه جان لوك ميلانشون، فيرفع السقف، مطالباً بعزل ماكرون إذا لم يحصل بايرو على الثقة، لكن هذه الفرضية تبقى هامشية للغاية نظرا لتأكيد الرئيس إصراره على إكمال ولايته حتى عام 2027 مهما بلغت حدة الاضطرابات السياسية، ورغم تراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها منذ وصوله إلى السلطة عام 2017، إذ يبدي 77% من الفرنسيين استياءهم حيال إدارته للبلاد.
وعند مفترق الطرق السياسي المعقد هذا، يجد ماكرون نفسه محاصرا بين يمين متطرف يتصاعد نفوذه على مر السنوات والانتخابات، ويسار راديكالي يزداد تشددا ومناهضة له، ما يحتم عليه السعي لتوسيع كتلته الوسطية والبحث عن شخصية يمينية أو من الوسط يقبل بها الاشتراكيون، وفي هذا الساحة التنافسية يتم تداول أسماء من بينها وزير الجيوش سيباستيان لوكورنو، ووزير العدل جيرالد دارمانان، ووزير الاقتصاد إريك لومبار، لكن هذه الاقتراحات قد تدخل البلاد في حلقة مفرغة بالاعتماد على ذات الاستراتيجية التي فشلت فيها حكومتا بارنييه وبايرو.
وزيادة على ذلك، تتزامن هذه التحركات السياسية مع تصعيد اجتماعي يتوقع خلاله دخول البلاد في مرحلة شلل، حيث دعت حركات مدنية نشأت خلال الأشهر الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مظاهرات وإضراب واسع تحت شعار "لنغلق كل شيء"، مدعومة ببعض النقابات واليسار الراديكالي، وحدد له يوم الـ18 من سبتمبر الجاري، لكن لا يعرف عما إذا كان القائمون على هذا التحرك الإحتجاجي سيمضون فيه قدماً أو أنه سيتأجل بالنظر إلى أنه كان يشترط إسقاط حكومة بايرو ورحيلها.
ويعد بايرو رابع رئيس وزراء يعينه الرئيس إيمانويل ماكرون في أقل من عامين، حيث كلف حاكم الإليزيه قبل ثلاث شخصيات لترؤس حكوماته تنتمي كلها إلى تياره السياسي الوسطي (إليزابيث بورن، وغابرييل أتال، وفرنسوا بايرو)، فيما ينتمي الرابع (ميشال بارنييه) إلى اليمين التقليدي المسمى "الجمهوريون"، استقال منهما اثنان بينما أجبر آخران على الاستقالة بعد تصويت حجب الثقة عن خططهم الاقتصادية، فإلى أين تسير فرنسا في قادم الأشهر، هل نحو الخروج من نفق تبدو نهايته بعيدة بالنظر لواقع الحال راهنا، أما إلى مزيد من التعقيد في ظل تباعد المسافات بين الفرقاء السياسيين.
English
Français
Deutsch
Español